اكتب أي شيء للبحث

توسيع واستغلال الحدود الفاصلة لشن الحرب الشاملة

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

جهة النشر: مؤسسة راند، وحدة الترجمات

تاريخ النشر: 2016

كيف تعمل كل من روسيا والصين وإيران على تقويض النفوذ الأميركي مستخدمة التدابير دون الحربية الراسخة والمُجربة؟

مُلخص مذكرة أعدت لصالح جيش الولايات المتحدة- مؤسسة راند للأبحاث- 2016

تعريفات إيضاحية

الحرب الشاملة: صراع بين الدول يضم واحدة أو كل الإجراءات التالية: إعلان الحرب، قتال تقليدي على نطاق واسع وطويل، هجوم نووي.

الحدود الفاصلة: حد فاصل مُعلن عنه أو متوافق عليه ضمنيًا.

توسيع الحدود الفاصلة: استخدام التدابير دون الحربية لفرض تغيير جبري في طبيعة الحدود الفاصلة بغية الحصول على نفوذ وسيطرة إقليمية.

استغلال الحدود الفاصلة: استغلال عجز الخصم عن إنقاذ الحدود الفاصلة المعلنة أو الضمنية لشن الحرب الشاملة.

التدابير دون الحربية: هي التدابير التي تتخذها الدولة للوصول إلى الحرب الشاملة، وهي: التفاوض، الحظر، الاستعراض، الترهيب، الاغتيالات، التخريب والاستخدام المحدود للقوة.

أولًا- التدابير دون الحربية

لجأت روسيا للعمل السري وعمليات التوغل العسكري المحدودة والدعاية، وذلك للاستيلاء بشكل فاعل على أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم. فيما استخدمت الصين الضغط الدبلوماسي والاقتصادي وعمليات استعراض القوة العسكرية بجرأة بغية توسيع نطاق نفوذها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وضم جزر مختلفة في بحر الصين الشرقي. بينما استخدمت إيران العمل السري والاستثمار الاقتصادي والضغط الديني لتعزيز مصالحها في العراق على حساب الولايات المتحدة.

في المقابل كانت ردود الولايات المتحدة غير فاعلة بسبب ميل الاستراتيجيين الأميركيين إلى الاعتماد على نماذج للحدود الفاصلة بشن حرب اتسمت بــكونها غير فاعلة، ما أسهم في ضعف الولايات المتحدة أمام التدابير دون الحربية.

وكانت التدابير دون الحربية هي الركيزة الأساسية للنفوذ الجغرافي السياسي إبان الحرب الباردة، حيث دعمت الولايات المتحدة الجماعات المناهضة للشيوعيين ماليًا بغية التأثير على الانتخابات القومية في إيطاليا، وقدمت دعمًا ماليًا للمجموعات المسلحة التي تقاتل السوفييت في أفغانستان. بينما قدم الاتحاد السوفيتي الاستشارات والدعم العسكري للفيتناميين الشماليين، وعليه ليس من الصحيح وصف تصرفات كل من روسيا والصين وإيران بأنها نموذج جديد للصراع الدولي، حيث إن نجاح هذه الدول القومية إنما ينبع ببساطة من المزج الجرئ بين التكتيكات القديمة والتقنيات الحديثة، فالنموذج قديم لكن كفاءة منافسي الولايات المتحدة قد ازدادت، وحدث توسع لدى هذه الأطراف في استخدام التدابير دون الحربية.

يمكن اعتبار الولايات المتحدة عرضة للتدابير دون الحربية لسببين، أولهما أن واشنطن تتبع نموذجًا قديمًا غير واقعي، ثانيهما أن عالمية التأثير الأميركي تحد من قدرة صانع السياسات الأميركي في التقييم والدفاع عن الحدود الفاصلة بنجاح. حيث كان النجاح حليف روسيا في منطقة مهمة استراتيجيًا لها وهامشية للولايات المتحدة مثل القرم، والأمر نفسه بالنسبة لإيران في العراق، والصين في بحر الصين الشرقي.

هناك تحول في نموذج الحرب خلال العقود الأخيرة، ففي الماضي كنت تسعى للفوز في اختبار القوة “الحرب الصناعية”؛ ومن ثم كسر إرادة خصمك بما يسمح لك في النهاية من إملاء النتيجة السياسية التي ترغبها، بينما حاليًا ظهر نمط “الحرب وسط الشعب” الذي يعني السعي نحو تغيير التوجهات والسيطرة على إرادة خصمك وإرادة الشعب لتفوز بصراع الإرادات، ونتيجة لذلك الفوز في اختبار القوة. والفارق هنا هو أن القوة العسكرية أو العنف لم تعد تستخدم لحسم النزاع السياسي بل صارت أداة لتحويل الدعم الشعبي لتحقيق غايات سياسية أكثر من كونه أداة لهزيمة قوات عسكرية أخرى، لذا يمكن القول إن “الحرب لم يعد لها وجود”، حيث ظهرت استراتيجية “إنهاك الصراع” في حربي أفغانستان والعراق للنيل من الولايات المتحدة.

إذا كنا في مجال الإجابة على سؤال، أي الحروب التالية سيكون هو القائم (الحرب، أم الحرب وسط الشعب، أم الحرب المثالية، أم الحرب الفعلية) فإن الإجابة ستكون أن النموذج القائم هو “الحرب وسط الشعب”، وهو ما يمكن ملاحظته في الفترة من 2001 إلى 2015، وحتى وإن كانت حرب العراق 2003 حربًا تقليدية إلا أنها كانت في بعض منها حربًا وسط الشعب.

إلا أن افتراض زوال نوع “الحرب التقليدية” -التي تكون عبارة عن مدفع مقابل مدفع، مشاة مقابل مشاة، طائرات مقابل طائرات، دبابة مقابل دبابة- سيكون نوعًا من انعدام الحكمة، فبعد حرب فيتنام افترض الاستراتيجيون الأميركيون أن عمليات مكافحة العصيان إلى زوال، لكن لم تمر 20 سنة إلا وبرهنت أفغانستان والعراق على عدم صحة هذا الافتراض.

ثانيًا-الحرب غير المقيدة

الحرب غير المقيدة هي الاستخدام الجرئ للتدابير دون الحربية بغية تحقيق غايات استراتيجية محدودة، فهي تستفيد من التطور التكنولوجي، وتتكون من مزيج من أعمال الإرهاب والضغوط الاقتصادية والعمل السري وتمكين الوكلاء واتخاذ الإجراءات السياسية والقانونية. وفي الواقع كل هذه الإجراءات كانت تستخدمها الدول القومية منذ القدم، لذا فإن مصطلح “الحرب غير المقيدة” هو مصطلح مضلل، وهو تسمية معاصرة لممارسات دولية قديمة.

الدول القومية الحديثة ستستخدم “الحرب غير المقيدة” بطريقة توازن بشكل معقول بين المخاطر والمكاسب، وستعمل هذه الدول على تقييد تصرفات القادة السياسيين المضطربين عقليًا من أجل منعهم من اتخاذ قرارات خطيرة لتفادي أي دمار موسع، أو لأنهم لا يرون فائدة من الحرب الشاملة. فعلى سبيل المثال، كان هناك مبرر وراء عدم شن روسيا هجمة نووية ضد الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة، وعدم دفعها بأرتال عسكرية إلى العاصمة الأوكرانية في 2014، والأمر نفسه لعدم شن الصين هجمات إلكترونية غير مقيدة ضد الولايات المتحدة، وكذلك عدم قتل إيران لجميع مواطني الولايات المتحدة وإسرائيل الواقعين في متناول عمليات “فيلق القدس”.

ثالثًا- توسيع واستغلال الحدود الفاصلة

أدركت كل من روسيا والصين تزايد إحجام الولايات المتحدة الأميركية عن القتال في أعقاب حربيها في أفغانستان والعراق، حيث تمكنت من رصد الحدود الفاصلة التي تضعها الولايات المتحدة وحلفاؤها لشن الحرب، وتمكنت أيضًا من استغلال المناطق الملتبسة في تلك الحدود، فطبقت هذه البلدان مزيجًا من التدابير السرية وغير المباشرة وضغوطات اقتصادية وسياسية وجولات مفاجئة لاستعراض القوة، حيث بدت هذه الجهود وكأنها جزء من خطة قومية طويلة الأجل منسقة بعناية.

تشير حالات التراجع الأميركي في كل من أميركا الشمالية وآسيا والشرق الأوسط إلى أن الولايات المتحدة أصبحت عرضة بشكل متزايد لما يمكن أن يطلق عليه مصطلح “توسيع الحد الفاصل أو استغلال الحد الفاصل” على يد الأطراف الأخرى.

ويمكن ملاحظة أيضًا أن الدول المنافسة تستغل كون أن الولايات المتحدة يتوجب أن تمتثل للقوانين الأميركية والكثير من القوانين الدولية، ومن ثمَّ فإن الدول الأقل اكتراثًا بالقيود القانونية قد تحظى، على الأقل، بميزة تكتيكية أصيلة، بما يساهم في إيجاد فجوة وتراجع نفوذ الولايات المتحدة تدريجيًا.

تتسم التفسيرات الرسمية التي تشكل بنية التفكير الاستراتيجي الأميركي فيما يخص النماذج الجديدة من الحرب بأنها بالية ومضللة، ففي أثناء الحرب الباردة وضعت التدابير دون الحربية في تتابع خطي، يبدأ بخطوات تنتهي بشن الحرب التقليدية أو النووية، وقد تتجنب الولايات المتحدة استخدام التدابير اللازمة وتتوقف قبل بلوغ الحدود الفاصلة المعروفة.

ولتوضيح النقطة أعلاه يمكن الاستعانة بنموذج “هيرمان كان”، شكل رقم (1)، الذي وضع خطًا تدريجيًا عرف باسم “سلم كان” الذي يتألف من سلسلة متتابعة من 44 خطوة، تبدأ من المناورة السياسية على مستوى منخفض وصولًا إلى الحرب الجنونية الشعواء غير المقيدة، وقد طُور هذا السلم في أعقاب أزمتي الصواريخ الكوبية وحصار برلين، ولأن الحرب النووية كانت هي الدافع لتصميم نموذج “سلم كان” نجد أن الحد الفاصل الحرج يقع ما بين المناورة والأزمات من جانب والحروب المركزية النووية من جانب آخر.

شكل رقم (1) نموذج “سلم كان”

199

كان نموذج “سلم كان” كافيًا لصناع القرار الأميريكيين لتجنب مواجهة شاملة تقليدية أو نووية إبان الحرب الباردة، إلا أنه لم يكن مناسبًا للخطط أثناء مواجهة ضم القرم. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أعربت عن استعدادها للاحتكام إلى المادة الخامسة من معاهدة واشنطن المنظمة لحلف الناتو للجوء للحرب الشاملة دفاعًا عن أراضي الحلفاء من الأعضاء إلا أنها لم تعد عازمة مؤخرًا على استخدامها، حيث لم تقدم مساعدة صريحة لبريطانيا أثناء حرب الفوكلاند في 1982، ولم تُثر عمليات الرئيس السوري ضد شعبه رد فعل من أعضاء حلف الناتو وأميركا، وربما لو أن هذه العمليات وقعت قبل حرب أفغانستان لكان رد الفعل الأميركي مختلفًا.

رابعًا-اعتبارات وتحذيرات

إن استغلال الحدود الفاصلة لشن الحرب الشاملة هي بالنسبة للدول القومية إجراءات مجربة على مر الزمن ومدروسة علميًا وليست جديدة.

الجديد في الأمر أن كل بلد رصد نقاط الضعف في سياسة الولايات المتحدة وقوة إرادتها واستغلها، حيث فوّض النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة وسلطة قواتها العسكرية الرادعة خصوصًا بعد حرب أفغانستان والعراق.

من المقترح أن أفضل السبل لمعالجة هذا الواقع هو تطوير وحماية استراتيجية كبرى فاعلة للولايات المتحدة تدمج بسهولة التدابير دون الحربية في خطة عمل عالمية طويلة الأمد، على أن يكون هناك نمطان، نمط لوقت السلم وآخر لوقت الحرب، إلا أن أحد أشكال عجز تطوير السياسات الاستراتيجية الأميركية هي التقلبات الحزبية، بالإضافة إلى تقيد الولايات المتحدة برؤية عالمية.

لذا يجب أن توفر منظمات الأمن القومي الأميركية خيارات شمولية مستنيرة من أجل منع أو الرد على محاولات توسيع واستغلال الحدود الفاصلة لشن الحرب الشاملة، وكذلك تقديم خيارات تتعلق بالسياسات وأخرى بالاستراتيجيات وثالثة تتعلق بالرد، كما يجب تطوير إمكانيات التدابير دون الحربية.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا