اكتب أي شيء للبحث

مراكز الفكر.. الأهمية والدور

مشاركة

 مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

السفير/ رخا أحمد حسن

تضطلع مراكز البحوث بدور بالغ الأهمية في إنتاج المعرفة والبحث العلمي في كافة المجالات، بما يسهم على نطاق واسع، في كل الدول المتقدمة والدول الصاعدة وبعض الدول النامية، في صياغة الاستراتيجيات ورسم السياسات والبرامج في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والعلمية والإعلامية وغيرها، وقد أصبحت هذه المراكز سندا رئيسا لصناع القرار في القضايا بالغة الأهمية والقضايا المهمة خاصة في الدول الديمقراطية والدول الصناعية المتقدمة، والدول الكبيرة التي لها سياسات عالمية تمتد إلى جميع مناطق العالم.

ويلاحظ بصفة عامة اختلاف دور مراكز البحوث والدراسات في الدول المتقدمة عنه في الدول النامية، حيث إن دورها في الدول المتقدمة لصيق بمؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما أن هذه المراكز كثيرا ما تبادر بجعل بحوث ودراسات محددة بموضوعات بعينها ذات أهمية كبيرة على المستوى العالمي أو الإقليمي أو داخل الدولة ذاتها، وتكون بمثابة تنسيق لصناع القرار الذين يسارعون في الاشتباك في حوار فاعل مع هذه المراكز من أجل التوصل إلى أفضل السياسات بما يخدم المصالح القومية والإقليمية أيضا.

لكن الوضع مختلف في الدول النامية، حيث تعمل معظم مراكز البحوث والدراسات بعيدا عن الارتباط بالمضمون الوظيفي لصناع القرار أو كل من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية التي تختص كل منها بإنشاء مراكز بحوث ودراسات خاصة بها، بحيث تضمن أن تكون تحت السيطرة ووفق ما يتلقاه من توجيهات من حيث بحوث ودراسات تتوافق مع متطلبات صناع القرار، أما مراكز البحوث والدراسات المستقلة فقد تتواصل مع صناع القرار وتقدم ما تتوصل إليه من بحوث ودراسات، ولكنا تسير في طريق ذي اتجاه واحد، قلما يحدث تجاوب وتفاعل بين صناع القرار وهذه المراكز التي تواجه عدة صعوبات في مقدمتها مشكلات التمويل، وإذ تلقت دعما من جهة ما أو مؤسسة فإنه يكون مقابل التوافق على اشتراطات وحدود وقيود معينة، ومشكلات نشر البحوث والدراسات التي تستشرق آفاقا جديدة برؤى وأبعاد مبتكرة قد تُعد خروجا على المألوف وتتعرض لمحددات، وأحيانا إجراءات رادعة.

هذا بالرغم من أن الدراسات المستقبلية أصبحت تتلقى اهتماما بالغا وتشغل مكانة عالية في اهتمامات السلطات الثلاث وصناع القرار في الدول المتقدمة والدول الصاعدة وبعض الدول النامية، وقد أصبحت نتائج بحوث ودراسات المستقبليات في الدول المتقدمة من المتطلبات الأساسية للتخطيط الاستراتيجي في هذه الدول.

ودراسات المستقبليات في الدول ليست ضربا من قراءة الغيب وإنما تُبنى على تحليل علمي وموضوعي دقيق لمعطيات الحاضر ومؤشرات الماضي، واستشراف مسار وتطورات هذه الوقائع في كافة المجالات وكافة الاحتمالات المؤثرة في تأكيد المسار المتوقع ونسب ومعدلات إمكانية التغيير فيه، ويطبق هذا المنهج على القضايا والأزمات المهمة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتعليمية والإعلامية، والتأثير المتبادل بين دول الإقليم في بعضها البعض وتأثير التطورات العالمية، وهذا كله يقلل بدرجة عالية من احتمالات الخطأ في السياسات أو القرارات المهمة.

وعلى ضوء ذلك كله أصبحت مراكز البحوث والدراسات تؤدي مهاما متعددة لخدمة السياسة العامة للدولة والمجتمع وكافة المؤسسات، ومن هذه المهام:

1- تقديم الخدمات الاستشارية لمؤسسات الدولة بكافة أفرعها عن طريق إعداد مجموعات من الخبراء المتخصصين دراسات وتقارير مركزة لصناع القرار والقيادات العليا في قضيا معينة.

2- تمحيص ومراجعة التقارير التي يجري إعدادها سواء في الشؤون الداخلية، أو للقيادات العليا عند زيارتهم لدول أخرى أو لدى استقبال وفود من هذه الدول، بحيث تتناول القضايا المهمة التي تُبحث سواء كانت موضع اتفاق أو اختلاف.

3- إعداد بحوث ودراسات بشأن قضايا بالغة الأهمية الاستراتيجية أو ذات حساسيات معينة تاريخية أو معاصرة واقتراح مخارج لها، وتشخيص المشكلات وتحليلها، واقتراح حلول والمواقف والسياسات المناسبة للتفاعل معها خاصة في القضايا العاجلة أو الساخنة.

4- تكليف بعض المراكز أو مجموعة مختارة منها بأداء أدوار في نفس إطار ما يعرف بـ”دبلوماسية المجتمع المدني”، عن طريق التواصل والتلاقي مع نظرائها في الدول الأخرى لتناول قضايا مهمة أو قد تكون بالغة الأهمية بعيدا عن الأطراف الرسمية؛ لإتاحة مساحة أكبر من حرية البحث وإبداء الرأي واقتراح الحلول، وغالبا ما تكون بمثابة مقدمة لحدوث اختراق يساعد على الانتقال إلى مرحلة المباحثات الرسمية، وقد اتُبع هذا الأسلوب إلى حد كبير في التمهيد لمفاوضات اتفاق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهو اتفاق أوسلو.

5- الاستعانة بأعضاء من مراكز البحوث والدراسات كمستشارين من كبار المسؤولين أو بوفود رسمية عند إجرائهم زيارات خارجية أو مفاوضات في قضايا ذات أهمية خاصة.

6- المساهمة في توسيع دوائر التفاهم والتعاون عن طريق تنظيم المؤتمرات والزيارات واللقاءات بين مراكز البحوث والدراسات ونظرائها في الدول الأخرى، وتناول القضايا ذات الاهتمام المشترك والقضايا المختلف عليها، والعمل على توسيع أرضية التفاهم المشترك من خلال الحوار والمناقشة وتبادل الدراسات والبحوث.

7- المساهمة في ترشيد اتخاذ القرارات من خلال العمل على التقليل من مخاطر احتمالات الخطأ أو الفشل لدى صناع القرار، ومن خلال إعداد السياسات العامة والتخطيط الجيد، وإتاحة الرؤى والأفكار العلمية والإبداعية لدى سلطات الدولة ومؤسساتها.

8- ثمة أمور مهمة وضرورية عند صناعة القرارات، وفي مقدمتها من يتخذ القرار ومدى اعتماده على البحوث والدراسات، ودراسة توقيت القرار لتجنب اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الخطأ أو العكس، والوقوف على آثار القرار من منظور تحليل ومعرفة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومدى تقبله أو تفاعله أو رفضه للقرار، وهل القرار يعبر فعلا عن إرادة الأغلبية ومن ثمَّ يحظى بقبولها ودعمها وإلزامها بالقرار، وعادة ما تكون القرارات الفوقية هي الأكثر حاجة إلى عمليات استكشاف مسبقة ومتابعة لاحقة لآثارها، ومن المهم للغاية دراسة كيفية تنفيذ القرار، وكيفية تعديله إذا اقتضت الحاجة ذلك.

لا يقتصر دور مراكز البحوث والدراسات على تقديم خدماتها لسلطات الدولة وأجهزتها المختلفة على النحو السالف بيانه، وإنما تضطلع بدور بالغ الأهمية بما تقدمه من بحوث ودراسات للشركات الكبرى والمصانع بمختلف أنواعها، وتتنوع هذه البحوث والدراسات ما بين دراسة لمخاطر السياسة الاقتصادية التي يتعين على المستثمر وأصحاب المشروعات الجديدة أن يأخذوها في الاعتبارات لاتخاذ قراراتهم بشأن إقامة المشروع من عدمه، وأيضا في المجالات التجارية والتسويق ودراسة احتياجات المستهلك وأنماط استهلاكهم وأوضاع المنافسين ووضع خطط وبرامج للتفوق عليهم أو ربما لإخراجهم من أسواق معينة.

وتحظى البحوث والدراسات بأهمية خاصة في قطاعات السياحة والطيران باعتبارها من القطاعات سريعة التغير لأسباب عديدة في مقدمتها عدم الاستقرار أو الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، أو العكس انخفاض الأسعار والتمتع بمزايا نسبية كبيرة.

إن معظم إن لم تكن كل الدول المتقدمة، إلى جانب اهتمامها بمراكز البحوث والدراسات، تنظم علاقات تفاعلية بين الجامعات والمعاهد العليا من ناحية، وسلطات الدولة وهيئاتها المختلفة والشركات والصناعات الأساسية من ناحية أخرى، وذلك أولا: بهدف ربط التعليم باحتياجات المجتمع في كافة المجالات، وثانيا: توجيه البحوث والدراسات بما يخدم صناع القرار على المستوى الحكومي والقطاعين العام والخاص، وقد تكون الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا واليابان وألمانيا وغيرها من الدول السابقة في هذا المجال، وعلى سبيل المثال في ألمانيا تتولى إدارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية التنسيق مع جميع الجامعات والمعاهد العليا في كل الولايات الألمانية؛ للاتفاق على موضوعات وعناوين لدراسات الدكتوراه والماجستير، بل وجمع مواد للإعداد لها تمهيدا للشهادتين، وكذلك الأمر بالنسبة للطلبة والدارسين والأجانب واختيار موضوعات في الدول القادمين منها، التي تخدم دراستهما أو إعداد بحوث بشأنها في السياسة الألمانية.

وقد أصبح لدى معظم الدول العربية مراكز بحوث ودراسات بمستويات مختلقة، بل وإن عددا منها أصبح على قائمة المراكز العالمية المتميزة، وتحتاج هذه المراكز العربية، سواء على المستوى القطري أو القومي، إلى إعطاء مزيد من الاهتمام لعدة أمور، أهمها:

1- مزيد من تفعيل العلاقات بين هذه المراكز وصناع القرار بحيث تكون علاقات تبادلية تفاعلية في عمليات الإعداد واتخاذ القرارات والبحوث والدراسات الخاصة بالقضايا العربية واستشراف المستقبل لهذه القضايا.

2- إنشاء رابطة تضم مراكز البحوث والدراسات العربية من أجل التعاون فيما بينها، وترتيب عقد مؤتمرات دورية منتظمة بشأن القضايا العربية والتحديات التي تواجهها.

3- تقديم الدعم المادي والمالي والمعنوي لمراكز البحوث والدراسات من منطلق أن العالم بأسره يدار على أسس علمية، وفي مقدمة هذه الأسس مراكز البحوث والدراسات في مختلف المجالات.

4- تفعيل الروابط بين مراكز البحوث والدراسات العربية ونظيراتها على المستوى الإقليمي بما فيها الدول المنافسة وعلى المستوى الدولي أجمع، وذلك من أجل إيجاد قنوات ومسارات دائمة متوازية مع المسارات والقنوات الرسمية، ولكنها لديها حرية حركة ومرونة أكبر.

5- الاتفاق بين مراكز البحوث والدراسات العربية باختيار مركز أو أكثر من كل دولة عربية لإصدار دراسات استراتيجية دورية تكون على مستويين أو أكثر، وتكون هناك دراسة استراتيجية عن أهم القضايا والتحديات العربية على مدى خمس السنوات القادمة، ودراسة بالعنوان نفسه عن كل سنة في إطار السنوات الخمس، كما تُجدد الدراسة الخمسية كل سنة، ويمكن إشراك جامعة الدول العربية لأداء دور المنسق في هذا الشأن.

وإن الإصدار الجديد من تقرير “القرار الاستراتيجي” عن دور مراكز البحوث والدراسات الذي يتناولها من كافة الجوانب، هو بمثابة مساهمة إيجابية لكل من يهمه دعم السلطات وصناع القرار في الدول العربية، بما يوضح أبعاد كل قرار وآثاره وتداعياته ، وحاضر ومستقبل القضايا والتحديات التي تواجه الدول العربية واستشراف رؤى ومخارج لها.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا