اكتب أي شيء للبحث

عرض كتاب «مراكز الفكر والسياسة العالمية.. مساحات رئيسية في هيكل السلطة»

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

المؤلفون: أليخاندرا سالاس بوراس، جورجينا موراي، ماتيلد لونا وخوسيه لويس فيلاسكو، ألكساندر ميوش زييليسكي، بروس كرونين، كارين فيشر وديتر بليهوي، وليام كارول وإلين كوبورن، سو برادفورد، ديفيد بيتز.

جهة النشر: بالجريف ماكملان (Palgrave Macmillan)، شركة عالمية للنشر الأكاديمي والتجاري.

سنة النشر: 2017

يركز هذا الكتاب على جميع المنظمات التي تنتج أفكارا للتأثير في السياسات والمجتمعات الناشطة خاصة مراكز الفكر وجمعيات رجال الأعمال، حيث يحاول الكتاب تقديم رؤية مختلفة لمراكز الفكر، وذلك من خلال نظرة تركز على عالم السياسة من خلال السلطة: من يملكها، ومن يستخدمها، ومن يسيطر عليها، بحيث يتم الانتقال من الوضع “المحدود” الحالي الذي تشغله مراكز الفكر في الأدبيات، والذي يجعلها تبدو محايدة وموضوعية ومستقلة، إلى منظور جديد يركز على علاقات تلك المراكز مع هياكل السلطة على المستوى العالمي والإقليمي والوطني، وذلك من خلال تحليل مجموعة من الخبراء الدوليين وطرحهم لرؤى فريدة حول كيفية عمل مراكز الفكر والرأي في مواقع ودول مختلفة.

يتكون الكتاب من عشرة فصول، وهي:

الفصل الأول: مراكز الفكر والسياسة العالمية: الفراغات الرئيسية في هيكل السلطة

الفصل الثاني: شبكة علاقات مراكز الفكر في المكسيك.. كيف يمكنها تشكيل السياسة العامة والخطابات المهيمنة؟

الفصل الثالث: مركز الفكر الأسترالي.. موقع رئيسي في التوزيع العالمي للسلطة

الفصل الرابع: السلطة بدون تمثيل.. تماسك وقرب اللجنة الثلاثية

الفصل الخامس: مؤتمرات بلدربيرج.. شبكة حوكمة غير رسمية عابرة للقوميات

الفصل السادس: الارتفاع والتراجع لمائدة الأعمال المستديرة؟

الفصل السابع: شبكات مراكز الفكر النيو ليبرالية في أميريكا اللاتينية وأوروبا.. تكرار استراتيجي وتنظيم عابر للقوميات

الفصل الثامن: مشاريع مكافحة الهيمنة والتطبيق المعرفي في مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات

الفصل التاسع: من البحث إلى الواقع.. تنمية مراكز الفكر الراديكالية اليسارية في نيوزيلاندا كتطبيق لمكافحة الهيمنة في المساحات الفارغة السابقة

الفصل العاشر: لماذا يتم إنشاء منظمات غير تمثيلية؟.. إعادة التفكير في دور وشكل وأهداف مراكز الفكر

المقدمة

هناك الكثير من الحماس لتقديم هذا الكتاب المثير للجدل حول مراكز الفكر، حيث اعتمد الكتاب على قاعدة تعريفية واسعة لماهية مراكز الفكر، والتي تشمل تلك المنظمات المتخصصة في البحث والنشر لأفكار السياسة العامة، لكن تركز نظرة الكتاب على عالم السياسة من خلال السلطة: من يملكها، ومن يستخدمها، ومن يسيطر عليها، مما يجعل تعريف الكتاب للمراكز البحثية يبتعد عن المعنى المتعارف عليه، وذلك للمساعدة في توضيح الدور التي تؤديه تلك المراكز في بناء علاقات السلطة السائدة وإعادة إنتاجها وأحيانا تحديها، لذلك أضِيف سؤال آخر إلى تلك المجموعة من الاستفسارات حول أدوار تلك المراكز في الشبكات التنظيمية الرئيسية التي تمكنها من إنتاج ونشر أفكار السياسات التي تساعد من خلالها النخب على بناء وممارسة السلطة بالإضافة إلى تحديها أحيانا، حيث يوصف الكتاب مراكز الفكر بأنها “المقنعون [السريون] الدائمون”، لا لتلك المؤسسات القادرة دائما على الإقناع وإن كان تمارس هذا الدور بشكل غير معلن.

سوف ينتقل هذا الكتاب من الوضع “المحدود” الحالي الذي تشغله مراكز الفكر في الأدبيات، مما يجعلها تبدو محايدة ومستقلة وبعيدة عن وجود مصالح معينة لها، إلى منظور جديد يركز على علاقاتها مع هياكل السلطة على المستوى العالمي والإقليمي والوطني، وربما يكون الابتعاد التحليلي التقليدي عن مواقع القوة قد عزز قدرة مراكز الفكر على الإقناع، لأنه يتيح لها أن تخفي صلاتها بالسلطة ونخب القوة والمصالح الخاصة، أو على الأقل يجعل صلتها بها والتزامتها تجاههم بشكل عام أقل وضوحا، وينظر الكتاب نظرة تحليلية متفحصة إلى هذه المؤسسات السرية وعلاقاتها بالسلطة، للمساعدة في العملية الأكاديمية لدراسة وفحص مسؤولياتها.

يركز هذا الكتاب بشكل أساسي على جميع تلك المنظمات التي تنتج أفكارا للتأثير في السياسات والمجتمعات الناشطة خاصة مراكز الفكر وجمعيات رجال الأعمال، في محاولة أن يكون داعما للعاملين في كل مكان عندما يتعرضون للخداع غير العادل من قِبل مصانع الإقناع هذه التي تجعل الكفاح من أجل المساواة أكثر صعوبة بكثير ولكن أيضا أكثر ضرورة.

الفصل الأول: مراكز الفكر والسياسة العالمية.. الفراغات الرئيسية في هيكل السلطة

يمكن بداية وضع تعريف واسع جدا لمراكز الفكر على أنها تلك المؤسسات المتخصصة في البحث والنشر لأفكار السياسات العامة، ولكن النظر إلى السياسة العالمية من منظور مراكز الفكر يكشف أن هذا التعريف يحتاج إلى تفاصيل أكثر لتأكيد الدور التي تؤديه تلك المراكز في بناء علاقات السلطة السائدة وإعادة إنتاجها وأحيانا تحديها، بحيث يكون تعريف شامل يؤكد الاتصال بين مراكز الفكر والسلطة، سواء كان ذلك متفق عليه أو غير متفق عليه، ويضيف أيضا أن هذه المؤسسات المتخصصة في إنتاج أفكار السياسات العامة ونشرها (مراكز الفكر) هي أيضا آليات يقوم من خلالها النخب ببناء أو ممارسة أو حتى تحدي السلطة، خاصة من خلال إنتاج المعرفة والتركيز والتعبئة، وبالنظر إلى هذه العلاقة بين المعرفة والسلطة فإن مراكز الفكر جيدة بشكل خاص في توليد السلطة التوافقية، حيث إنها أصبحت “المقنعة دائما” ولكنها تفعل ذلك بشكل غير واضح قدر الإمكان.

وذلك لأن هذا الموقف “المحدود” الذي تشغله مراكز الفكر في بنية السلطة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية يجعلها تبدو محايدة وموضوعية ومستقلة، بعيدة عن المصالح الخاصة، وهذا الابتعاد قد يكون مهما في دور الإقناع، لأنه يسمح لها بإنكار أو التقليل من وضوح صلاتها والتزاماتها تجاه السلطة ونخبها والمصالح الخاصة بشكل عام، كما أن وضعها كمنظمات تعمل كجسور تصل بين ممثلين من مختلف الجهات، حيث إن مراكز الفكر هي الأماكن التي تجمع لقاءات شبه منتظمة لممثلي الشركات والحكومات والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، مما يجعل الإقناع يبدو مسعى طبيعيا لها تقريبا.

وإذا كانت معظم مراكز الفكر تهدف في النهاية إلى التأثير في عمليات صنع السياسات وبناء التوافق، فإنها تتبع مسارات مختلفة، لذلك هناك مجموعة من مراكز الفكر المتخصصة في إقناع صناع السياسة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، على الرغم من أنها تظهر اختلافات وتناقضات بشكل مستمر مع الليبرالية والليبرالية الجديدة. أما المجموعة الثانية تستهدف الرأي العام بشكل مباشر لإنتاج تأثير كبير يجعل في النهاية موقف المساومة أكثر فاعلية، هاتان المجموعتان المتداخلتان تعدان مراكز للبحوث ذات توجه خارجي (تنتسب في بعض الأحيان للجامعات)، وهي تلك المراكز التي تنتج تقارير ويكون لها نشاط، وتتواجد في وسائل الإعلام، وتبني الشبكات ذات النطاق الوطني والإقليمي والعالمي، وتنظم المناقشات وجلسات الاستماع في الكونغرس.

بينما المجموعة الثالثة وهي أكثر توجها داخليا، والتي تهدف إلى إقناع الأعضاء والمشاركين بفكرة معينة أو نهج سياسي معين، وتطوير أشكال التماسك والتضامن بين النخب، والتوفيق بين الأقسام المختلفة، وتعبئة الأعضاء، ووضع رؤية موحدة لزيادة النفوذ تجاه صانعي السياسات ومسؤولي العمل ومسؤلي الحكومة، وتلك المجموعة غالبا ما تعمل على الاندماج مع الجهات القوية في السياسة الإعلامية من أجل نشر رؤيتها السياسية والحصول على تأثير أكبر في المجتمع ككل.

تجمع بعض مراكز الفكر بين جميع تلك الآليات وغيرها لاستخدامها في إقناع صناع السياسة أو ممارسة الضغط عليها، كما تضع مجموعات السياسات البديلة ومؤسسات الفكر اليساري استراتيجيات متشابهة من أجل اكتساب المصداقية في الساحة العامة، وإقناع صناع القرار بأن مقترحاتها أكثر تناسبا لحل المشكلات الخطيرة في العصر الحالي، وأيضا للعمل على تراجع أجندة الليبرالية الجديدة، ومع ذلك، فإنها بوضوح وبشكل معلن تماما تمثل وتدافع عن مصالح معينة، وتتمركز بشكل أو بآخر داخل المجتمعات النشطة.

الفصل الثاني: شبكة علاقات مراكز الفكر في المكسيك.. كيف يمكنها تشكيل السياسة العامة والخطابات المهيمنية

تكشف نتائج أليخاندرا سالاس بوراس في هذا الفصل أن مؤسسات الفكر والرأي في المكسيك ظاهرة جديدة نسبيا مرتبطة بانسحاب الدولة من الاقتصاد، ومع ذلك فقد أقامت بسرعة شبكات العلاقات التي تؤدي دورا رئيسيا في تنسيق النخب في البلاد من أجل التأثير في السياسات والاستراتيجيات العامة التي روجت خلال العقدين الماضيين، خاصة تلك المرتبطة بـنافتا والإصلاحات التي تنطوي عليها هذه الاتفاقية.

حيث أدت التحولات التي حدثت في المشهد العام لمراكز الفكر المكسيكية إلى تشكيل مجال للسلطة يتداخل ويتوسط مع مجالات أخرى، ولكنها أيضا عملت على تضخّم بشكل كبير صوت مجموعة صغيرة من الخبراء والوسطاء الذين أصبحوا بلا شك جزءا من النخبة الحاكمة، حيث تؤدي هذه المجموعة دورا رئيسيا في تشكيل ونشر وتطبيع خطاب النيوليبرالية التكنوقراطي، وعلى هذا الأساس يحصل أعضاؤها على موارد مالية واجتماعية وفكرية هائلة لكي ينظمون بها منتديات وفاعليات متعددة، حيث يروجون ويدافعون ويضفون الشرعية على السياسات المرتكزة على السوق على مدى العقود الثلاثة الماضية، مثل: الخصخصة ورفع القيود التنظيمية وتراجع الدولة عن الاقتصاد. في هذه العملية يعيدون بشكل أو بآخر تفسير التجارب التاريخية وتشكيل الهويات الوطنية.

في الوقت نفسه تبنت العديد من مراكز الفكر داخل شبكة ومجال السلطة خطابا ليبراليا اجتماعيا متماسكا بشكل متزايد يتحدى بعض المبادئ الأساسية للمشروع الليبرالي الجديد، فقد طرحت مقترحات سياسية لمعالجة المشاكل الناجمة عن السياسات النيوليبرالية المتبعة، خاصة مشاكل الفساد وانعدام الأمن وتركيز الموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق الإنسانية والاجتماعية، كل هذه المجموعات تكافح من أجل السيطرة على الموارد الثقافية المضمنة في الشبكة على وجه الخصوص، التي يمكن من خلالها التصديق على المعرفة والأفكار والتحقق من صحتها.

وأصبح مجال مراكز الفكر أكثر قوة داخل الهيكل الوطني للسلطة، ويرجع ذلك إلى ثلاث عمليات تتغذى على بعضها البعض، أولها شبكة كثيفة بشكل متزايد تنسجها المنظمات المشاركة في هذا المجال بما في ذلك الفاعلين السريين، أما الثانية هي زيادة التأثير الوطني والدولي في نظام المعرفة، والأخيرة هي عمليات إنتاج المعرفة السياسية والخطاب السياسي وإضفاء الشرعية عليها. ويتم التحكم في كل ذلك بواسطة مجموعة أصغر من الخبراء والوسطاء السياسيين وقادة الشركات الكبيرة الذين أصبحوا الروابط الرئيسية التي تربط بين النخب الأكثر نفوذا في المنطقة، وبهذه الطريقة يشكل هؤلاء مجتمع السياسة، متبعين فيه العبارات والممارسات والخطابات التي تشبه إلى حد بعيد نظرائهم في جميع أنحاء العالم.

مراكز الفكر المكسيكية هي مراكز أبحاث ذات توجه خارجي، أي إنها تنتج تقارير وتراقب العمليات ولها وجود نشط في وسائل الإعلام، وتبني شبكة علاقات على نطاق وطني وإقليمي وعالمي، وتنظيم مناقشات عامة وجلسات استماع في الكونغرس، وهدفها هو إقناع الموظفين العموميين والرأي العام بشكل عام بأن المقترحات السياسية الخاصة بهم تستند إلى أبحاث سليمة وموضوعية، ويعد المصدر الأساسي الذي تعتمد عليه تلك المراكز في سلطتها وشرعيتها هو جودة أبحاثها وقدرتها على ترجمتها إلى لغة أكثر شيوعا يسهل على صانعي السياسات والهيئات التنظيمية والجمهور عموما استيعابها، وبهذه الطريقة تستطيع أن تربط بين”البحث الأكاديمي” مع العالم الواقعي والمعرفة والقوة والعلم والسياسة أيضا، لذلك فإن مراكز الفكر المكسيكية جيدة بشكل خاص في توليد القوة التوافقية، وأيضا جيدة في أن تكون “مقنعة دائما”، بينما تحاول في الوقت نفسه دوما الظهور كمحايدة.

الفصل الثالث: مركز الفكر الأسترالي.. موقع رئيسي في التوزيع العالمي للسلطة

يمكن الإجابة على التساؤل الرئيسي في هذا الفصل “كيف مهدت النظرية الكينزية في الاقتصاد الطريق للنيوليبرالية؟”، بأنه مع تغير الظروف الاقتصادية بعد سبعينيات القرن الماضي (الانتقال إلى الركود الاقتصادي وحظر النفط وما إلى ذلك) في أستراليا تمكنت مؤسسات الفكر النيوليبرالي من الاستفادة من هذه الظروف غير الآمنة المتغيرة لتوسيع أعدادها والاستيلاء على الخطاب الشعبي لتمويل حرب الأفكار والفوز بها، حيث دفعت مراكز الفكر وجماعات الضغط بقوة لتعزيز نمو النيوليبرالية، وذلك لأن هذه الأفكار تعود بالنفع على مصالح الطبقة الحاكمة، ومن ثمَّ فإن مصالح الطبقة الحاكمة تبقي تلك المؤسسات ممولة، فالأمر عبارة عن دائرة مصالح.

يعد المثقفون في مؤسسات الفكر النيوليبرالي مهمين من الناحية الهيكلية لأنهم ليسوا مجرد مفكرين بل هم أيضا منظمون، وينظمون من خلال أقوالهم وأفعالهم انضمام الأشخاص إلى محيط مجموعات المصالح الخاصة بهم، مثل البيروقراطيين والسياسيين وجماعات الضغط للشركات، وهكذا يكون الأشخاص مشاركين داخل العملية الإنتاجية للأفكار وخارجها، حيث إنه يجب رؤية مراكز الفكر النيوليبرالية وممارساتها وأهدافها في سياق السيطرة المتنازع عليها على منطقة العمل الأسترالية، ولكن مع مراعاة أيضا المستوى العالمي من خلال منظور المؤسسات العابرة للقوميات، وإن كون الفكر النيوليبرالي الأسترالي الجماعي يعمل ضمن هذا السياق العالمي الواسع النطاق أمر مثير للقلق، رغم أنه بالكاد يكون مفاجئا.

الأكاديميون بحاجة إلى استعادة السيطرة على التفكير النقدي في كل مكان ولكن بشكل خاص في الجامعات، هذا يعني أن الجامعة بحاجة إلى أن تكون ذات تمويل عام وليست معتمدة على تمويل الشركات، خاصة وأنه حاليا يتم زيادة التضييق على مؤسسات الدولة في الحصول على تمويل، ومن ثمَّ فهي عرضة لاستخدامها في المصالح الأيديولوجية للشركات، كما يمكن التوجه أيضا نحو جعل تمويل مراكز الفكر شفافا، حيث إنه يمكن جعل مراكز التفكير بجميع أنواعها تعلن من خلال نظام إعلان إلزامي عن اهتماماتها ومصادر تمويلها.

والسؤال الثاني الذي طُرح في هذا الفصل كان، “هل تخلق مراكز الفكر السياسة أم أن السياسة هي التي تنشئ مراكز الفكر؟”، تدعم الأدلة الرأي الذي يشير إلى أن مراكز الفكر النيوليبرالية ليست الهيئات الوحيدة المسؤولة عن الثورة النيوليبرالية المتواجدة اليوم، فالواقع أن مراكز الفكر تعد مؤسسة اجتماعية واحدة فقط بين عدد من المؤسسات، مثل وسائل الإعلام والدولة ونظام التعليم، التي لديها الوسائل اللازمة لتنظيم الفكر والتأثير على الصعيدين المحلي والعالمي. هذا لا يعني أن مراكز الفكر تنجح دائما عندما لا تتفق أيديولوجيتها وأفكارها مع أفكار وخبرات الشعب، لكنها قد تعد هذا مجرد خسارة مؤقتة في اللعبة، وهذا هو المتوقع عندما يكون لديها سلسلة طويلة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل ما زالت تحتاج للعمل عليها.

الفصل الرابع: السلطة بدون تمثيل.. تماسك وقرب اللجنة الثلاثية

يقييم ماتيلد لونا وخوسيه لويس فيلاسكو في هذا الفصل مدى تمثيل شبكات الحكم العابرة للقوميات حقا للرأي العام العالمي، نظرا لأنها تطمح إلى أن تكون شبكة عالمية تناقش المشكلات الملحة في العالم وتملك تلك القوة الناعمة، وهو ما يتطلب وجود نظام ترابطي معقد مثل اللجنة ثلاثية الأطراف (TC)، وهي مؤسسة فكرية شبيهة بالشبكة تجمع قادة العديد من مؤسسات الفكر المؤثرة والشخصيات البارزة من الشركات التجارية والمؤسسات السياسية والمؤسسات الأكاديمية والمؤسسات الإعلامية، حيث كانت تلك اللجنة لاعبا هاما في الساحة العابرة للقوميات.

ومن أجل أن يكون ذلك النظام قادرا على تمثيل شريحة واسعة من الرأي العام العالمي ولتحقيق هذا التمثيل يجب أن تشكل اللجنة نفسها وتتصرف وفقا لمبدأين متعارضين، وهما التماسك والانفتاح، حيث تعتمد شرعيتها وفعاليتها على شرط قدرتها على تحقيق توازن مناسب بين هذه المبادئ، فتكون لها عضوية متماسكة ومنفتحة في وقت واحد، ولكن التحليل لتكوينها أظهر أنها على الرغم من أن العضوية بها متماسكة للغاية (باستثناء، كما هو متوقع، ممثلين للحمائية الاقتصادية والمحافظة المتشددة وتيارات الرأي المعاكسة الأخرى) إلا أنها منغلقة جدا أيضا، حيث لا تمثل سوى دائرة مغلقة من الأعمال الحصرية والقطاعات السياسية ومراكز البحوث.

هذا يعني أن ما تمثله عضوية اللجنة الثلاثية حقا هو النخبة العالمية المتمركزة في الولايات المتحدة الأميركية ومصالح الشركات المالية العابرة للقوميات والرؤية الليبرالية المنادية بتحرير التجارة، أي أن عضوية اللجنة الثلاثية تعكس العملية المزدوجة والعبور القومي للاقتصاد والدولة، حيث يرتبط العديد من الأعضاء بالأجزاء العابرة للقوميات من رأس المال والعناصر المشابهة للدولة.

تُظهر اللجنة الثلاثية “إنغلاقا” مرتفعا و”وساطة” صغيرة، وفي ظل وجود توازن مثل هذا تميل المعلومات المتداولة داخل الشبكة إلى أن تكون زائدة عن الحاجة، ولذا تميل الشبكة إلى أن تكون مترددة في إجراء التجارب والابتكار، وقد أكدت التحليلات للاجتماعات السنوية هذا التوقع، حيث وجد أن أجندة هذه الاجتماعات كانت في الواقع رتيبة، مع القليل من القدرة على مناقشة الأفكار المختلفة عن تلك التي عقدها أعضاء اللجنة الثلاثية، كما تميل الاجتماعات إلى أن تكون موجهة ذاتيا، وتعمل على الحفاظ على الموافقة الداخلية من خلال ضمان أن جميع الأعضاء يتشاركون الآراء نفسها، على الرغم من أنهم قد اكتسبوا مكانتهم داخل الشبكة وما إلى ذلك، وهذا له آثار خطيرة على الفعالية النقابية للشبكة لكنه يؤثر أيضا على فعاليتها العملية والتنظيمية.

بفضل هذا المستوى العالي للإنغلاق تحافظ اللجنة الثلاثية على نفسها كشبكة قوية، لكن هذه القوة تعتمد أكثر على انتماءات أعضائها، استنادا إلى حقيقة أنهم جميعا يشغلون مناصب قيادية في مؤسساتهم، على النقيض من ذلك فإن قدرة اللجنة الثلاثية على إضفاء الشرعية على هذه السلطة بين عامة الناس محدودة للغاية، حيث إنه سيتعين على اللجنة الثلاثية لتوسيع مشروعيتها أن تفتح أبوابها أمام الجمهور، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعزز قدرتها على صياغة ونشر الأفكار حول كيفية حل مشاكل العالم.

في نهاية المطاف يبدو من المفارقات أن منظمة تضم أعضاء أقوياء ومن هذا القبيل يكون لديها قدر كبير من التردد بشأن الدخول في نقاش حيوي مع أعضاء آخرين من صناع الرأي العام في العالم، ولكن ربما يكون المفارقة الكبرى هي أن المنظمة الملتزمة على ما يبدو بـ “القوة الناعمة” والتي تقوم على الرأي، تعتمد اعتمادا كبيرا على القوة الصلبة والتقليدية مثل القوة المؤسسية والاقتصادية والحكومية لأعضائها ودعوتها.

الفصل الخامس: مؤتمرات بلدربيرج.. شبكة حوكمة غير رسمية عابرة للقوميات

توفر لنا مؤتمرات بلدربيرج الأوروبية المغلقة علامة أخرى فيما يتعلق بالاتجاهات التنظيمية والتنسيقية لمراكز الفكر، وهذه شغلت اهتمام وتحليل ألكسندر ميوش زيليسكي في هذا الفصل، حيث يتم فحص اجتماعات بلدربيرج لتسليط الضوء على أهمية الحكم غير الرسمي لتماسك النخبة، وكذلك من أجل تحليل التقاطع بين الاقتصاد والسياسة، ومن الضروري مراعاة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بشكل خاص، مثل اجتماعات بلدربيرج، حيث يتفاعل الأشخاص الأقوياء من كلا المجالين مع بعضهم البعض باستخدام المواد الأصلية، حيث تتم المقارنة بين خصائص المجموعة التي حضرت في الأعوام 1954-1959 مع خصائص اجتماعات المجموعة في الفترة 2008-2014، ويصف تكوين هذه المجموعات وفقا للأصل القومي والعمر والجنس، فضلا عن المهن وقطاعات الصناعة التي ينتمون إليها، ومناصب السلطة السياسية التي يشغلونها.

وبالرغم من أنه قد نُشرت العديد من الدراسات الرائدة حول مجتمع الأعمال العابر للقوميات والطبقة الرأسمالية العابرة للقوميات على مدار الخمسة عشر عاما الماضية، ولكن التحليل المتعمق للمشاركين في مؤتمرات بلدربيرج يقدم المزيد من الإجابات، حيث اتضح ظهور نخبة عابرة للمحيط الأطلسي بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك يمكننا التحدث عن جزء ضئيل من الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود، ومع ذلك فهي محدودة جغرافيا، ومركز هذا النظام العالمي يتكون فقط من الدول الأعضاء في الناتو، ويُنظر إلى بقية العالم على أنه إما محيط (أوروبا الشرقية، الشرق الأوسط، إلخ) أو منافسين (روسيا، الصين). ويبدو أن بعض الشبكات الوطنية أقرب إلى بعضها البعض من الشبكات الأخرى، وهو وضع قد يكون له جذور تاريخية في الصراع بين البروتستانت والكاثوليك (أو الليبراليين والمحافظين)، وعندما تأسست مؤتمرات بلدربيرج في الخمسينيات كان ريتينجر مدركا تماما لعدم دعوة أعضاء من النخبة الإسبانية المرتبطة بهابسبورج، وإن النظرة العامة على أهم الشركات والسياسيين في مركز شبكة بلدربيرج الأولية تؤكد هيمنة ليبرالية صهيونية معينة.

كشفت الأبحاث التاريخية الحديثة أنه تقريبا في نفس الوقت الذي بدأ فيه الجزء الليبرالي من رأس المال العابر للحدود الاجتماع داخل مؤتمرات بلدربيرج السنوية، كان بدأ الجزء المحافظ في الاجتماع مع دوائر النخبة الأخرى، مثل Vaduz Institute أو Le Cercle، حيث تعد Le Cercle شبكة حكم سرية غير رسمية عابرة للقوميات بين السياسيين المحافظين ورجال الأعمال وأعضاء مجتمع الاستخبارات والتي سيطر عليها الفاتيكان في السنوات الأولى، ومع ذلك خاصة منذ الثمانينات شغل المحافظون البريطانيون والأميركيون معظم المناصب الرئيسية فيها، وكان رئيسها نورمان لامونت بين عامي 1996 و 2008، الذي شغل العديد من المناصب في الحكومة البريطانية بين عامي 1983 و 1993.

يمكن أن توفر لنا الأبحاث في شبكات الحكم غير الرسمية العابرة للقوميات، مثل Bilderberg أو Le Cercle أو MPS، بيانات مهمة عن الأفراد والمنظمات المعنية، والتي تحتاج بعد ذلك إلى وضعها في سياقها الاجتماعي التاريخي بمجرد توافر البيانات الكافية، كما ينبغي أن يساعد النهج النظري الميداني في تحديد بنية نخبة القوى العابرة للقوميات.

الفصل السادس: الارتفاع والتراجع لمائدة الأعمال المستديرة؟

توفر المائدة المستديرة لرجال الأعمال في الولايات المتحدة امتدادا مثيرا للاهتمام حول الادعاء الشرعي بأن مراكز الفكر لديها مصالح مشتركة أو وطنية، حيث إنه في محاولة للدفاع عن تشريعات “الحق في العمل” في مواجهة التشدد العمالي المتزايد تم تشكيل المائدة المستديرة في عام 1972 لتأكيد تأثير الأعمال على الحكومة الفيدرالية، حيث أنشئت في الأصل كمنظمة عضوية للرؤساء التنفيذيين من أكبر الشركات الأميركية، وأشركت هؤلاء الرؤساء التنفيذيين في الضغط المباشر للكونغرس، على عكس الجمعيات التجارية الأخرى ذات القاعدة العريضة، مثل غرف التجارة أو الرابطة الوطنية للمصنعين، والتي كانت لا تلين في معارضة القيود الحكومية بأي شكل من الأشكال تقريبا، وكانت المائدة المستديرة للأعمال أكثر انتقائية وواقعية وفعالية وذلك خلال السبعينيات والثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهناك اقتراح يقضي بأن نجاح المائدة المستديرة وغيرها من مجموعات المصالح القائمة على الأعمال التجارية ومراكز الفكر والرأي خلال هذه الفترة قوض في نهاية المطاف قدرتها على التصرف بشكل جماعي.

ركزت الأبحاث السابقة حول مشاركة الشركات مع مؤسسات الفكر والرأي على الإدارة المتشابكة وعضوية المجموعات الجماعية والمساهمات في لجان العمل السياسي، كمؤشرات على وحدة الشركات والوكلاء من أجل التأثير الحكومي، لكن تم اكتشاف أن المشاركة في مؤسسات الفكر والرأي مثل المائدة المستديرة للأعمال هي إحدى آليات التمثيل التي تكمل بدلا من أن تتناقض مع التمثيل السياسي المباشر من جانب الشركات الفردية نفسها، وأن العمل الجماعي لا يزال واضحا فيما يتعلق بالضغط على الكونغرس من قبل الشركات الكبرى.

حيث تشير المراجعة لساحات المعارك الرئيسية لسياسة الأعمال في السنوات الخمسين الماضية إلى أن التقارير المتعلقة بتراجع المائدة المستديرة مبالغ فيها بشكل كبير، حيث لا تزال المؤسسة مركز فكر قوي مع أسلوب عمل فعال، والتنظيم المركزي الهزيل والمشاركة المباشرة لكبار المديرين التنفيذيين لكبرى الشركات الصناعية الأميركية في سياستها وتنفيذها يرون استراتيجيتها وتكتيكاتها في طليعة المنافسين والتعاون الرأسمالي، كما يركز المديرون التنفيذيون بشدة على إحداث فرق وتحديد نطاق القيمة المضافة ومتابعتها بقوة.

في حين أن النقاد قد يتوقون إلى بيئة سياسية أكثر استيعابا للمجموعة الواسعة من الجهات الفاعلة الاجتماعية، فإن هذا لا يعني أن السياسة الأميركية تفتقر إلى اللاعبين المهيمنين، فلقد أثبتت المائدة المستديرة أنها مهيمنة، حيث حققت أهدافا محددة من خلال بناء تحالفات فعالة، ويشير استمرار المائدة المستديرة وطريقة عملها الفعالة إلى أن قوى تماسك النخبة أوسع من تلك التي تشكلها العناصر المتشابكة بين المنظمات، ولقد كانت قادرة على استيعاب كيانات تنظيمية قوية جديدة ظهرت مع تغييرات في هيكل الاقتصاد، وما زالت مركزية بشكل متزايد في شبكة الدعوة للسياسة الأميركية.

الفصل السابع: شبكات مراكز الفكر النيو ليبرالية في أميركا اللاتينية وأوروبا.. تكرار استراتيجي وتنظيم عابر للقوميات

يهدف هذا الفصل إلى سد عجز بحثي إضافي في مجال البحوث، فبالرغم من أنه قد كتب الكثير من العلماء عن الجهود المنسقة للشبكات اليسارية والقوى النيوليبرالية في جميع أنحاء العالم، إلا أن العالم لا يعرف الكثير عن الأنشطة الإقليمية العالمية لشبكات مراكز الفكر بشكل عام وعن شبكات الليبرالية القارية بشكل خاص، حيث إنه لا تزال الأدبيات المتعلقة بشبكات مراكز الفكر الإقليمية شحيحة، فمن أجل المضي قدما خطوة أخرى إلى الأمام يقدم هذا الفصل بعض الأدلة التجريبية الجديدة على القدرات وجهود المعرفة للشبكات النيوليبرالية في كل من أميركا اللاتينية وأوروبا.

ويتم تقسيم هذا الفصل على النحو التالي: تقديم شبكات أمريكا اللاتينية وفحصها، ثم تتبعها الشبكات الأوروبية، ثم يقارن الفصل بين الأبعاد المهمة للمنطقتين وشبكاتهما، وتبرز خاتمتنا النقاط والنتائج الهامة التي تحتاجها البحوث المستقبلية اللازمة لتعميق فهمنا لكل من التكرار الاستراتيجي والطبقة الناشئة من المهنيين المهيمنين في مراكز الفكر.

فبالنسبة لشبكات مراكز الفكر النيوليبرالية في أميركا اللاتينية فهي تعد ضد التنمية التي تقودها الدولة والتوجه نحو الحكومة اليسارية، حيث إنه يمكن التمييز بين مؤسسات الفكر التي تنشر “العقيدة الخالصة” وتلك التي هي أقرب إلى السياسة، فمعظم مراكز الفكر في المجموعة الأولى من تلاميذ المدرسة النمساوية للاقتصاد.

ولكن عند النظر إلى شبكات مراكز الفكر الإقليمية في أميركا اللاتينية سنجد 5 من أهم شبكات مراكز الفكر في مقدمتهم أطلس، حيث إنه هو أكبر شبكة مراكز فكر على المستوى العالمي، وثاني أكبر شبكة في قارة أميركا اللاتينية، ثم يأتي المركز الأميركي اللاتيني للبحوث الاقتصادية (HACER)، حيث ينتمي إلى هذه الشبكة مجموعة من 91 مركز فكر، 73 منها في أميركا اللاتينية، و6 في إسبانيا و12 في الولايات المتحدة، ثم شبكة أخرى عابرة للقارات هي مؤسسة الحرية الدولية (FIL) أو المؤسسة الدولية للحرية، والتي نشأت بمبادرة من اليمين الإسباني، وتضم شبكة FIL حاليا 26 مركز فكر في أميركا اللاتينية من أصل 37 مركزا، أما الشبكة الرابعة هي الشبكة الليبرالية لأميركا اللاتينية (RELIAL) المرتبطة بالمنظمة الليبرالية الدولية (LI)، أما الشبكة الأخيرة هي الشركة الإقليمية للاتحاد الدولي للديمقراطية.

تتداخل جميع شبكات مراكز الفكر الخمس في أميركا اللاتينية بقوة، وهو ما قد يساعد في شرح القواعد المشتركة ووجهات النظر المشتركة بين الشبكات الخمس، حيث تشمل المبادئ الموحدة بينهم الحكومة المحدودة والحرية الفردية والمشاريع الحرة وسيادة القانون، كما أن المخوف المشترك بينهم هو التنمية التي تقودها الدولة، بينما تقوم مراكز الفكر الفردية بمهام مختلفة تماما، حيث تتنوع أنشطتها بداية من البحث الأكاديمي إلى المشورة السياسية والكتابة الافتتاحية، وأيضا يوجد لدى بعض مراكز الفكر جمهور محدد يتم استهدافه، مثل الشباب أو الطلاب.

بشكل عام، إنهم يشكلون عالم مراكز الفكر النيوليبرالية، والذي يتميز بأشكال شائعة جدا من تقسيم العمل بين هذه المجموعات، حيث يبلغ إجمالي عدد الأفراد المشاركين في عالم الفكر النيوليبرالي في أميركا اللاتينية مجموعة من 811 شخصا، وغالبا ما يتم ربط هؤلاء الموظفين داخل مراكز التفكير وأعضاء مجلس الإدارة بأكثر من مركز أبحاث (في المتوسط، كل فرد لديه حوالي أربعة وظائف). وعند النظر إلى شبكات مراكز البحوث عبر الوطنية، أي الأفراد الذين يشغلون منصبين على الأقل من مراكز البحوث في مختلف البلدان في القارة، فإننا نكتشف عددا كبيرا من أعضاء جمعية Mont Pèlerin، حيث تصل نسبتهم إلى 51٪، لذلك نعدهم عنصرا رئيسيا لنخبة المعرفة النيوليبرالية العابرة للقوميات لكونهم يشغلون مناصب قيادية تنظيمية.

بالنظر إلى الروابط القوية بين مراكز الفكر عبر الشبكات والروابط الإضافية بين مراكز الفكر بسبب المناصب القيادية المشتركة والوجود الاستثنائي لنخبة فكرية ليبرالية جديدة في مواقع متشابكة؛ يتضح أن الشبكات توفر قاعدة مثالية لاندماجات خطابية عبر مجموعة من ساحات القضايا.

هذه الدراسة هي مجرد خطوة أولى لسد الفجوة في تشكيل المجتمع المدني في مناطق العالم بالتزامن مع عمليات التنسيق عبر القومية، ولا تزال العديد من الأسئلة البحثية مفتوحة أمام التحقيقات والدراسات المستقبلية، سواء كان ما يتعلق بكل من الأسئلة النظرية أو التجريبية، من الناحية التجريبية من الضروري تحقيق المزيد من المعرفة حول الممارسات والتدخلات الملموسة لمراكز الفكر، حاليا لا يمكن إلا الفرض بأهمية هذه الشبكات لعمليات النقل والانتشار، مما يترك مجالا لكل من بحوث المتابعة الكمية والنوعية، كما ينبغي أن تهدف الدراسات النوعية المتعمقة إلى اكتشاف كيفية حشد مراكز الفكر للأفكار والاستراتيجيات التي تتبعها والآثار التي تسببها، يمكن أن تحاول الدراسات الكمية تحديد المدى الذي يمكننا من خلاله ملاحظة مخرجات مراكز الفكر كمدخلات في وسائل الإعلام وورقات السياسات عبر البلدان.

في الوقت الذي تركز فيه معظم مثل هذه الأبحاث على المنظمات فإنه من الضروري دمج الأفراد، فمن الناحية النظرية يمكن اعتبار هذا سيكون مساهمة ضرورية وهامة في دراسة تشكيل الطبقة العابرة للقوميات.

الفصل الثامن: مشاريع مكافحة الهيمنة والتطبيق المعرفي في مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات

يقدم ويليام كارول وإلين كوبورن في هذا الفصل تحليلا مقارنا لـ 8 مجموعات للسياسات البديلة العابرة للقوميات، منها 5 مجموعات من الجنوب العالمي و3 من الشمال العالمي، بالإضافة إلى إطار عمل مفاهيمي أساسي لفهمها على أنها مواقع للتطبيق العملي المعرفي، حيث تم التوصل إلى أن المجموعات التي تم فحصها في هذا الفصل تسعى إلى 3 أهداف رئيسية، وهي إنشاء معرفة ذات أساس تجريبي تتحدى قصص الهيمنة، بالإضافة إلى تعزيز الممارسات والسياسات الاجتماعية/الإيكولوجية البديلة، وكذلك بناء القدرة على التغيير الاجتماعي من الأسفل.

حيث تمثل مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات تباينا ساطعا مع مؤسسات الفكر المهيمنة على الرغم من أن كلاهما ينتج المعرفة والسياسات، إلا أن الأهداف لمجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات والتي تتمثل في الكشف والمعارضة والاقتراح في خدمة العدالة العالمية تتطلب منهم تبني وسائل مختلفة بشكل مذهل، والتي تمتد وتفسد فكرة مجموعة تخطيط السياسة.

في كل هذه النواحي، فإن تلك المجموعات تختلف اختلافا حادا عن مراكز الفكر التقليدية حتى عندما لا تكون مدركة تماما لأهدافها المضادة للهيمنة، حيث تخاطب كل مجموعة وتعمل مع دائرة انتخابية محددة -مجموعة من الحركات والجماهير المضادة وعامة الناس والمجتمعات الفرعية- لكنها تهدف أيضا من خلال جهودها التواصلية إلى الوصول لبعض المؤسسات التي تعدها أهدافا أساسية، والتي قد تشمل وسائل الإعلام الرئيسية والدول والهيئات الحكومية الدولية.

أثناء متابعة مشاريعهم المتميزة تم اكتشاف أن مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات ابتكرت مجموعة واسعة من الأساليب المشتركة في إنشاء المعرفة البديلة (غالبا بالشراكة مع الحلفاء)، ولتعبئة تلك المعرفة من أجل التغيير الاجتماعي. وبهذه الطريقة تقدم كل مجموعة مساهمة مميزة في تكوين المعرفة البديلة والسياسة التحويلية، على الرغم من هذه الفروق في الرؤية والأولويات العملية وطرق إنتاج المعرفة البديلة وتعبئتها إلا أن جميع مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات تتلاقى على وجه العموم حول “إطار رئيسي” يناصر ويتوخى العدالة العالمية والرفاه، وهو ما يتوافق مع اهتمامات النشاط القضائي العالمي.

لقد تم تقديم تحليل انتقائي لا مفر منه، والاعتماد جزئيا على حساباتهم المنعكسة على ممارساتهم بدلا من التحقيق الإثنوغرافي الأنشطة الأكثر ملاءمة للتفاعل الملموس بين علاقات الحكم وعلاقات الصراع.

بالرغم من أن مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات تحقق أهدافها جزئيا فقط، إلا أن تلك الأهداف تعد هامة جدا بالنسبة لها، حيث تسعى جاهدة إلى إنشاء مصادر جديدة للمعرفة النقدية، وفي بعض الأحيان تنجح في ذلك، وأيضا في تعبئة تلك المعرفة ضمن مشاريع تهدف إلى العدالة الاجتماعية والازدهار البشري والرفاه البيئي.

تذكرنا مجموعات السياسات البديلة العابرة للقوميات بأن توسيع مساحات المعرفة أمر عملي، ويعني الكشف والمعارضة والاقتراح، ولكنه يتحقق دائما بالتعاون الوثيق مع الكفاح الفعلي على أرض الواقع تجاه عالم مختلف وأفضل.

الفصل التاسع: من البحث إلى الواقع.. تنمية مراكز الفكر الراديكالية اليسارية في نيوزيلاندا كتطبيق لمكافحة الهيمنة في المساحات الفارغة السابقة

ترى سو برادفورد في هذا الفصل أن مراكز الفكر اليساري الممولة من اليسار والتي لا تمولها الشركات ليست فكرة ممكنة فقط، بل هي ضرورية لتوفير توازن معقول، حيث تكتب بشكل مثير للاهتمام عندما تحولت ناشطة سياسية ثم عادت إلى النشاط مرة أخرى لتعطي منظورا يوفر منتدى بديلا يحتوي على مجموعة بديلة من الأهداف والمقترحات المادية، وحلمها التفصيلي هو خارطة طريق لـ “مركز أبحاث يساري رئيسي في نيوزيلندا”، لكن هذا له آثار بالنسبة للآخرين في أماكن أخرى فيما تحدده كخطة للعمل من أجل مزيد من مراكز الفكر غير الحزبية.

كما يتحدث نيك سرينيسك وأليكس ويليامز عن الحاجة إلى اليسار لدعم وتطوير مؤسساته الفكرية، بما في ذلك مراكز الفكر باعتبارها “عناصر لا غنى عنها في أي بيئة سياسية”، فإن المشاركين في إنشاء مركز أبحاث يسارية راديكالية جديدة في نيوزيلندا يدركون إدراكا تاما لهذه الضرورة، حيث يتحدث مركز “الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا” بصراحة في وثيقة تأسيسه حول العمل من أجل بناء هيمنة يسارية، والسعي ليس فقط لمحاربة الأيديولوجية السياسية للرأسمالية ولكن أيضا إلى تعميق التفكير حول كيفية تحرك اليسار بطرق عملية تتجاوز الرأسمالية في هذا المكان وفي هذا الوقت.

حيث يعد تطوير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا (ESRA) عنصرا رئيسيا لمكافحة مشروع الهيمنة النيوليبرالي، ويهدف إلى تقوية نيوزيلندا التي غادرت في لحظة في التاريخ عندما تحول العديد من الأفراد والمنظمات إلى أجزاء صغيرة، إلى جانب ذلك كانت بذور مشروع أكبر بكثير لإنشاء منظمة سياسية جديدة قادرة على ملء وظائف شاغرة أخرى، والحاجة إلى حزب قادر على القيام بالعمل التنظيمي ضروري في أي محاولة لتحدي قيود وهياكل الرأسمالية النيوليبرالية.

عند النظر إلى ما يمكن أن يخبئه المستقبل لتطوير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا وللمراكز الفكرية اليسارية بشكل عام في نيوزيلندا، يمكن تقديم بعض الأفكار كالتالي:

أولا: بينما من المحتمل أن تعاني مبادرة مثل هذه خاصة في تلك المراحل المبكرة من أي عدد من النكسات أثناء تطورها، هناك الكثير من الأشخاص المهرة والحازمين المشاركين في المشروع بالفعل في تلك المرحلة، حيث ستتمكن من التغلب على فقدان أي واحد أو أي عدد قليل منهم، ومن المحتمل أن تستمر القضايا المتعلقة بالتمويل لبعض الوقت، لكن يلاحظ أيضا تجربة مؤسسات الفكر اليسارية في الخارج، بما في ذلك تجربة المركز الكندي لبدائل السياسة الذي نجا من عدد من سنواته السابقة مع قلة التمويل قبل أن يصبح مؤسسة راسخة ومحترمة للغاية.

ثانيا: سيخرج مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا قريبا من شرنقة الحمل لبدء البحث عن علاقات مع مراكز فكر يسارية في أجزاء أخرى من العالم، وعملت العزلة الجغرافية لنيوزيلندا على زيادة الإدراك للحاجة إلى تبادل المعلومات والمهارات الدولية إلى جانب تطوير علاقات قوية قادرة على النهوض بنظرية مكافحة الهيمنة والتطبيق العملي على نطاق أبعد من المستوى المحلي، وسيكون مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا مهتما بشكل خاص بتطوير العمل في Pacifc ، حيث يوجد غياب مشابه لنشاط مراكز الفكر اليساري، لكن سيتم الحرص أيضا على وجود اتصالات مع الأفكار اليسارية التي تتشارك معها في قضايا مشتركة في أي مكان في العالم.

ثالثا: تم التوصل إلى وجود مجال لأكثر من مركز أبحاث يساري في نيوزيلندا منذ عدة سنوات، حيث توجد أنباء عن ظهور مبادرة فكرية من وسط اليسار الأخضر، ويمكن القول إن جميع المشاركين في مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا يرحبون بظهور مؤسسات بحثية كبرى مقرها في أجزاء أخرى من اليسار النيوزيلندي، ومع ذلك ما لم تسخر هذه المؤسسات مزيجا من التصميم الأكاديمي والناشط والشجاعة والوضوح اللذين أطلقهما مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في أوتياروا، فإن النجاح يبدو غير مرجح، وليس الوصول إلى مجموعات كبيرة من المال هو وحده الذي يحدد استدامة مراكز الفكر اليسارى في نيوزيلندا على الرغم من أن الموارد بالطبع ستكون ضرورية، لكن الأهم من ذلك هو القدرة على تنظيم أعمال طويلة المدى هادئة ومحددة من قبل مجموعة متنوعة من الأشخاص المؤهلين الذين يعملون من أجل هدف مشترك واضح سيكون ضروريا لنجاح أي مساعي دائمة لمكافحة الهيمنة.

الفصل العاشر: لماذا يتم إنشاء منظمات غير تمثيلية؟ إعادة التفكير في دور وشكل وأهداف مراكز الفكر

نظر هذا الفصل الختامي في البيئة التنظيمية للأفكار الرأسمالية الحديثة وركز بشكل خاص على “لماذا” بالنسبة لمراكز الفكر، من خلال القيام بذلك رأينا بشكل خاص أهمية التباعد ودور المقياس الاقتصادي بالنسبة لليمين يمنح البعد لأفكار الشركات شرعية لم تكن لتمتلكها لولا ذلك، إنه يوفر “تصديقا من طرف ثالث” محمي بشكل غير مرئي، ويساعد ذلك في جعل السياسات الليبرالية للسوق أكثر قبولا من قبل صانعي السياسات، وتساهم إلى حد ما في هيمنة الفلسفة الليبرالية للسوق بين صانعي السياسات في جميع البلدان المتقدمة، وتميل كل من مراكز الفكر وكذلك المنظمات التمثيلية إلى تطوير منطقها الداخلي الخاص بها، والذي قد يكون غير مريح قليلا لبعض الشركات على الأقل في البداية، على الرغم من أن الكثيرين يجدون أن “التوجيه” أو تكرار الأفكار والتأثير من هذه الهيئات يصعب مقاومته في النهاية.

مراكز البحوث ليست وحدها في هذه البيئة التنظيمية للأفكار، لقد كان اهتمامنا في هذا الكتاب بالمؤسسات التي تخلق الأفكار للتأثير على السياسات والقرارات الفعلية، وتتضمن هذه المؤسسات مؤسسات بحثية مفتوحة ومغلقة (لكل من اليسار واليمين)، بالإضافة إلى جمعيات رجال الأعمال.

خارج نطاق معظم هذا الكتاب كانت هناك بعض المؤسسات التي تنتج أيضا أفكارا للتأثير في السياسات والقرارات الفعلية بما في ذلك التجارة والدولة، لأنها قد تمت دراستها على نطاق واسع في مكان آخر وإنتاج الأفكار ليس سوى جزء صغير من أساس عملها، كما أن أننا أولينا بعض الاهتمام المحدود للمستشارين الذين يقدمون في الغالب مجرد الخبرة الفنية التي تعمل من أجل مصلحة العملاء، رغم أنهم كما رأينا قد يؤديون أيضا دورا في نشر الأفكار، وكذلك أيضا لمراكز البحوث الجامعية التي نادرا ما يتم إنشاؤها لتحقيق هدف سياسي، وعادة ما يجلس في مكان ما بين مجموعة مستقلة أكاديميا أو مستشارين، بينما خصصنا للهيئات التمثيلية لرجال الأعمال لديها فصل واحد.

هذه كلها تشكل جزءا من تلك البيئة التنظيمية، ولكن بما أن الرأسمالية ضرورية لمواجهة التحدي الكينزي الداعي إلى إعادة توزيع أكثر إنصافا للموارد وإنتاج رد فعل للسوق الليبرالي في سبعينيات القرن الماضي، فقد احتلت مراكز الفكر مكانة أساسية في تلك البيئة، حيث أدت دورا رئيسيا في ضمان قبول صانعي السياسة للأفكار السوق الليبرالية.

يختلف “المقنعون دائما” من حيث التصنيف على سبيل المثال، هل هم ممثلين أم غير ممثلين، هل هم من اليسار أم اليمين؟ هل هي موجهة داخليا أو خارجيا، وعلى أي مستوى مكاني تعمل؟. قامت الفصول المختلفة في هذا الكتاب بدراسة كيف تم تأسيسها ومواردها، وكيف تنتج الأفكار، وماهية الأفكار التي ينتجونها، ولماذا يفعلون ذلك، ولمصالح من يعملون، وما إذا كانوا بحاجة إلى تحقيق “الأبتعاد”، وما الآثار المترتبة على ذلك لديهم؟، وما القيود التي يواجهونها في مجموعة من السياقات والمواقف والبلدان.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا

رابط الكتاب الأصلي: https://bit.ly/39mFFxl.