اكتب أي شيء للبحث

المرآة المكسورة. . كيف تُوظف مراكز الفكر لخدمة العدو؟

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

مقدمة

غرف عمليات صناعة المستقبل حول العالم.. بهذا يمكننا توصيف ماهية عمل مراكز الدراسات والبحوث، فهي بمثابة مفتاح حل الأزمات واستشرافها لتفاديها أو التقدم المحسوب لمواجهتها، وذلك وفق ضرورة استراتيجية تجسد الدور المفترض لمراكز الفكر (Think Tank) كأداة استراتيجية في إدارة المعرفة والتحكم بحركة تدفق المعلومات للرأي العام (Think Tanks are a leading Strategic tool for the management of Knowledge)، والتي من خلالها تتم عملية استشراف المستقبل وفق ضرورة حماية مصالح كل دولة.

تلك الضرورة التي دفعتنا لتخصيص العدد الثاني من دورية “القرار الاستراتيجي” لطرح سلسلة من الدراسات تحاول توصيف مصفوفة تخصصات تلك المراكز وفق خريطة الانتشار الجغرافي لمؤشر جامعة بنسلفانيا، التي تعبر من خلال تركيزها على تخصصات محددة عن أولويات المستقبل لكل دولة وإقليم؛ للوقوف على أحدث نظم عمل مراكز البحوث ودوائر تأثيرها لتفعيل دورها الوطني لدعم متخذ القرار الكويتي والعربي وفق منهجية علمية قائمة على محددات المصلحة العليا للبلاد، مستهدفين بذلك وضع الكويت على خريطة تأثير مراكز الفكر حول العالم.

فإذا كان أغلب الظن أن مراكز الفكر تنشأ بمنطلق الضرورة السياسية أو الاقتصادية، إلا أن تلك الضرورة لها انعكاس سلبي يعمل تحت غطاء من الخداع الاستراتيجي يستهدف اختراق المجتمعات والدول، ويمكننا توصيف تلك الحالة من خلال استعراض التالي:

أولا: التوظيف العكسي لمراكز الفكر

ربما يعتقد البعض أن مراكز الفكر ضرورة لتحقيق التنمية ورفع معدلات الوعي الجمعي، ولكن هل يمكن توظيف دور مراكز الفكر بشكل عكسي؟

على الرغم من انتشار حركة إنشاء المراكز البحثية في مجال العلوم الاستراتيجية بالعالم العربي عامة والخليج خاصة وانتقالها نسبيا إلى الكويت، ظلت ثقافة التأثير العكسي لعمل المراكز البحثية غائبة لم تُبين بدقة لمتخذ القرار، خاصة المراكز الذي تتبع استراتيجية (التوظيف العكسي – التأثير غير المباشر)، والتي تعمل من خلال منظومة أشبه بالعمل السري، وإن كانت هناك أهداف مطاطة معلنة كغطاء للحركة والتأثير.

وهو ما يجعلنا نطرح تساؤلا في غاية الخطورة، هل كل من يدّعي لنفسه صفة مؤسس مركز بحثي يعمل للصالح الوطني؟ أم ادعاء الصفة مجرد وسيلة لتوظيف عكسي لامتيازات مراكز الفكر؟ فمراكز الفكر الممولة من الباطن من دول معادية بغرض استقطاب السياسيين ومتخذي القرار والتأثير فيهم بشكل غير مباشر لخدمة أجندة عدو معلن أو تنظيم سري عالمي لتصبح تلك المراكز، هي بمثابة مقياس لرصد الرأي العام في الدولة المستهدفة بل وخط الدفاع الفكري لأجندة أهداف العدو.

فكل ما ينبغي إدراكه أن تلك الصورة المغلوطة حول مدى شفافية أو غموض فرضية تأسيس مراكز الفكر في بلادنا العربية جعل من توظيفها العكسي أداة وأولوية بالنسبة لكل من يستهدف كويتنا الغالية.

ثانيا: المرآة المكسورة.. دور مراكز الفكر في الخداع الاستراتيجي

تعد مراكز الفكر الإدارة غير المباشرة للسلوك الاجتماعي والسياسي من خلال مبدأ “الضرورة أحادية المسار”، التي يتم من خلالها تداول وإطلاق معلومات تحقق استدلالا وقناعة بهدف نشرها لخدمة السلوك المستهدف من عملية اختراق المجتمعات؛ لذلك فإن الاعتقاد بكون أغلبية المراكز أو الكيانات التي تدّعي لنفسها اسم المراكز تعمل وفق ضوابط وثوابت وطنية اعتقاد مخادع، فمراكز الفكر ليست في عقلية الدول مجرد دوائر لصناعة القرار بل ربما تكون معكوسا لذلك، يتسم بهامش خداع في المعلومات والحركة سواء كانت (مؤتمرات – ورش عمل – ندوات – مؤتمرات – هيئة استشارية – ضيوف)، وهو ما يوضح عملية إدارة المعرفة التي تقوم بها مراكز الفكر كمؤسسات وسيطة بين عالمي المعرفة وصنع القرار.

وعلى خلفية ذلك تتخذ عملية إدارة المعرفة مسارين: أحدهما إيجابي عبر طرح المادة المعلوماتية الموجهة لمتخذ القرار كاملة وصحيحة، والمسار الثاني يتمثل في استخدام استراتيجية المرآة المكسورة في نقل وتحليل المعلومات لتحريف الاستنتاجات وتحوير مضمون العمل البحثي القائم خارج الثوابت والمصلحة الوطنية.

وخلال تلك الحالة من الخداع تبدأ عملية التوظيف العكسي لأجندات دولية من خلال الاستهداف البحثي والفكري لاختراق مؤسسات الدولة والمجتمعات المستهدفة، وذلك من خلال مصفوفة محددة الأهداف والشخصيات لتحقيق أهدافها الخبيثة داخل مجتمعاتنا لصالح الدولة الممولة أو التنظيم الممول، وذلك من خلال غطاء من بعض الأشخاص حاملي جنسية البلد المستهدَف، بل وبالضرورة لا بد أن تجمع هؤلاء دوائر مصالح مشتركة ونسب وروابط عائلية دون النظر للكفاءة العلمية أو سابقة خبرة إدارية بطبيعة عمل مراكز البحوث، فعنصر الثقة أهم من الكفاءة؛ فهو الضمانة لعدم الانشقاق أو التشهير بعمل تلك الكيانات التي تدّعي أنها مراكز للتنسيق وتبادل الخبرات بين بلادنا ومن يستهدف اختراقها وشق الصف الوطني، بهذا التوصيف -الذي ربما يبدو للقارئ كأننا نتحدث عن مؤسسات سرية- تعمل المراكز المشبوهة داخل أوطاننا لاستقطاب بعض دوائر اتخاذ القرار، محاولة حماية نفسها بتشكيل مظلة من الشراكات الدولية التي تطفي عليها ثقلا دوليا وغطاء سياسيا كنوع من أنواع الحصانة الجزئية لممارسة نشاطها المشبوهة.

ختاما، هذا الطرح ليس هجوما مهنيّا على بادرة انتشار المراكز البحثية في الكويت، بل هو نظرة جادة لضرورة إعادة النظر ومراجعة تراخيص المراكز المشبوهة، مستغلة بذلك مساحة الحريات التي أطلقها سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح-حفظه الله- بإدراك كامل بكون انتشار مراكز الفكر في بلادنا هي مؤشر ودافع لنضج الممارسات السياسية وتحقيق التنمية المستدامة؛ لتكون بمثابة الظهير العلمي الداعم لقرارات ومستقبل الكويت، إلا أن هناك من يدّعي لنفسه صفة المراكز البحثية وهو أبعد ما يكون عن القيام بواجبه الوطني، ليعمل تحت ستار لصالح أجندات مستقبلية لدول تتدعي صداقتها للكويت وهي تحاول رسم مسارات موازية لأهدافها من خلال تلك المركز.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا