اكتب أي شيء للبحث

الحكمة صانعة القرار

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

 كلمة رئيس مجلس الإدارة

ونحن نكتب أولى سطور العدد الأول من إصدار “مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات” تتجسد أمامنا سنوات من الاطلاع والبحث والتحضير لهذه اللحظة، فبهذه الكلمات الأولى تتجلى حكمة القدر لتجعل السعي حصادًا، والرسالة واقعًا بما نتطلع إليه من أهداف للمستقبل.

وإذا كانت الحكمة هي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، فإن استحضارها في دوائر صنع القرار يكون أشد عمقًا في الواقع وأكثر تأثيرًا في رسم خرائط المجتمع وتوجهات الدولة في المستقبل، ولذا فهي تمثل مفتاح الحاضر وبوابة المستقبل، واستلهامًا من “بيت الحكمة” النموذج العلمي الأرقى في الحضارة العربية والإسلامية في عصر ازدهارها العباسي كان “مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات”، فبين أروقة دار الحكمة في بغداد (192هـ/809م) التي بلغ عدد كتبها أيام الخليفة هارون الرشيد المليون كتاب، كان أول تجلٍ لمجالس الفكر والعلم التي مزجت العلوم الإنسانية الإسلامية بعلوم الأمم الأخرى من الفرس واليونان والهند لتعبر عن أرقى أنواع التواصل الحضاري.

ففي الوقت الذي تعد فيه مراكز الأبحاث والدراسات الدولية عمومًا والأميركية والأوروبية خصوصًا أحد الفاعلين في صنع التوجهات السياسية والاقتصادية والإعلامية، ودلالة هامة على تطور الدول واعتنائها بالبحث العلمي واستشرافها لآفاق المستقبل، لا تزال المراكز البحثية العربية -التي يخضع كثير منها لمصالح شخصية أو فئوية دون مصلحة البلاد ومستقبلها- بعيدة عن القيام بأدورها الرئيسية في دراسة القضايا والمشكلات التي تواجه دولها ومجتمعاتها لمعرفة أسبابها وبلورة رؤى ومقترحات علمية لها، ووضع الحلول المناسبة وصولًا إلى المساهمة في إنتاج المشاريع الاستراتيجية الفاعلة للنهوض العلمي والحضاري بالبلاد العربية.

فواقع المراكز البحثية في العالم العربي يوحي بأنها كيانات هشة ذات فاعلية محدودة، وذلك لكونها أقل تفاعلًا مع البيئة المحيطة بها، وامتدادًا أيدلوجيًا وسياسيًا لداعميها بما يوثر على موضوعية ورصانة البحث العلمي، فغالبًا تمارس هذه المراكز عملها ودورها بسياسة ردود الفعل دون رؤية محددة وأهداف واضحة المعالم.

وفي إطار هذا الواقع نحاول طرح ما ينبغي أن يكون عليه مستقبلنا بالعلم وليس بالشعارات المستهلكة إعلاميًا وانتخابيًا، فهذا الوطن اليوم يقف على أعتاب المستقبل، محاصر بدائرة من التهديدات ومحاولات لاختراق هويته ولحمة مجتمعه، بما يحتم علينا الدفاع عنه اليوم بالسلاح الوحيد الذي يصلح لمواجهة تحديات المستقبل، وهو العلم.

ولقد كانت الكويت وستظل منبرًا لحرية الفكر والرأي في الشرق الأوسط، وذلك لما تتمتع به من قيادة حكيمة وواعية تدرك أهمية التنوع الجامع في إطار الدولة الوطنية، ليكون هذا التنوع هو البوتقة لتضافر جهود كافة الطاقات والكفاءات العلمية والفكرية في مختلف المجالات العلمية لميلاد مستقبل مشرق للكويت.

وبالنظر إلى أوضاع الوطن العربي الراهنة خاصة في ظل حالة تسارع الأحداث وعدم الوضوح التي تلف منطقتنا من جراء تفاقم المشكلات الداخلية، وتزايد الضغوط الخارجية التي تعصف به يوما بعد آخر، فإنه في حاجة ملحة إلى دراسة مشكلاته عبر مؤسسات ومراكز بحثية تساهم في رسم الاتجاهات الصحيحة، وتقديم إجابات واقعية عن الأسئلة والمشكلات المثارة، وبما يفرض علينا ضرورة المواجهة والارتفاع إلى مستوى العصر الذي نعيش فيه، مواكبة لتطوره، وسعيًا لامتلاك القدرة على المساهمة في صياغة المستقبل والبناء الحضاري للإنسانية.

فكان كل هذا دافعًا لنا لتأسيس مركز الحكمة في محاولة جادة لرسم خريطة المستقبل وفق أسس علمية، وبما يليق ببلدنا العظيم الكويت، وبما يشرف أميرنا الحكيم صاحب السمو ، الشيح جابر الصباح الأحمد.

وفي ختام هذه الكلمة يكفي أن أقول إننا اليوم نشعر أن هذا هو الدور الوطني الحقيقي الذي ينبغي على كل كويتي العمل عليه في إطار السياسة، وأن ينصرف بعيدًا عن توازناتها التي لا يفهمها العلم.

فاليوم نهدي هذا الإصدار إلى سمو الأمير حفظه الله ورعاه، وإلى كويتنا الحبيبة، ومصرنا العظيمة، وإلى أمتنا العربية والإسلامية، راجين من المولى عز وجل أن يجعل هذا العمل في ميزان رفعة مستقبل الأمة.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا