اكتب أي شيء للبحث

العقل الاستراتيجي للدول

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

الدكتور هيثم البشلاوي, المدير الاقليمي للمركز بجمهورية مصر العربية

دراسة في الأبعاد الثلاثة (المنهج– التوجه – المجال)

مدخل

لم يكن ميلاد الدول صدفة في التاريخ، كما أن بقاءها وقدرتها لم يكن يوما رهن الصراع بقدر ما كان بالضرورة هدفا له، فمن الدفاع إلى التنمية كانت كل المجريات تدفع بضرورة صناعة عقل استراتيجي للدول لينتصر لها في الأولى ويحقق لها استدامة الثانية، فعلى الخط الوسيط ما بين صراع التاريخ وإحداثيات الجغرافيا الاقتصادية تتمركز الموارد البشرية لتشكل سيادة هويتها الوطنية، لتمدد لتصنع السيادة السياسية ثم تعمل على تأمين مجالها الاستراتيجي وفق إحداثيات التأثير في شبكة مصالحها؛ وبناء على ما سبق، فإذا كانت الدولة كائنا جغرافيا يولد في التاريخ، ويحيا بالاقتصاد، وينضج بالصراع، ويعجز بالجهل؛ فإن العقل الاستراتيجي للدول هو نتاج تفاعلات وتراكمات كل ما سبق.

فعندما تفقد الدول بوصلة العقل الاستراتيجي تضل سفينة الاقتصاد في بحر السياسة، ويغرق المجتمع في دوامة عشوائية الهوية الوطنية، ووفق هذا التوصيف يمكننا صياغة قاعدة أساس لهذا الطرح بكون من يمتلك عقلا استراتيجيا يصبح قادرا على حماية سيادة (الهوية – الجغرافيا)،ويكون بالضرورة قادرا على استشراف الأزمات وإدارتها أولا، بل ومواجهة مصدرها ثانيا والتحكم في أطرافها الفاعلة ثالثا، مفاد الأمر أن العقل الاستراتيجي للدول حق ذاتي تمنحه لنفسها بقوة هويتها الوطنية، لا امتياز يُمنح ويُسلب على طاولة شبكة المصالح، فهذا الطرح لا يستهدف الوصول لتوصيف وتشريح تفصيلي لموضوع الدراسة، حيث يُصعب توصيف مصطلح “العقل الاستراتيجي للدولة” (The strategic mind of the state) المستحدث في سياق الطرح؛ وذلك لعدم وجود إطر للتنظير الأولي في أدبيات العلوم الاستراتيجية وخاصة العربية منها، فهذا الطرح هو مجرد محاولة لتحديد (منهج – توجه – مجال) كمقدمة لنسج شبكة خلايا العقل الاستراتيجي المستهدف من التنظير؛ لتكون الدولة قادرة على تحديد الأهداف وتقيم النتائج وإدارة إحداثيات التأثير المجال الاستراتيجي لها، وتأمين شبكة مصالحها وفق منظومة استشراف وإنذار مبكر للأزمات كمعامل أساس في تحقيق ثقل الكتلة الحيوية للدولة في مجالها؛ وعلى ما سبق فإن التعامل مع صناعة العقل الاستراتيجي للدول باعتبارها خيارا مؤجلا لا ضرورة عاجلة جعل أغلب الجهود البحثية العربية في العلوم الاستراتيجية أبعد من التنظير الثابت (المنهج) منها إلى المتغير (الأحداث)، دون إدراك أن المتغير نتاج لغياب الثابت؛ لذلك يستهدف هذا الطرح أن يكون مقدمة لاستحداث مخرج من دائرة الإفلاس الاستراتيجي في التنظير العربي لصناعة القدرات الشاملة للدولة ((National /Total Perceived Power التي تقع أغلبها وفق منهجيات النظريات الغربية وأدبياتها، وليس هذا دعوة للانفصال عن تلك التجارب أو عدم الاستفادة منها بقدر ما هو قناعة بضرورة إنتاج مدرسة بحثية عربية في العلوم الاستراتيجية، لا تتعامل أو تعتمد على مخرجات المدارس الاستراتيجية الأخرى حول العالم بمنظور التطبيق الجاف دون إعادة النظر في مدخلات تلك النظريات ومدى واقعية عمليات القياس لقدرات الدولة من خلالها، وهو ما يجعلها مجرد نتيجة ومؤشر بيانات تقدم لصانع القرار وليس استراتيجية لصناعة القرار وفق بوصلة محددة الاتجاهات والمدارات متصلة الخلايا محددة المؤشرات.

ومن هنا جاءت ضرورة هذا الطرح ليكون تصديرا للعدد الثاني من “دورية القرار الاستراتيجي”، التي تناقش دور مراكز الفكر كأحد أنسجة خلايا تفكير العقل الاستراتيجي للدول من خلال سلسلة دراسات تشمل مصفوفة وخريطة انتشار مراكز الفكر حول العالم كمؤشر نسبي لقياس الفكر الاستراتيجي للدول، وهو ما نستهدف توصيفه وتحليله ثم تطويره وتوظيفه لتطوير تطبيق أولي لقياس فاعلية مراكز الفكر كخاتمة لهذا العدد.

المحور الأول: صناعة العقل الاستراتيجي.. التطور والضرورة

أولا: أجيال العقل الاستراتيجي.. النشأة والتطور

كان ميلاد العقل الاستراتيجي نتاج حتمية صراع الجغرافيا وسباق الريادة بين الدول، فقبل أن نبدأ نشير إلى كون الاستراتيجيات التي سنعترضها في سياق نشأة أجيال العقل الاستراتيجي وتطورها قائمة على فرضيات تاريخية، والربط بين استراتيجيات دول تتقارب من حيث منهج التفكير الاستراتيجي ليس بالضرورة أن تكون متقاربة سياسيا أو اقتصاديا؛ فالأجيال التي سنعرضها سنوصفها برؤية مزدوجة النظرية والتطبيق (علم وفن) لإيجاد مساحة من المقاربة والربط لتوصيف منهجية كل جيل في الطرح، ونكاد نجد أن منظور المارشال (Schaumburg -Lippe) في توضيح الفجوة بين النظرية والتطبيق في رؤيته حين قال إن “الحرب نظرية ولكن لا تكون بالقياس المطابق كذلك سوى على الأوراق”، فتكون كل أبعادها خاضعة للدراسة والحسابات ولكن في الميدان الضرورة هي التي تقرر ما يمكن تنفيذه من الاستراتيجية، وتلك الفجوة بين النظرية والتطبيق تنتهي عندما ندرك أن العلوم الاستراتيجية كإطار نظري ليست سوى مرحلة تحضيرية في خدمة فن الاستراتيجية كأداة تنفيذية، فالنظرية الأقوى ليست المعتمدة منهجيا على الاحتمالات العشوائية، بل هي التي تؤدي إلى ترجيح سيناريو النصر بشكل مباشر([1])، وعلى هذا التوصيف كانت قاعدة أساس هذا المقترح الذي نحاول من خلاله التنظير لمصطلح جديد (العقل الاستراتيجي للدول)، وذلك بعد أن وجدنا أن نظريات العلوم الاستراتيجية التي تتناول صناعة قرار الدول تكاد تكون منفصلة المسار حبيسة منظور تخصص التناول، بل إن أغلب الجهود البحثية تغيب عنها النظرة الكلية لمفهوم الإدارة الاستراتيجية للدول كإطار مفاهيمي لا يفسر سيكولوجية الدولة وممارسات الثقة التي تحقق وتحمي بها سيادة هويتها الوطنية، وسنعمل في هذا الطرح على تقسيم أجيال العقل الاستراتيجي، وذلك ليس من خلال استعراضها بمنظور تاريخي مجرد وفق سلاسل زمنية، ولكن من خلال البحث عن مصدر قوة الإدارة الاستراتيجية للدول منذ نشأة الدولة النظامية وحتى الألفية، والعمل ثم العمل على تقسيم مصادر القوة إلى أجيال يعتمد كل منها على سيادة وسيطرة فكرة ما كمصدر لقوة استراتيجية الدولة لفترة زمنية أو كمرجعية مستمرة؛ لذلك سنربط من خلال هذا التصنيف بين الإدارة الاستراتيجية للدول (العقل الاستراتيجي) وبين مصفوفة تجمع علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس السياسي كتوصيف أولي لما يمكن أن نطلق عليه (الاصطفاف الاجتماعي) الداعم لأفكار العقل الاستراتيجي لكل جيل، ثم الوقوف على مدى قدرة عقل الدولة على إدارة المجتمع لتحقيق هذا الاصطفاف، ورغم كون أجيال العقل الاستراتيجي الذي سيتناولها هذا التصنيف يبدو كل جيل منها منفصلا أو متناقضا من حيث مركزية الأفكار وانتشارها اجتماعيا، إلا أنها تتداخل وتتقاطع من حيث الدوافع والأهداف، ليتفاعل هذا التناقض والتقاطع لينتج حزمة استراتيجيات لإدارة الدول “مسودة كود للفكر الاستراتيجي” ( (Draft code for strategic thinking، سنستخدمها لاحقا لتشكيل خلايا العقل الاستراتيجي المستهدف توصيفه بشكل أولي من خلال تلك الدراسة بصرف النظر عن المرجعيات الفكرية لكل جيل، وهو ما سنعترضه وفق توصيف خاص بالطرح من خلال تقسيمها إلى 6 أجيال، كالتالي:

الجيل الأول: العقل المقدس.. كهنوت الدولة (The Holy Spirit.. The cant of the state)

ما بين الميلاد الأول للدول النظامية (مصر – أثينا) كان التوصيف الأول لمركزية إدارة الدولة المتمثل في السلطة الإلهية للحاكم والحصانة المقدسة لقراراته، وذلك وفق حسابات العصر واعتقاداته، فقد كانت مجالس البلاط وكهنة الدولة المصرية القديمة البداية لتوصيف مركزية خلايا عقل الدولة، وإن لم توصف كاصطلاح (لفظي) ولكنها كانت كذلك (بالمعنى)، فقد كانت الدولة المصرية تمتلك هيكلا نظاميا ودوائر لصناعة واتخاذ القرارات، حيث كانت هيكلية الدولة المصرية القديمة تعمل بشكل هرمي مركزي، متمثل في شخص الملك (العقل المقدس) والوزير الأول (اليد المنفذة)، ثم يندرج هيكل وظيفي للجهاز الإداري يرتبط من حيث المهام والمسؤوليات مكونا دوائر لدعم القرار المقدس لشخص الملك، وكانت تلك الدوائر تشكل غالبا من رئيس البلاط والمستشارين ونخبة من رجال الإدارة والاقتصاد (الأوامر الملكية- الأشغال والمباني – الخزانة – الضرائب – أمراء المقاطعات – ناظر الثروات – ناظر الصوامع- رئيس البحارة)، وكانت تعمل تلك الدوائر وفق منظومة تنبؤ الأزمات واستشرافها (حجم الفيضانات – الظروف المناخية- رصد حركة المناطق الحدودية)، وذلك من خلال نخبة من رجال الجيش والفلكين والمهندسين، وبذلك كانت تلك الدوائر تجسد ميلاد العقل الاستراتيجي لأول دولة نظامية موثقة الحضارة، لنجد خطط الدولة في مختلف القطاعات مسجلة على جداريات المعابد وأوراق الكتبة، لتشمل إعداد خطط تحصين حدود الدولة والمعارك خارج الحدود، والتخطيط لإنشاء الترع والسدود وطرق النقل والمواصلات للربط بين مختلف الأقاليم لتظل تحت سيادة الدولة النظامية الموحدة، بل ونجد شبه برامج إدارة الأزمات كما نطلق عليها اليوم، لنجد رصد ورقابة لعمليات تخزين الحبوب والبذور وبناء السدود وحفر الخزانات لتقليل حدة أزمات الجفاف والفيضان، كل تلك الإجراءات تؤكد وجود عقل للدولة يعتمد منهج التخطيط الاستراتيجي، حيث نجد “بتاح حتب” في وصاياه عام ٢٧٠٠ قبل الميلاد يسجل ضرورة استشراف المستقبل لدى صانع القرار للدولة المصرية القديمة بقوله “على القائد أن يضع في اعتباره الأيام التي لم تأت بعد” ([2])، ورغم اختلاف تكوين دوائر صناعة ودعم القرار وعدم استقرارها الهيكلي مع تعاقب الأسرات وتطور واضمحلال منظومة إدارة الدولة المصرية القديمة إلا أنها ظلت تلك الدوائر تعقد بين أروقة المعابد وتحت رعاية ومباركة الكهنة، ليتوسع نفوذها لتتحول في بعض الأسر لمراكز قوى يحاول الملك التخلص منها أو التودد إليها للبقاء، ومن مصر لأثينا نجد الظهور الأول للمسمى الوظيفي “مخطط استراتيجي”، لتنشأ مدارس التخطيط الاستراتيجي في المقاطعات كسلطة دفاع (مجلس حرب)، حيث كان يُختار 10 “استراتيجيين” أو “مخططين”، يؤسسون مدرسة للتخطيط العسكري، ثم يُنصب أفضلهم من خلال مباريات قتالية ومناظرات فكرية بينهم حتى يستطيع أحدهم أن يفرض نفسه على الآخرين بوصفه قائدا للمجموعة، وكان يُشترط أن يكون لدى جميع أعضاء تلك المدارس القدرة على القيادة الميدانية، وتُوزع المهام على الأعضاء وفق إحداثيات السيادة على الإقليم ليُعين أحدهم قائدا للمناطق الريفية، وآخر يكلف بالدفاع عن حدود الإقليم البرية، ويكلف اثنان للدفاع عن الشواطئ والحدود البحرية، أما الخامس يتولى مهمة تسليح الأسطول، والخمسة الآخرون يكون لديهم أعمال متعددة ومتغيرة وفق ضرورة الموقف، وبهذا كانت المدارس تتبع منهجا علميا يتناسب مع مقتضيات عصرها وتعمل على تقسيم المهام وفق القدرات والموارد، إلا أنها كانت تعمل في ظل معابد أثينا بل وتتخذ من مباركة ونبوءات رجال الدين مرجعية في صناعة القرارات، واستمر عمل تلك المدارس بشكل لا مركزي خاضع للسلطة الدينية بأثينا حتى عصر الإسكندر الأكبر، الذي عمل على تقديس شخصه كاستراتيجي صاحب عقل مقدس لتصبح وظيفة الاستراتيجي مركزية تتمثل في شخص الحاكم المقدس، ورغم نجاح تلك التجربة وفق مقتضيات عصرها لكونها تجعل خطط الدولة مؤمنة ومضمونة لكن ظلت الاستراتيجية كنظرية مجهولة لم يُنظر لها([3]).

الجيل الثاني: العقل العقائدي (Dogmatic Mind)

وهو تطور وتقويم لمفهوم العقل المقدس، وهنا ارتبطت عملية صناعة القرار وعقل الدولة بمبادئ عقائدية دينية (الإسلام – المسيحية – اليهودية) وليس بشخص الحاكم المقدس، والعقل العقائدي ظهر بأوربا في العصور المظلمة حين تحكمت الكنيسة في كل أمور الدولة بسلطة مقدسة، بل ودفعت بحكام أوربا لمحاولات احتلال الشرق تحت ستار الحروب المقدسة الطامعة في ثروات الشرق، حيث كانت الحضارة الإسلامية تخضع لمدرسة عقائدية أيضا، ولكنها كانت تؤمن بالعلم مصدرا للحضارة، وتعتمد مبدأ الشورى الذي يرتكن إلى أهل الحلّ والعقد الذي تجسد في مجالس العلم، حتى نتج عنها أول تجمع للباحثين والعلماء تحت اسم (دار الحكمة) عام 192 هـ – 809 م، فقد نشأ أولا بوصفه مكتبة ثم توسع ليصبح مركزا للترجمة، ثم مركزا للبحث العلمي، ثم أصبح دارا للعلم تقام فيه الدروس وتمنح فيه الإجازات العلمية، ثم ألحق به بعد ذلك مرصد فلكي([4])، ليكون بذلك أشبه بمراكز البحوث متخصصة المتواجدة اليوم لدعم متخذ القرار، وإجمالا لما سبق فنحن لم نعمل على صياغة هذا الجيل بانحياز لحضارة الشرق عن الغرب، ولكن هو انحياز التاريخ لمن كان يملك العلم وليس من أصبح يمتلك العلم مستقبلا حيث الغرب الآن.

والعقل العقائدي في مجمله ينطوي على اتجاهين؛ أحدهما إيجابي من حيث منظومة القيم والأخلاق ووحدة المجتمعات، والآخر سلبي من حيث الصراع والاستقطاب وظهور جماعات وطوائف دينية (عقول فرعية)، ولعل أسوأها على الإطلاق هو العقل الطائفي الذي يتعصب لمنهجية مصطنعة أو منحرفة عن الأصل، يعدُ حتى شركاء العقيدة الأصلية أعداء يجب السيطرة عليهم لتحقيق مشروع سياسي بدافع عقائدي، وإن ادعى لنفسه الانفتاح على الآخر فسيكون هذا الانفتاح أيضا لخدمة مشروعه، ولنا في إيران والاحتلال الإسرائيلي خير مثال لهذا النموذج، وإن كان العقل الاستراتيجي المعاصر لكليهما هجينا من العقيدة والاستراتيجية ليقبل التوظيف لمختلف أنواع وأجيال العقل الاستراتيجي لتحقيق أهدافه، بل إن هناك تطورا للعقل العقائدي لصناعة خلايا هجينة للعقائد المختلفة تدعي توحيد الأديان في منهج وشعائر واحدة (كالماسونية) وإن لم تعلن ذلك تفصيلا؛ تحقيقا لنفس أهداف العقل العقائدي المجرد.

الجيل الثالث: العقل العرقي.. قوميات الدم والعقائد (Ethnic mind.. Blood nationalities and beliefs)

يتخذ هذا الجيل من علم الأعراق (الأثنولوجيا) أحد فروع علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) الذي يعمل على دراسة أصول الشعوب المختلفة (العرقيات) وخصائصها وانتشارها، ودراسة ثقافاتها سائدة وتطورها، بل وتحليليها بمنظور مقارن مع العرقيات الأخرى([5])؛ مرجعية ومدخلا لتشكيل عقل الدولة بدافع البحث عن التميز العرقي أو إثبات الحق التاريخي لهذا الشعب لتحقيق مشروع سياسي مستقبلي يحول تلك العرقية لأيديولوجيا فكرية ثم هوية ومنها لقومية، سواء كانت بدافع وحدة اللغة أو الدم أو كليهما، ولا يكاد هناك تقاطع وتكامل بين عرقية وقومية لغة أكثر مما طُبع على وجه الوطن العربي، ولكن تباين ديمغرافيا السكان كان دافعا دائما للصراع حول السيطرة وليس التكامل، ولا تكاد تجارب الوحدة العربية تتجاوز زعامة أفراد لا منهجية فكرية تدفع لصياغة عقل مشترك يحتوي تباينات البناء المجتمعي للأقطار المتحدة، لنجد أن أغلب تلك التجارب كانت معكوسة، بمعنى أنها كانت تضع وحدة النظام السياسي بصراعاته أولوية قبل وحدة البناء الاجتماعي الذي وإن شُيد بدقة فسيكون بمثابة ردع فكري (سيادة هوية مشتركة) تحقق ضمانة الاستدامة ومن ثمَّ إنتاج عقل استراتيجي مشترك، ومن الوطن العربي إلى أوربا، حيث كانت الدولة العرقية الأعنف (ألمانيا النازية) التي صنعت لنفسها نظرية التفوق العرقي «الآريين- Aryans»، أو «النوردية»([6])، وذلك على أسس بيولوجية ونفسية، لتكون الدافع لميلاد عقل الرايخ النازي الذي نظر لنظرية المجال الحيوي لألمانيا لتبرير حق الغزو والسيطرة وسيادة ألمانيا على كل من ينتمي لتلك العرقية كخطوة أولى ثم كل من يرتبط بها أو يهددها، وذلك بهدف إخضاع هذا المجال الحيوي تحت سيادة دولة واحدة عظمى، وعلى خلفية خطورة العقل الاستراتيجي العرقي المتمثل في ضرورة وجود مشروع توسعي لهذا العقل، نجد دوافع التجربة النازية نفسها مع ازدواج معيار العقل العقائدي مع العقل العرقي، لنجد مقاربة لدول هامش الإقليم العربي (إيران – تركيا) ودولة الفاصل لامتداد الإقليم (الاحتلال الإسرائيلي)، حيث تضع تلك الدول حزمة من الدوافع العرقية المخلوطة بالعقائد: فإيران تدعي فارسية الجغرافيا بجانب طأفنة التاريخ الإسلامي لتمنح نفسها الحق في تصدير مشروعها التوسعي على أساس قومية الطائفة للأقليات، ثم تأتي تركيا التي لا يخضع مشروعها التوسعي لعرقية أو لغة ولكن يتمثل فقط في إحياء صورة الخلافة العثمانية المزعومة (قومية الخلافة)، لتستقطب بتلك الصورة الذهنية المريضة الجماعات الدينية المنحرفة فكريا لتشكل بالتبعية قاعدة اجتماعية تروج لمشروعها في الأقاليم العربية المستهدف توسيع النفوذ فيها، وهنا نجد أن مشروع تركيا المستقبلي لا يختلف كثيرا عن تاريخها، فقد اتخذت فقط من العلمانية وحلف الناتو غطاء وحصانة تنسلخ منها فقط عندما تدعو لحقها التاريخي بالخلافة بمنظور عنصري قائم على طائفية مفرطة سياسة الملة (Milet System) كمدخل لسياسة “فرق تسد” للأقاليم العربية، وهنا بدأت المسحة الدينية تبهت مرة أخرى في تركيب الاستعمار الوسيط المقنع بدعوى الخلافة الطامع في ثروات العرب، ويمكن القول إن نظام الملة هو الأب المباشر لمشكلة الطائفية التي تعرفها اليوم أقطار عربية، لقد كانت إرثا من الاستعمار التركي لا شك فيه([7])، وأخيرا يدعي الاحتلال الإسرائيلي أن يهود اليوم هم من أصل بني إسرائيل كعرق دم واحد ينتمي لأصل واحد؛ ليأسس بذلك مبدأ قومية اليهود جنسا ودينا، مع إحياء العبرية كلغة رسمية واحدة تجمعهم، واتباعه نهجا عنصريا مجردا لكل ما هو عربي أو مسلم تحت غطاء من الديمقراطية الشكلية لعرب 1948م وبعض المحاكمات للمسؤولين لتعبر عن عرقيتها وعقيدتها بكونها دولة قانون بحق، وإن عنصريته مجرد تجاوز لأفراد وليس لمعتقد وعرقية مزعومة، ورغم دفاع البعض حتى الآن عن هذا المنهج بكون مدخلات هذا العقل ليس بالضرورة أن يكون انحرافا للسيئ، ولكنه بالضرورة سيكون كذلك عند منعطف الأزمة، وسيتضح أن هذا العقل وظف التخطيط للإبقاء على منظومة حكمه ليحول مؤسسات الدولة لأدوات خاضعة لتوجهات وأفكار مرحلية المنظومة الحاكمة بدلا من مشروع الدولة المستدام الذي يعبر عن الهوية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة (الاتحاد السوفيتي، ألمانيا النازية نموذجا).

الجيل الرابع: العقل الاستعماري.. السيادة المنقوصة (Colonial Mind.. Imperfect Sovereignty)

كانت بريطانيا الاستعمارية تتحرك لتوسيع رقعتها وفق رؤية علمية تحقق تكامل الموارد الطبيعية بين المستعمرات وتأمين المسارات البحرية لنقلها إلى بريطانيا، ويكاد يكون العقل الاستعماري لبريطانيا أحد أهم العقول الاستراتيجية الذي استطاع أن يحول جزيرة محدودة الموارد إلى إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، مستخدما في ذلك العلم سلاحا يمكنه أن يمنح السيادة المنقوصة للمستعمرات البريطانية شريطة تأمين شبكة مصالحها، بمعنى أدق تمكنت بريطانيا من إنتاج عقل استراتيجي مركزي يعمل بخلايا لا مركزية (المستعمرات) لتحقيق أهدافها في الاستحواذ على ثروات الدول التي تضمن لها التفوق الاقتصادي والتوسع نحو نسج مزيد من الخلايا الاستعمارية وفق احتياجاتها المستقبلية، ورغم ذلك فربما كانت بريطانيا محظوظة سياسيا وغير محظوظة اقتصاديا بعصرها الاستعماري، فقد كانت الإمبراطوريات التاريخية تنهار بدون وريث، وهو ما جعل بريطانيا تدفع بأسطولها لفرض حالة من السيادة المنقوصة لتلك الإمبراطوريات على أراضيها، تحت اسم “الانتداب” أو “الاستعمار” كاسم يرتبط لفظا بالإعمار دون الفعل، أما كونها غير محظوظة اقتصاديا لكون الثروة النفطية للعالم لم تكن هي المعايير الحاكمة لبقائها الاستعماري من عدمه، وبذلك فقد تمكنت بريطانيا من بناء خريطة كاملة لدورة صناعة عقلها الاستراتيجي بشكل مركزي وفق نموذج الاستهداف الاستراتيجي، ثم التحرك لتحقيق مبدأ الاقتراب غير المباشر الذي سوف تتجلي ممارساته في العقل البارد للابن الشرعي لبريطانيا المتمثل في الولايات المتحدة الأميركية.

الجيل الخامس: العقل البارد.. تصدير الأفكار (Cold Mind.. Export Ideas)

العقل البارد أو المستنسخ من العقل الاستعماري، هكذا يمكن توصيفه، فخلال الحرب العالمية الأولى التي كانت بين دول الحلفاء والمحور اتخذ الطرفان التخطيط أسلوبا لإدارة دفة الحرب وتعبئة الموارد الاقتصادية لتجهيز الجيوش وإمدادها، واعتمدت الدول المتصارعة على التخطيط كوسيلة مؤقتة لتنظيم عملية تحول الدولة من ظروف السلم إلى الحرب، وما إن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى عصفت بالكتلة الرأسمالية أزمة الكساد الكبير (1929-1932)، فانخفضت مستويات الإنتاج والاستهلاك والدخل، وارتفعت مستويات الأسعار، وتكدست السلع في المخازن والمستودعات، مما أدى إلى تسريح العمال وانتشار البطالة والفقر؛ وأدت هذه الأزمة إلى زعزعة الثقة في مدى جدوى نظام الاقتصاد الحر الذي اعتمد على فكرة التوازن التلقائي، مما منح الاتحاد السوفيتي وقتها مساحة ثقة في قدرته الاقتصادية لتوسيع نفوذه، وهنا تبين أن تلك اليد الخلفية التي تحدث عنها (آدم سميث) في كتابه “ثروة الأمم” غير كافية لضمان الاستقرار والنمو([8])، وهنا جاءت الحرب العالمية الثانية لتكون مقدمة لميلاد العقل الاستراتيجي الغربي والأميركي، حيث تحولت اقتصادات الدول من اقتصادات السلم إلى اقتصادات الحرب مرة أخرى وفق منظومة تخطيط استراتيجي مطورة (تراكم خبرات الصراع)، لتتجلى أغلب القواعد الاستراتيجية في التخطيط الحديث للدول لتظهر مقدمات حقيقية لما يمكننا توصيفه بـ”العقل الاستراتيجي”، حيث كانت الدول تعمل وفق مصفوفة متكاملة من الأهداف والنتائج توازن بين تعدد جبهات القتال وتأمين شبكة المصالح التي يستهدفها الخصم بشكل استباقي، إضافة لرؤية متكاملة لإدارة الموارد وفق سلاسل زمنية قائمة على دراسة موارد الخصم.

وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى قُسم العالم إلى 3 مجموعات: دول العالم الأول، هي الدول الصناعية الرأسمالية (التخطيط اللامركزي – الاقتصاد الحر)، ودول العالم الثاني، هي الدول الصناعية الاشتراكية (التخطيط المركزي)، ودول العالم الثالث، هي الدول الفقيرة (التخطيط عشوائي المرحلي)، ولم يعتمد التقسيم على القدرات الاقتصادية أو درجة النمو فقط، بل على قدرة كل مجموعة لطرح رؤية حول مستقبلها، وهنا يظهر الدور المزدوج للتخطيط سواء كسبب للانتصار في الحرب، أو النهضة بعد الهزيمة (نموذج ألمانيا واليابان)، وكمحصلة لتلك الحالة العالمية ظهر ما يُعرف بالتخطيط القومي ((National planning بشكله العلمي والعملي بالتزامن مع الحرب الباردة كأحد أهم أدوات سباق التسليح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وتصدير الأفكار المستنسخة لكسب مزيد من الحلفاء في سباق لتغليب ثقل أحد الكتلتين (الشيوعية – الأميركية)، فاستخدمت الولايات المتحدة ما بين 1961- 1965 التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع، وأحدث نجاحا كبيرا، مما دعا الرئيس الأميركي ليندون جونسن إلى إصدار توجيهات في أغسطس 1965 بتفعيل منظومة التخطيط الاستراتيجي في كل الأجهزة الفيدرالية للحكومة الأميركية، تحت اسم “نظام التخطيط والبرامج والموازنة”، وكانت الولايات المتحدة تعمل على تصدير قوتها الفكرية لأوربا المنهارة من خلال خطة إعادة إعمار لتقديم المساعدات، وكان لزاما على تلك الدول أن تنتهج أسلوبا تخطيطيا لتقدير احتياجات إعادة الإعمار([9])، ثم تحركت الولايات المتحدة لاستنساخ وتصدير أفكارها (أمركة أوربا) لتكون حليفا وظهيرا استهلاكيا (سوق ) لها، خاصة بعد انهيار أغلب البنية الصناعية المتقدمة بأوربا وتقاسم الولايات المتحدة والسوفييت رصيد ألمانيا العلمي والصناعي بنقل الخبراء والعلماء الألمان للعمل ضمن مشاريع التسليح لدى الطرفين لتحقيق التفوق، تتطور مراحل الحرب الباردة ومعها تتطور خلايا عمل العقل الاستراتيجي للولايات المتحدة من مؤسسات ومراكز فكر التي تدرس كيفية إسقاط الاتحاد السوفيتي من الداخل لتتغير المنهجية التقليدية لتوظيف سباق التسليح في استنزاف الاقتصاد السوفيتي، واستمر الأمر حتى نهاية السبعينات نهاية ولاية الرئيس الأميركي فورد لتنتقل الولايات المتحدة من سياسة رد الفعل في سباق التسليح التي كانت لا تشمل رؤية استراتيجية لنهاية هذا السباق المكلف إلى استراتيجية (التأثير بالتركيز)، ومن خلالها عمل العقل الاستراتيجي الأميركي على عدم التركيز الكامل على منافسة الاتحاد السوفيتي في نقاط قوته (التسليح)، ولكن التركيز على دراسة نقاط ضعفه وقيوده كمدخل لانهياره (الاقتصاد – الهيكل النظامي للحزب الحاكم – الأقليات والعرقيات)، وبذلك بدأ العمل على تعزيز مرتكزات القوة الشاملة للولايات المتحدة بدلا من التركيز على القوة العسكرية المجردة، وعمل العقل الأميركي على تشتيت العقل السوفيتي من خلال خلق مسارات جديدة للسباق، حيث اعتمدت الولايات المتحدة التقنية باعتبارها قوة وميزة تنافسية تمتلكها الولايات المتحدة، وكان ذلك كفيلا بدفع الاتحاد السوفيتي إلى منافسة الولايات المتحدة في مجال التقنيات الحديثة، ولأن أميركا تمتلك قدرات وموارد أكبر في مجال التقنية كانت نتيجة المنافسة لصالح الولايات المتحدة، ولكن بعد أن تكبد الاتحاد السوفيتي على مدى عقدين تكاليف باهظة، وبعد الاستراتيجيات الأميركية المخادعة من خلال تصدير الأفكار لتشتيت مراكز قوة الخصم والتركيز على نقاط ضعفه بدأ الاتحاد السوفيتي في التداعي، وتلك الاستراتيجية التي استخدمتها الولايات لم تتطلب مئات الصفحات لعرضها رغم خطورة موضوعها، ولم تكن الاستراتيجية مدعمة برسوم بيانية أو معادلات رياضية معقدة، إنما فكرة أساسية يمكن تلخيصها في عبارات قصيرة، وحقيقة الأمر إن معظم الاستراتيجيات التنفيذية التي تطيل في عرض محتواها إنما تخفي عجزا في المعلومات وحيرة حقيقية للتعبير عن الخيارات الاستراتيجية الأنسب، فقد كانت هذه الوثيقة بمثابة ميلاد العقل الاستراتيجي الأميركي (37 صفحة) فقط، فقد عرضت التحديات ثم رجحت الخيار الاستراتيجي متناولة مآلات هذا الخيار. “فمهما كان حجم الموضوع وخطورته لا يمكن للوصف الاستراتيجي أن يطبق بفاعلية ما لم يكن مختصرا وواضحا”([10])، وذلك في إطار تقدير الموقف وأوراق السياسات، أما الدراسات التمهيدية الشاملة التي تسبق مثل إعداد تلك الوثيقة المختصرة فهي قائمة على فرضية بحاجة لكم هائل من الاستنتاجات والربط للوصول إلى فرضية الخيار الاستراتيجي القائم على تقدير شامل، ليظهر أول نموذج شامل لمفهوم التخطيط لتجسيد عقل الولايات المتحدة كوريث للعقل الاستعماري البريطاني، يتمثل في التحول في الدمج بين منظور الاستهداف المباشر والاقتراب المباشر للعقل الاستعماري لإنتاج “فلسفة الدفع” والاستهداف غير المباشر لتحديد مصادر القوة للدولة وسبل صياغة الأهداف الشاملة لها والأهداف الفرعية للوحدات المكونة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأهداف الشاملة تعد الجسر ما بين الاستراتيجية الشاملة (Comprehensive Strategy) والمشروع القومي، وأهداف الوحدات المكونة لها متمثلة في (الوزارات)، ثم تطور التخطيط وانحرف عن حدود النظرية في مطلع الألفية، وأصبح يتجسد في “عقل الولايات المتحدة” أو بالتوصيف الشائع “الإدارة الأميركية”، وأصبحت نظرياته ومذاهبه تخضع لقناعات هذا العقل لا العكس، وخرج توصيف العقل الأميركي بمبدأين لتدعيم تفرد قطبية العالم الأول تصدير (الديمقراطية المطلقة – صناعة عدو دائم)، ليبدأ عهد جديد من تهجين الأفكار بعد تصديرها (العولمة).

الجيل السادس: عقل الألفية.. تهجين الأفكار (The mind of the millennium.. The jintiration of ideas)

خرج العقل الاستراتيجي البارد من دائرة ثنائية قطبية العالم برؤية مطورة لينتقل من مرحلة التنظير إلى مرحلة تفرد الولايات المتحدة بقطبية العالم، لتقع تطبيقات هذا العقل حيز التطبيق المعلن في سياسات الولايات المتحدة بعد تجربتها جزئيا أو إثبات فاعليتها لتشكل ما يمكننا أن نطلق عليه “عقل الألفية”، الذي ركز على المستقبل كأولوية لمنظومة البحث العلمي داخل الولايات المتحدة، وبمنظور أكثر تخصيصا تم التركيز على مدخل التخطيط الاستراتيجي ليتحول من الجهود والخبرات المؤسسية إلى مناهج تُدرس بكليات إدارة الأعمال بالولايات المتحدة ضمن مقرراتها تحت اسم “السياسات الإدارية”، ثم تحول هذا المقرر الفرعي لقسم داخل الكليات يحمل اسم “التخطيط الاستراتيجي”، وسريعا ما عبر مفهوم التخطيط الاستراتيجي المركب حدود الولايات المتحدة الأميركية إلى أوربا وآسيا ليجعل من مستقبل الأولى اتحادا اقتصاديا، ومن الثانية نمورا اقتصادية، ولكن وفق منظومة تخطيط تضمن بقاء الدولار عملة للتعاملات المالية البينية بين تلك الدول، بل وتضمن ذوبان الهوية الوطنية وخصوصية الدول من خلال تهجين أفكار المجتمع المحلي بمبدأ ثالث للعقل الأميركي متمثل في العولمة باستخدام التكنولوجيا (التقنية التي اختبُرت في استنزاف الاتحاد السوفيتي)؛ ليصنع عقل الولايات المتحدة مجتمعا عالميا افتراضيا (الإنترنت) بالشراكة مع كل العالم كمستهلكين ومطورين للتكنولوجيا، لتكون العولمة الرقمية بمثابة برامج للعمليات النفسية لجمع البيانات وتحليلها واستهداف الأفراد والدول فكريا ضمن إطار أوسع يعمل على ذوبان خصوصية الدول، ويجعل المجتمعات تحت تأثير لحظي للبيانات والأخبار المنشورة في العالم الافتراضي، ويمكننا الادّعاء بأن عقل الألفية أشبه بالتكوين السيبراني من الناحية التقنية والفنية والثقافية والجغرافية والتاريخية، ليجسد عقلا موازيا للعالم يتم من خلاله تهجين الأفكار لتجريد المجتمعات من خصوصيتها ووضعها ضمن إطار تفاعلي يضمن اختبار وسيطرة الفكرة الرئيسية لعقل الألفية المتمثلة في صناعة حالة من توحد الهوية، أو بتوصيف أدق صناعة “مجتمعات بلا هوية”، تخضع تحت تأثير العالم الافتراضي وتتفاعل معه وتوفر البيانات الكاملة عن مجتمعها (BIG DATA)، ومن خلال تلك البيانات الضخمة المنتشرة في مساحة من الحريات الافتراضية يمكن التأثير فيها من خلال الاستهداف المباشر للوعي الجمعي الافتراضي بعد أن تتغذى جيدا على مجموعة من البيانات التي في عقول الأفراد (what’s on your mind)؛ لينتج لنا بيانات مُرَكبة([11])، توظف في عمليات نفسية هجينة تحقق أهدافها في صمت.

وختاما؛ لم يتناول هذا التبويب توصيف أجيال صناعة العقل الاستراتيجي على سبيل سرد تاريخي بقدر ما هو محاولة لإثبات أن العقل الاستراتيجي ابن الأزمة والصراع، وأن معدلات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ليست سوى دوافع مستدامة لصناعة خلايا العقل الاستراتيجي وليست مجرد أهدافا مرحلية. ويمكننا أن ندعي أن أغلب التجارب والأجيال السابقة لم تدرك أنها تصنع عقلها الاستراتيجي بقدر ما كنت تفكر وتعمل على تحقيق أمنها ومصالحها، فقد كان الهدف من هذا التبويب هو دراسة الفكرة المركزية لإدارة الدول وفق مصفوفة أهدافها بصرف النظر عن مدى قبول فكر الدولة من عدمه، للوقوف على نقاط القوة لكل جيل وفق ظروف عصره (تراكم التجارب)، لتنتهي تلك الأجيال بإنتاج نظم سياسية أقرب لتوصيف العقل الاستراتيجي المستهدف من الطرح.

ثانيا: العقل الاستراتيجي.. أولوية الضرورة

ينبغي أن ندرك أن تغيير أولويات العقل الاستراتيجي ليس بالضرورة رهن رغبتنا بقدر ما أصبح خاضعا لضرورة وجود منظومة إنذار مبكر لمواجهة التهديدات الخارجية والتحديات الداخلية، ويمكننا توصيف تلك الضرورة في اعتبارين:

الاعتبار الأول: منظومة استهداف الدول بناء على استعراض أجيال العقل الاستراتيجي انتقلت من الاستهداف المباشر (عسكري – سياسي) للاستهداف الذاتي من خلال اختراق المجتمع، وهو ما يتوازى مع الجيل الرابع من الحروب، وهو ما يتطلب يقظة استراتيجية عالية لمؤسسات الدولة من خلال دوائر وخلايا للفكر الاستراتيجي تتكامل من حيث الأهداف وتتباين من حيث الوسائل.

الاعتبار الثاني: التباين والانفصال المغلوط بين استراتيجيات التنمية والدفاع بأدائهم المرحلي كرد فعل لم تعد فاعلة بشكلها المجرد في مواجهة الأزمات، بل ويمكن استنزافها واستهلاكها؛ لذلك أصبح لزاما على الدول أن تختار كونها تعمل بمنطق رد الفعل واستيعاب توابعه وبين كونها من تصنع أو تشارك في صياغة الفروض نفسها بصياغة استراتيجية مركزية تعمل على تحقيق أهدافها وفق مدارات بوصلة العقل الاستراتيجي.

بل ويمكننا أن ندعي بأن عند المستوى الحرج من أزمات المستقبل ستدفع الدول نفسها نحو ضرورة صياغة عقلها الاستراتيجي، ليبدأ عصر جديد من الإدارة السياسية المفروضة بقوة الأزمات، بعد أن يجد العالم نفسه أمام سلسلة من الأزمات تبدأ بالأزمات البيولوجية وصراع سباق التكنولوجيا، وتنتهي بنظرية جديدة لإدارة للعالم، وسواء كنا داعمين لتلك الضرورة من عدمه، فكل ما ينبغي علينا إدراكه أن صناعة عقل الدول ليس من دواعي الرفاهية الاستراتيجية، فإدارة الدول كمفهوم إجرائي تقليدي لم يعد سوى مجرد إرث علمي بالنسبة للمستقبل الذي لا يتفهم سوى القدرة الشاملة كقاعدة أساس لاستراتيجية الدول، وبهذا لن يكون العقل الاستراتيجي للدول مجرد هدف يُحقق داخل دوائر صناعة القرار بالدولة، بل سيصبح بمثابة معايير تنافسية المستقبل ليس على المستوي الاقتصادي والعسكري فحسب، ولكن حتى في بناء المجتمعات ورؤية واستراتيجية الدول ككل، وعلى ذلك فإن محاولة توصيف وصياغة مصطلح (العقل الاستراتيجي) في هذا الطرح لا ينحاز لأيديولوجية سياسية كمعيار، بل للهوية الوطنية كقاعدة أساس لتشكيل نموذج الهيكلية المقترحة.

مفاد الأمر أن العقل الاستراتيجي للدول هو ابن التاريخ.. هو التجسيد العاقل للكتلة الحيوية للدولة.. هو قاعدة متباينات الأمن والتنمية.. الضرورة والمصير… التغيير والاستقرار.. هو بكل امتياز نموذج محاكاة المستقبل.. أو إن صح التوصيف حاضنة إدارة المستقبل”.

المحور الثاني: هرمية العقل الاستراتيجي.. محددات المنهج والتحديات

سيتناول هذا الطرح مقاربة بين ما هو واقع وما هو مفترض كمحدد ينبغي ألا يظل حبيس النظرية والتنظير، بل يجب أن يخضع لمزيد من البحث والدراسة لإنتاج نماذج عربية تقف على هيكلية بناء العقل الاستراتيجي كمقدمة لإنتاج قياس مرن لقدرات الدولة الشاملة وفق بوصلة توازن بين مدخلات العقل الاستراتيجي ومخرجاته، وهو ما سنعمل على تناوله في سياق تسلسل الدراسة.

أولا: منهجية العقل الاستراتيجي للدول.. المحددات والأبعاد

سنعمل على استعراض النموذج المقترح في سياق الطرح (هرمية العقل الاستراتيجي للدول) للوقوف على دراسة أولية لتوصيف هيكلية بناء الدولة وأبعادها كنموذج استرشادي بحاجة لمزيد من البحث لتشريح دقيق لمدخلات خلايا عقل الدولة ومخرجاتها، فتوصيف العقل الاستراتيجي الذي نستهدفه في النموذج المقترح يتماثل في توصيف الدولة بكونها كائنا استراتيجيا يتشكل وفق نموذج هرمي رباعي الأبعاد ثلاثي المستويات، لنجد أن أبعاد هذا الهرم ترتكز في القاعدة على الجغرافيا والمجتمع، وتدرج مع كل مستوى للقمة حيث السيادة السياسية، مع وجود بعد وسيط بين الأبعاد الثلاثة، وهذا ويمكننا توصيف مستويات النموذج وأبعاده كالتالي:

شكل رقم (1) هرم العقل الاستراتيجي للدول

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 1-1.jpg

  1. أبعاد هيكلية النموذج

البعد الأول: الجغرافيا (جسد الدولة)

البعد الثاني: المجتمع (الروح الساكنة بالجسد)

البعد الثالث: الأزمات (التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية)، وهو بعد وسيط متعدد التأثير بين الأبعاد الثلاثة السابقة.

البعد الرابع: السيادة السياسية، المتمثل رأس الدولة المعني بحماية الجغرافيا وإدارة المجتمع ومواجهات الأزمات.

  1. مستويات هيكلية النموذج

يمكننا تقسيم كل مستوى إلى ضلعين وفق النموذج، كل ضلع بمثابة امتداد لأركان كل مستوى ويفصلهم بعد الأزمات، وذلك كالتالي:

  • مستوى القاعدة

مستوى القاعدة: يقع بين بعدي الجغرافيا والمجتمع مع توسط بعد الأزمة ليمثل بذلك قاعدة الأساس للنموذج المتمثل في تاريخ (الصراع – الريادة) كضلع أول، ثم يتوسط المستوى بعد الأزمة ومنه للضلع الثاني حيث الموروث الاجتماعي (السلبي – الإيجابي) المرتبط بتأثير المجتمع، وفي هذا المستوى تتشكل العدائيات التاريخية للعقل الاستراتيجي من تاريخ الصراع، بالإضافة إلى تاريخ الريادة كمصدر الإلهام والدافع والاستدامة، ويرتبط كلاهما بمدى تشبع الموروث الحضاري للمجتمع بهذا التاريخ بشقيه (العدائيات – الريادة) ليكون قاعدة الأساس لتشكيل ميول الهوية الوطنية في المستوى الوسيط.

  • المستوى الوسيط

عند هذا المستوى نجد أنه تطور هيكلي، حيث نجد المستوى الأول التاريخ (الصراع – الريادة) قد أنتج هوية وطنية في بعدها الجغرافي، تنعكس بالضرورة على ضلع البعد الاجتماعي ليتمثل في منظومه القيم (الوطنية – القومية – العقيدة)، وهنا تقع جدلية التضاد والمفاضلة بين مدخلات الهوية لصبغ الدولة بالكامل بأحد الأولويات كهوية، ورغم تعدد نماذج الدول التي تمكنت من احتكار الهوية في مدخل واحد لها سواء كان ذلك بسبب فقر أو تضاد تاريخها وموروثها الحضاري، ومن ثمَّ وجدت تلك الدول نفسها تفتش في التاريخ عن أي غطاء فكري لا يرتقي لتوصيف هوية وطنية لتحقيق سيادة هوية مزيفة بما يخدم عقل الدولة الأحادي المنظور لمنظومة القيم كمدخلات، فالاعتقاد المعتمد على احتكار الهوية في أحد ثوابتها وإنكار بقية ثوابت منظومة القيم أو اعتبارها مكملات، غالبا ما يكون اعتقادا مصحوبا بتبعية فكرية للعقل الاستراتيجي أو بقناعات مستوردة، أو ولاء لموروث فاقد التوصيف التاريخي الصادق لمكونات الهوية القويمة المتعددة القيم.

  • المستوى الأعلى

حيث تكون سلطة الدولة المرتبطة بتوصيف طرح العقل الاستراتيجي والمرتبط بالضرورة بالغاية الاستراتيجية للدولة وأهدافها وقدرتها على استشراف ومواجهة الأزمات على مختلف المستويات، فعقل الدولة المتمثل في الإدارة السياسية القائمة على حماية السيادة على البعد الأول والثاني للقاعدة (الجغرافيا – المجتمع )، والعمل على مواجهة التحديات والتهديدات وفق منظومة إنذار مبكر للأزمات بإسقاط يتوسط المستويات الثلاثة والبعد الأول والثاني، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن النموذج السابق بكل أبعاده ومستوياته يخضع في التناول لتدرج هرمي من القاعدة للقمة للوقوف على التكوين التراكمي للمستويات كنتيجة لتفاعل الأبعاد وارتباطها.

ثانيا: تحديات الألفية.. الاستهداف والاستنزاف

شكل رقم (2) تحديات الألفية لصناعة العقل الاستراتيجي

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 2-1.jpg

تبدأ عمليات الاستهداف الاستراتيجي ((Strategic Targeting Process | PMESII-TP Model لتفكيك الهوية الفكرية وتغزيه النعرات المحلية وفق معايير تضاد وانفصال (كوحدة جغرافية) ودويلات تتصارع وفق تباينات التكوين الديمغرافي (الأقليات – العرقيات – الجماعات)، لتصنع تضادا بين النسيج المجتمعي الواحد الذي يعمل وفق منظومة القيم، هذا وتتم عمليات الاستهداف المباشر وفق حزمة من الاستهداف (المباشر – غير المباشر) على المستوى الفكري ثم السياسي والاقتصادي للدول، وسنكتفي في سياق هذا التناول باستعراض أكثر الاستراتيجيات فاعلية على مستوى التحديات الداخلية المتمثل الاختراق الافتراضي للعقل الاستراتيجي للدول من خلال صناعة مجتمع الجيل الخامس ((5G واستهدافه من خلال توظيف الموروث السلبي للمجتمع من خلال الهندسة الاجتماعية ((Social engineering وتقنيات العلوم العصبية Neuroscience)).

ثم ننتقل للتهديدات الخارجية للدولة المتمثلة في الاغتيال الاقتصادي ثم تزامن الصراع، لتشكل تلك التحديات والتهديدات عوامل تشتيت قدرات العقل الاستراتيجي للدول واستنزافه، ونستعرض ذلك كالتالي:

  1. مجتمع (5G) .. جيل ألفا سيكولوجي

مصطلح جيل ألفا (Generation Alpha) يطلق على جيل الألفية الذي وضعه الباحث الاجتماعي الأسترالي (Mark Mccrindle)، الذي يهدف من خلاله توصيف الجيل الذي سيشكل مجتمع المستقبل الذي يمكننا أن نطلق علية مجتمع الجيل الخامس (5G)، فهذا الجيل سينشأ في زمن الوفرة التكنولوجية والرقمية مما سيؤثر في طبيعة تكوين المجتمعات ومدى ارتباطها بخصوصية هويتها الوطنية في عصر ما بعد العولمة، إذا أردنا توصيفه سيكون “جيل ألفا” أول جيل رقمي بنسبة 100%، لذلك ستجد الدول نفسها أمام (مجتمع 5G) نصف افتراضي، بمعنى أنه يتفاعل مع الأحداث بشكل رقمي لا ذهني، وهو ما يحدث الآن نسبيا في مجتمعنا المعاصر؛ لذلك سيصعب السيطرة على التكنولوجيا كمصدر لأفكار ومرجعيات هذا الجيل، وستجد الدول نفسها أمام ضرورة فرض التعليم النظامي مرة أخرى بدلا من التعليم الافتراضي الذي يسعى العالم اليوم لتفعيله لإدماجهم في الأنشطة الاجتماعية، وتعزيز وعيهم حول ما يمكن توصيفه “الاستعمار الرقمي للمجتمعات” (Digital colonization of societies)، بل وربما تجد الدول نفسها أمام ضرورة وضع قيود محددة في التعامل مع التكنولوجيا، ولكن سيكون ذلك بلا جدوى لكون التكنولوجيا ستكون وصلت لمرحلة من انعدام السيطرة الكاملة للحكومات عليها، بما يخدم مصلحة صانع التكنولوجيا للانتقال من مرحلة الاستعمار الرقمي للدول إلى الاستعمار الفكري للمجتمعات من خلال توظيف استراتيجية تشتيت الهوية وتعدد الخيارات (Overchoice) التي تستهدف تشتيت العقل الجمعي للمجتمع تحت تأثير الموروث السلبي للدفع به للتحرك بالتبعية نحو سلسلة من الأفكار التي ترسخ لعادات اجتماعية وممارسات سياسية مختلفة بشكل كامل عن الوضع الحالي للمجتمعات والدول، وذلك من خلال منظومة من الشبكات الاجتماعية تتمتع بوعي افتراضي عشوائي بهويتها، ثم منح المساحة والفضاء الرقمي لاستيعاب كم المعلومات المغلوطة للتوجيه والتحكم في النظام الاجتماعي عن بعد، لنشر الأفكار المستوردة التي تبدو غير متعارضة مع السلوكيات الموروثة التي تبقى في عقل الشارع وسلوكه ليجد نفسه يفضل البقاء في ظل الموروث تحت تأثير العاطفة لا العقل، ويمكننا التوقف عند تلك الفكرة، وهو ما يتم تجريبا الآن، هذا التحدي سيدفع الدول لتدعيم بنية الشبكة الاجتماعية للمجتمع باستمرار، وذلك بإصلاح النظم الاجتماعية القديمة مع بناء نظم اجتماعية جديدة على أسس تتناسب معها وتتمتع بمميزات وخصائص أخرى تجعل من السهل على سكانها إدارتها وتسيير شؤونهم وحياتهم الاقتصادية بالاستناد إلى المعطيات والآليات الاجتماعية الجديدة، مع انتقال العقل الاستراتيجي للدول من مرحلة القدرات الذهنية للكوادر البشرية للدولة إلى مرحلة إنتاج منظومات رقمية للتحكم والسيطرة الاجتماعية معتمدة في ذلك على تقنيات الذكاء الاصطناعي للحفاظ على هويتها الاجتماعية([12])، ولكن أغلب الظن سيكون ذلك بجدوى مرحلية لا مستدامة لصعوبة مواكبة تطورات الرقمية التي تصنعها الشركات وتفرضها على المجتمعات وتعجز الدول عن استيعاب تبعتها، ولعل أبرز ما ينبغي أن نقف عليه في هذا التحدي أن الحرب القادمة حول العالم تعتمد على العلم والأفكار أكثر من كونها تعتمد على القادة والجنود، فسيادة تقنيات للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الشبحية ستكون أحداث فاعلة في الحرب الميدانية بالتوازي إلى دورها في الحرب السيبرانية التي ستندلع كامتداد لها.

  1. الاستهداف -الاغتيال الاقتصادي (Economic assassination)

على رقعة الجغرافيا الاقتصادية ((Geo economics تتشكل أركان عملية الاغتيال الاقتصادي للدول من قبل متخصصي الاستخبارات التنافسية (Competitive intelligence)، فقد انتقل مفهوم الاستخبارات التنافسية من حيز الشركات كأداة فاعلة في الحرب الاقتصادية التي لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية بل تفوقها ربما خطورة بكثير؛ لأنها تتخذ الدولة المستهدفة ساحة للصراع الاقتصادي، بل وربما توظف حالة عدم الوعي الجمعي بضرورة تحمل مسارات وقرارات الإصلاح الاقتصادي كضرورة لاستقلال القرار السياسي، ويمكننا توصيف الاستهداف عبر الاغتيال الاقتصادي بكونه العلم الذي يوظف الأدوات الاقتصادية (كل شيء من التجارة والاستثمار إلى السياسات النقدية والمساعدات الاقتصادية والعسكرية)، بدلا من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والديموغرافية لأغراض جيوسياسية وليس لأغراض اقتصادية مجردة من خلال تهديد شبكة المصالح الاقتصادية للدول المستهدف اغتيالها واستنزافها، كما يعمل أيضا على دراسة الموقع والتوزيع والتنظيم المكاني للأنشطة الاقتصادية من ناحية الجوانب المكانية والزمانية والسياسية للاقتصادات الموارد مع الاستخدام الفاعل لاستثمارات الشركات عابرة القارات وصناديق الثروة السيادية (SWF)، كأداة للتدخل في السياسة الخارجية ولشراء البنى التحتية الحيوية في البلدان الأجنبية، وهذا تحت رعاية الدولة فالجغرافيا الاقتصادية يتشابك معها العديد من التخصصات الرئيسية، مثل: العلوم الجغرافية والعلوم الاقتصادية والعلوم السياسية، فالعلوم الجغرافية ((Geography Science هو العلم الذي يكون قادرا على جمع البيانات لتقديم صورة موجزة من المعلومات إلى صناع القرار؛ ولذلك يوجد اعتماد كبير من تحريف معلومات الجغرافيا على تقنيات الأقمار الاصطناعية ((Satellite للتأثير ورصد الحركة التجارية للدول على مستوى العالم بالتبعية القدرة على التأثير فيها بالضغط أو التوجيه، وهنا نجد أن مفهوم الاغتيال الاقتصادي يبدأ من عين المراقب وقياس المؤشرات([13]) والتحليل ثم التنبؤ بالقدرات الاقتصادية المسموح امتلاكها لكل دولة في الإقليم، بما لا يهدد شبكة مصالح الدول والشركات المتحكمة في اقتصادات العالم، خاصة اقتصاد الطاقة المرتبط بترسيم الحدود البحرية بعد أن انتقل عصر استخراج الطاقة من الأرض للبحار وربما قريبا المحيطات، وهنا يكون دور علوم البيانات (Data Science) لتحويل البيانات المبهمة إلى معلومات بعد عمليات التنقيب في أطنان من البيانات المصورة (الصور الجغرافية)، مع عمليات من المراجعات والمقارنات والمقاربات بالبيانات والمؤشرات الاقتصادية (الحالي – المستهدف) لكل الدول المستهدف اغتيالها ومن ثمَّ استنباط علاقات بينية توضح نقاط القوة والضعف في الاقتصاد المستهدف، وتقديم هذه الوجبة من المعلومات إلى قراصنة الاغتيال الاقتصادي “EHM” (دول – شركات – تنظيمات) لاستهداف صناع القرار بالدولة المستهدفة بسلسلة من سياسات الاستنزاف الاقتصادي بكل الوسائل بما فيها فرض العقوبات والوصاية الاقتصادية، بل وإن لزم الأمر تزامن الصراع على الدولة وفق إحداثيات تهدد مصالحها الاقتصادية.

  1. تزامن الصراع (Conflict synchronicity)

يعد تزامن الصراع أكثر التهديدات الخارجية مكاشفة من حيث معدلات التأثير، رغم كون ارتباطها بل تكاد تكون نتيجة لاستهداف (الاغتيال الاقتصادي)، وذلك من خلال نسج شبكة من المصالح المتعارضة بين مجموعة من القوى الإقليمية أو الدولية تستهدف استنزاف دولة محددة هدفا من الصراع، ولعل جمهورية مصر العربية تكاد تكون هي أكثر الدول عالميا واقعة ضمن تلك الشبكة، وذلك من خلال تهديد (بقاء) متمثل في نهر النيل وتهديد (نمو) متمثل في اختراق مجالها الحيوي لنشر نفوذ تركي يستهدف قطع الطريق على مصر بألا تكون مركزا إقليميا للغاز، وهو ما تعارض بطبيعة الحال مع المشروع الروسي الذي كان يستهدف النقل من خلال قطر إلى سوريا ومنها لتركيا ثم إلى أوربا، على كل الأحوال لسنا هنا في سياق استعراض حالة لمفهوم تزامن الصراع كانحياز وطني للباحث بقدر ما هي تطابق للحالة المصرية بمفهوم تزامن الصراع، وهذا المصطلح نجده بنسخة أخرى أقل مكاشفة ووضوحا في الخليج العربي، حيث تزامن الصراع في اليمن مع التهديد الإيراني والاستحواذ من الميليشيات التابعة لإيران في العراق، إضافة للدور المزدوج لقطر على جبهتي تزامن الصراع (الخليج العربي – مصر).

وهنا يتضح لنا أن هناك شبكة من الصراع تُنسج الآن لتغليف وإعداد المنطقة لتحويلها لساحة صراع يُعاد ترسيم جغرافيتها وفق شبكة المصالح لكل دولة، سواء كانت مذهبية متمثلة في إيران أو اقتصادية تحت غطاء ديني متمثل في تركيا، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن توظيف حالة تزامن الصراع والعمل على دراستها واستنفار العقل العربي لتوحيد وتكامل قدراته لمواجهة تزامن الصراع، أصبح ضرورة حاضر قبل أن تكون مصير مستقبل.

المحور الثالث: نموذج بوصلة العقل الاستراتيجي.. الاتجاهات والمدارات

ظل التنظير للعقل الدولة في العلوم الاستراتيجية حبيس كل تخصص دون قدرة على توصيف هيكلية واضحة، ليقتصر الأمر على صياغة معادلات شبه رياضية لقدرات الدولة الشاملة دون وضع تصور لهيكلية بناء تلك القدرات وأولوياتها وتسلسل مكونتها كمتتالية تحقق القدرة المستهدفة، وهو الأمر الذي دفعنا لمحاولة وضع توصيف أولي لدورة تفكير العقل الاستراتيجي كنموذج يوضح مسارات التكامل بين اتجاهات ومدارات النموذج كمحاولة لتحديد آلية عمل العقل الاستراتيجي، وعلى هذا ينقسم نموذج بوصلة العقل الاستراتيجي المقترح إلى 4 مدارات لخلايا ودوائر تفكير تقع بين الاتجاهات، محققا بذلك مبدأ شمولية الفكر الاستراتيجي لعقل الدولة، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن نموذج البوصلة الاستراتيجية المقترح في سياق الدراسة صِيغَ بشكل أولي كمحاولة لصياغة نموذج عربي لتوصيف مصطلح العقل الاستراتيجي المستحدث في الطرح كخطوة تمهيدية بحاجة لمزيد من الدراسة للوصول إلى مؤشر لقدرات الدولة الشاملة وفق الاتجاهات الاستراتيجية وخلايا عمل عقل الدولة التي تضمن شمولية النموذج ومرونته الذي سنعمل على استعراضه، كالتالي:

شكل رقم (3) بوصلة العقل الاستراتيجي للدول

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 3.jpg

المدار الأول: مدار سيادة الهوية.. إدارة المجتمع

الحضارة هي سيادة تاريخية ((Civilization is a historic sovereignty، فعلى الخط الوسيط ما بين سيادة الجغرافيا وخصوصية المجتمع تتشكل الهوية الوطنية للدولة لتصبح موروثا ثم تاريخا ثم حضارة، هذا إن كانت تستحقها، لتقف المجتمعات أو تنهار أمام التحديات الاقتصادية أو الأزمات السياسية، لذلك التأثير العكسي بين مفهوم الهوية الوطنية كمنظومة قيم اجتماعية ومنهجية سيادة الدولة كمنظومة قدرة ينبغي أن يعاد النظر إليها من خلال منظور الدمج لا المفاضلة أو الاستحواذ، لينتج ما يمكننا تسميته بسيادة الهوية كمنهج لمدخلات العقل الاستراتيجي للدولة، تلك المدخلات التي وإن بدت معقدة من حيث قابلية قياس النتائج أو إن صح التوصيف عشوائية التراكم، إلا أنها في النهاية تظل واضحة المحددات التاريخية متوفرة المقومات من حيث منظومة القيم الموروثة لا تنتظر سوى إعادة صياغة وبحث إكمالا وإيضاحا، لما نعنيه هنا توجب أن نفرق بين الأيديولوجيات كمصدر إلهام للعقل، وبين الاستراتيجيات كمنفذ لها، وليس شرط صحة الأولى نجاح الثانية، فمن الممكن بل هو كائن فعلا أن تمتلك دولة أيديولوجية منحرفة تحقق بها نجاحا استراتيجيا، وبالقياس العكسي يكون المنطق نفسه صحيحا، فربما تمتلك أيدولوجيا عظيمة واستراتيجية فاشلة، والفجوة بين التنظير للأيديولوجيا وسيادة الهوية كدافع للعقل الاستراتيجي أن الأولى تحتكم للآراء والمتغيرات والثانية تحتكم لمنظومة قيم ثابتة فكريا مرنة استراتيجيا.

مركز المدار : إدارة المجتمع.. منظومة القيم

إدارة المجتمع (society management) الوسيلة التاريخية من حيث التوصيف وإن كان مستحدثا من حيث المصطلح، فلا يمكن توصيف إدارة المجتمع بكونه علما مستقلا بقدر ما هو هجين بين علوم قائمة فعليا تتكامل لإيجاد دراسة أنماط وسلوكيات المجتمعات وإدارته وفق رؤية تحلل هويته وأهدافه؛ للوقوف على نقاط القوة والضعف في نسيجه الاجتماعي، هذا ويمكننا صياغة معادلة لتوصيف مفهوم إدارة المجتمع كالتالي:

إدارة المجتمع (منظومة القيم) = صياغة كود الهوية الوطنية + تفعيل كوادر الموارد البشرية

تمثل تلك المعادلة معامل الأمان لنظام الدولة القائم على عملية إدارة المجتمع، وتمثل حال وجود خلل أو انحراف لعناصر تلك المعادلة تهديدا لنظام الدولة تحت الضغوط الاقتصادية أو تشتيت الهوية وعدم ارتباطها بالغاية القومية للدولة.

ووفقا لنموذج بوصلة العقل الاستراتيجي يقع المدار الأول لمركز إدارة المجتمع بين اتجاهي المجتمع والسيادة، وفيها يتحرك مؤشر بوصلة العقل الاستراتيجي ليحدد كود منهج الهوية الوطنية وكوادر الموارد البشرية اللازمة لتفعيل منهج الكود كتوجه، وذلك وافق تكامل خلايا العقل الاستراتيجي بالمدار كالتالي:

الخلية الأولى: كود الهوية الوطنية

هنا يتوجب الإشارة إلى أن التوصيف المذكور (كود الهوية الوطنية ) مستحدث في سياق الطرح، فغالبية الدول تسعى إلى امتلاك هوية وطنية أو تبحث عنها، والتوصيف المفترض وفقا لهذا المعيار هو ضرورة وجود كود علمي يتم التنظير من خلاله للهوية الوطنية من خلال دراسة كل أبعاد منظومة قيم المجتمع وديمغرافيا السكان لضمان استقلال سيادة الهوية كدافع لتحفيز المجتمع للحفاظ على السيادة الجغرافية، وذلك من خلال الحفاظ على السيولة الفكرية التي تضمن التوازن بين الأصالة والمعاصرة والعمل على التخلص من الموروث السلبي وهندسة الطبائع الاجتماعية، وعلى ذلك ينبغي أن ندعي أن التوجه لتحقيق السيادة السياسية بدون منهج يحقق سيادة الهوية لم يعد نمطا فاعلا لتحقيق القدرة الشاملة للدولة، وهذا لا يعيب مصدر التوجه أو فكرته بقدر ما يعيب تجاربه، فلا يمكننا أن ندعي أن هناك توجه الدولة دون وجود منهج فكري لهذا التوجه ليصل لمرحلة قناعة شعبها، وبالقياس على بقية اتجاهات بوصلة العقل الاستراتيجي لا يمكننا أن ندعي الزعم نفسه؛ لذلك يعد كود الهوية الوطنية بمثابة المرجعية الفكرية وقاعدة الأساس للبناء الفكري للمجتمع والبناء الذاتي والمستدام للعقل الاستراتيجي للدولة، كما يمكننا توصيف منظومة القيم بالمؤشر الحرج للبوصلة، فإذا كانت منظومة القيم منحرفة قائمة على منهجية الانفصال والأصولية في نظرتها للآخر، فإن تلك الدولة مهما بدت منضبطة ومتوازنة على مستوى السياسة الخارجية، فإنها فور اكتمال جاهزيتها على المستوى الداخلي للدولة فسوف تتحرك في مجال محيطها لنشر مشروعها الفكري، لكن يمكننا تقسيم منظومة القيم إلى قيم رسمية (معلنة) ومنظومة قيم ظل (سرية – غير معلنة)، وكلاهما يشكلان مصدر إلهام وتأثير في منظور العقل الاستراتيجي تجاه محيطه الإقليمي.

وإجمالا لما سبق يمكننا توصيف ثقل مفهوم منظومة القيم وأهميتها وارتباطها بقيمة الدولة وقدرتها، كالتالي:

منظومة قيم الدولة (التاريخية – الاجتماعية)= قيمة وقدرة التأثير (السياسية – الاقتصادية- الإعلامية… إلخ).

الخلية الثانية: كوادر الموارد البشرية

ويجسد المعيار التنفيذي لقدرة الدولة على صناعة كوادر الموارد البشرية تحقق تفعيل كود الهوية الوطنية وتحوله إلى خطط تنفيذية على المستويات (الاستراتيجية – التكتيكية – التشغيلية)، وهو ما يجعل من الضرورة تعبئة الموارد البشرية بالدولة من خلال منظومة التعليم والقطاع البحثي والثقافي والإعلامي لنشر منظومة القيم الوطنية، وتلك التعبئة المستهدفة يجب أن تكون خلف كود للهوية الوطنية كمشروع فكري يجسد ميلاد عقل استراتيجي يؤثر ولا يتأثر، يتوازن ولا يراهن، ولدراسة مدى جدوى التنظير للهوية الوطنية وتأثيرها في قدرة وقرارات الدول تحتاج لإعادة تطبيق وتنظير للمدارس السلوكية ونظريات إدارة الموارد البشرية المنصبة حول دراسة صناعة الوعي والتعبئة الفكرية للمجتمعات؛ لتتوحد مع الغاية الاستراتيجية وتصبح بمثابة محركات عقل الدولة منتقلة بذلك من مرحلة التنظير الفكري، ليتحول المنهج الفكري إلى قناعة الموارد البشرية ثم إلى حيز التخطيط والتنفيذ بممارسات ثقة تعزز سيادة الهوية الوطنية.

المدار الثاني: مدار السيادة السياسية

صناعة العقل الاستراتيجي كمفهوم إجرائي لم يعد حبيس العلوم الاستراتيجية بقدر ما أصبح ضرورة استراتيجية لبناء هيكلية الدول والمؤسسات، فلم تعد الإدارة والقيادة بمفهومها التقليدي سوى مجرد إرث علمي بالنسبة للمستقبل الذي لا يتفهم سوى الاستراتيجية كقاعدة أساس للبناء، وبهذا لم تعد القدرات الدفاعية ومعدلات التنمية للدول مجرد معايير تتم داخل دوائر للدول، بل أصبحت بمثابة معايير تنافسية، وربما أصبحت أزمات المستقبل ليس في المستوى السياسي أو العسكري فحسب ولكن حتى في تشكيل سيادة الهوية الوطنية وإدارة المجتمع (المدار الأول)، وذلك من خلال ممارسات الثقة كرابط وسيط بين السيادة السياسية وسيادة المجتمع.

مركز المدار : القيادة الاستراتيجية للدولة

لا تستطيع دولة ما تحقيق السيادة السياسية دون وجود استراتيجيات سياسية تضبط الأداء والإيقاع السياسي، وتحمي الدولة من خطر التدخل أو الاختراق؛ لذلك فإن مركز القيادة الاستراتيجية للدول يمكن تعريفه في سياق مجمل بكونه القيادة المتمركزة على إدارة قدرة الدولة المؤسسية وتحقيق عناصر التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، وذلك ضمن مصفوفة من الأهداف لصناعة القرار، تعتمد على عنصر الاستشراف المبكر للأزمات، داخليا وخارجيا، لتحقيق الجاهزية المستدامة على مستوى الدفاع والتنمية بما يضمن استدامة قدرة مؤسسات الدولة.

الخلية الأولى: التنمية

وهنا ترتكز التنمية المستهدفة على الاستدامة والفاعلية وحيز الانتشار، فالتنمية الاقتصادية المجردة ليست هي المقصودة من الطرح بل التنمية المستدامة المرتكزة على تحقيق الأمن الاقتصادي والمجتمعي والتكنولوجي في مجمل القطاعات، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن هذا المعيار سنعمل على تقسيمه في سياق مستقبلي يكون أكثر تفصيلا.

الخلية الثانية: الدفاع

ويمكننا توصيف هذا المعيار لكونه ضمانة استدامة الخلية الأولى (التنمية)، وهو يجسد قدرة الدولة على تحقيق الردع على المستويات كافة وتأمين إحداثيات مجالها الاستراتيجي.

الخلية المدمجة: الدفاع بالتنمية

وتجسد تلك الخلية ادماج الخلية الثانية (التنمية) كوسيلة بالخلية الأولى (الدفاع) كهدف لتشكل مفهوم التنمية الدفاعية أو الدفاع بالتنمية، هو مصطلح مستحدث نحاول من خلاله وضع تصور لإعادة تشكيل وإدارة للجغرافيا بمعدلات تنمية تتقاطع مع نقطة الضرورة للأمن، وكلاهما (الأمن والتنمية) يخضع للتوازي دون وقوع في جدل التضاد والتباين بينهما، لتكون أولويات الأمن هي الضرورة الحاكمة لمسار التنمية المستهدفة([14]).

المدار الثالث: المجال الاستراتيجي.. إدارة إحداثيات التأثير

من وحي التاريخ تتشكل ملامح العقل الاستراتيجي الدول لترسم بين إحداثيات الجغرافيا شبكه المصالح، فعلى خريطة تقاطع مراكز الطاقة وخطوط الملاحة يمكننا توقع إحداثيات الصراع حول العالم، وهو ما يجسد الاتجاهات الحيوية في مجال الجغرافيا الاقتصادية بداية من دائرة التماس المباشرة بكتلة الدولة حتى المجال البحري الذي أصبح يوصف استراتيجيا بالاقتصاد الأزرق (Blue economy)، ونهاية بتحالفات شبكة المصالح المعادية، وصولا إلى الفيدرالية العالمية للمصالح ((Global Federalism، الذي يمكن توصيفه بالتكامل الاقتصادي العميق ((Deep economic integration([15])، القائم بالأساس على الصراع بين الدول على الموارد الاقتصادية بهدف الاستحواذ عليها أو تحديد مسارات نقلها تجاريا ولوجستيا.

مركز المدار : إحداثيات شبكة المصالح ((Interest Network

شبكة المصالح أشبه بخيوط عنكبوت سياسية، فهي تربط بين مجالات الحركة والسيطرة اللازم إخضاعها لضمان قوة قرار الدولة في تحقيق أهدافها وفق مجال استراتيجي (محدد/متغير) حسب هيكلة أولويات قرار الدولة، وذلك من خلال منظومة إدارة جغرافيا الدول يتم تحديد وتوقع إحداثيات تأثيرها ومجالها الاستراتيجي لتنسج عليها شبكة مصالحها([16])؛ لذلك تصبح الدول عظمى لأنها تمتلك عقلا ينتج استراتيجية كبرى وقت الأزمة، وتسمى دولا بالاسم عندما تتعارض استراتيجيتها وعقلها عند منعطف الأزمة، ويعمل مركز هذا المدار على قاعدة من الاستشراف (مستقبل ) والمتزامن (حاضر) لرصد إحداثيات التأثير والتغيرات المحتمل توقيعها عليها، واعتمادا على ما سبق سنعمل على تقسيم إحداثيات شبكة المصالح، كالتالي:

شكل رقم(4) شبكة المصالح

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 4.jpg

الخلية الأولى: إحداثيات التأثير الإيجابي

يمكننا تقسيم إحداثيات التأثير الإيجابي لشبكة مصالح العقل الاستراتيجي للدول وفق التصنيف التالي:

1- المصالح الحيوية (Vital Interests)

وهي إحداثيات تتميز بالثبات النسبي والاستدامة الجغرافية، حيث تتجسد في (دائرة التماس الجغرافي للدولة -مراكز الطاقة والموارد الطبيعية – خطوط الملاحة – المضايق – مواجهة أطماع التوسع – الأقليات – الحقوق التاريخية)؛ وعلى ما سبق يتضح أن المصالح الحيوية بالنسبة للدول لا تخضع لمعيار الترقب بقدر المبادرة والردع لكون المساس بشبكة المصالح الحيوية هو بمثابة تهديد وجودي للدولة.

2 -المصالح المتكاملة (Complementary Interests)

وهي إحداثيات مصالح نسبية متغيرة غير متطابقة ولكنها تتكامل وتتقاطع تجاه عدد من قضايا لتحقق إحداثيات المصالح المشتركة، مشكلة بذلك أحد التحالفات النوعية لشبكة المصالح الإيجابية، مثل: حجم تبادل الاستثمارات – ترسيم الحدود – التاريخ المشترك – وحدة الهوية – وجود عدو مشترك…، وكمثال من التاريخ يمكننا استدعاء شبكة المصالح لدول الحلفاء والمحور، فهي رغم عدم تطابقها ولكن كانت تتكامل ضد شبكة مصالح الطرف الآخر.

3 – المصالح المتطابقة Identical Interests))

وهي الإحداثيات الأقل ثباتا واستدامة والأكثر فاعلية، وتقع حيث تتطابق شبكة المصالح ما بين عدد من الدول تستخدم الاستراتيجية نفسها تجاه قضية (عدو) محدد يهدد المصالح الحيوية لتلك الدول، وينتج عنها تحالفات استراتيجية تعمل حسب درجة تطابق المصالح، وتلك الإحداثيات تخضع للاستقطاب العكسي من تحالفات العدو لكسر حالة المصالح المتطابقة، العرب نموذجا في انتصار أكتوبر 1973م.

الخلية الثانية: إحداثيات التأثير السلبي

بمعكوس إحداثيات الخلية الأولى يكون تقسيم إحداثيات التأثير السلبي لشبكة مصالح العقل الاستراتيجي للدول، وذلك فق التصنيف التالي:

1 – إحداثيات تعارض المصالح ((Conflicting Interests

وهي الإحداثيات الحرجة، وهي متباينة جغرافيا موروثة العداء غالبا، وهي تجسد المصالح غير المتطابقة وغير المتكاملة، حيث يكون هناك تعارض كلي/جزئي في شبكة المصالح بين دولتين، غالبا يكون قائما على خلفية تاريخية، وهو ما يشكل مقدمات أزمات دورية تخضع لـ(التفاوض – الوساطة)، ثم تصعيد الأزمة من أحد الطرفين أو كليهما، ويكون ذلك (تحرك حذر- ضغط) على الإحداثيات ومنها إلى الصراع (استنزاف – التشتيت) للطرفين ثم الحرب (مواجهة مباشرة) كوسيلة أخيرة للفصل في حالة التعارض حال عدم التسوية وفق متتالية شبكة المصالح المتعارضة السابقة.

2 – إحداثيات تحالفات تعارض المصالح (Conflicting Interests)

وهي إحداثيات مكملة لشبكة تعارض المصالح، وتمثل التحالفات الاستراتيجية والتحالفات نوعية للعدو (شبكة مصالح العدو الإيجابية)، ولتحديد الإحداثيات ينبغي دراسة العدائيات المتوقعة حال تصاعد الأزمة من خلال إدراك أن إحداثيات تحالفات تعارض المصالح ترتبط بتزامن الصراع الذي تناولناه كأحد أكثر التحديات العقل الاستراتيجي؛ لذلك تعد تلك الإحداثيات بمثابة درجة ترجيح لشبكة مصالح العدو التي من الممكن انحيازها لحمايته وحماية مصالحها المشتركة معه بالتبعية.

الخلية المدمجة: إحداثيات التفاعلات الدولية (الانحياز -الحياد)

من مجمل تفاعلات إحداثيات الخليتين التأثير الإيجابي والتأثير السلبي لمجمل دول العالم تتقاطع شبكة مصالح الدول لتنتج عنها تفاعلات السياسة الدولية كخلية مدمجة تمثل تفاعلات النظام الدولي ((Interactions of the international system، وذلك من خلال الفاعلين الدوليين أو المؤسسات الدولية لتنسج شبكة موازية من التحالفات والتكتلات لحماية مصالحها، ينتج عنها حالة من تعارض أو ربما صدام مصالح بما يؤثر في الاقتصاد الدولي، ومن ثمَّ اقتصادات الدول خارج أو داخل تلك الشبكة([17]).

المدار الرابع: الريادة والاستدامة.. تجديد خلايا العقل الاستراتيجي

من مجمل اتجاهات مدارات النموذج المقترح لبوصلة العقل الاستراتيجي تتضح الاتجاهات ومراكز وخلايا التأثير التي تعد معيارا مقترحا للتصنيف، وهي أيضا بمعكوس الطرح تكون نقاط الاستهداف المحتملة التي تناولناها في سياق محور تحديات العقل الاستراتيجي، فمعكوس هذا النموذج هو عملية مثالية للاستهداف الاستراتيجي (Strategic Targeting Process)، سواء بالتطبيق على العدو أو من العدو.

مركز المدار : القدرة الاقتصادية-التكنولوجية

ومن مجمل تراكمات المدارات الثلاثة تتحقيق القدرات الشاملة للدولة (National /Total Perceived Power)، مع الوضع في الاعتبار أنها ليست مطلقة مستدامة ولكن نسبية مرحلية وهي سمة التاريخ الموروثة في عقل الدولة، وهنا يفتقر العقل للبعد الاستراتيجي الذي يضمن الريادة والاستدامة لتحقيق الثقل والوزن النسبي للدولة كناتج لقدرة العقل الاستراتيجي بعيدا عن منظور القدرة التقليدية للدول في تجاوز التحديات المرحلية والتركيز على نسج خلايا العقل الاستراتيجي بشكل يحقق التعليم الذاتي للعقل دون الوقوع في فخ تضخم خلايا العقل الاستراتيجي تحت حكم الموروث المؤسسي والاقتصادي، الذي يمنع عقل الدولة من إدارة الأزمات وفق مصفوفة أهداف ترتبط بعنصرين (الوقت – التكلفة)، اللَّذين يشكلان خلايا الاستدامة والريادة في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية من خلال تطبيق مبدأ السيادة التكنولوجية للعقل الاستراتيجي، وبذلك تتحول الأفكار والإحداثيات على هيئة خوارزميات لتكون محركات توجيه وسائل للصناعة السريعة الاستباقية لقرار العقل الاستراتيجي، ليكون بذلك قادرا على استرداد الريادة دائما ومن ثمَّ استدامة سيادة هويته دون انغلاق لدرجة التحجر أو انفتاح عشوائي لدرجة التجريف والانحراف، مشكلا بذلك الثقل المعنوي للدولة ليتجسد إلى درجة الريادة مع كل نصر، ويتراجع مع كل انتكاسة دون أن ينتهي، ليشكل على طول امتداد التاريخ رصيدا من الهوية الوطنية القادرة دائما على استرداد الذات الوطنية مهما حدث ضمور لعقل الدولة، وذلك ليس مجازا بقدر ما هو قياس موجز لأبعاد العقل الاستراتيجي للدول.

الخلية الأولى: الوقت

وهو التحدي الأكبر للعقل الاستراتيجي تاريخيا ومستقبلا، حيث يمثل الرهان الأخير لإدارة الأزمة أو التحرك الاستباقي وفق منظومة إنذار مبكر للعقل لاحتواء الأزمات وإدارتها، وهو مقترن بشكل مدمج لا يمكن فصله بالخلية الثانية، حيث التكلفة وهو ما سنعمل على استعراضه كالتالي:

الخلية الثانية: التكلفة

وتقترن الخلية الثانية بالتكلفة الاقتصادية والتكنولوجية اللازمة لتحقيق فاعلية سرعة (الوقت) لمؤشر بوصلة النموذج بين الاتجاهات والمدارات الأربعة لتحقيق مصفوفة أهداف الدولة وغايتها الاستراتيجية بما يضمن الاستدامة وتجديد خلايا العقل الاستراتيجي للدول، هذا ويعد فقر خلية التكلفة هو التحدي الأكبر والسبب في إهدار خلية الوقت وبالتبعية ضمور أو خمول الخلايا الأخرى لبوصلة العقل الاستراتيجي؛ فهي تقترن كسبب لقدرة وكفاءة لخلايا كود الهوية في المدار الأول ومنها إلى المدار الثاني، حيث التكلفة الضرورية لتحقيق الردع والدفاع وتأمين إحداثيات شبكة المصالح، وتكون التكلفة نتيجة بالقياس نفسه لخلايا كوادر الموارد البشرية في المدار الأول ومنها للتنمية في المدار الثاني ثم إلى تعظيم إحداثيات شبكة المصالح الإيجابية في المدار الثالث؛ لذلك يشكل الوقت والتكلفة الضمانة الحرجة كسبب ونتيجة لخلايا بوصلة العقل الاستراتيجي.

ختاما؛

لنا أن نتخيل أن مستقبل العقل الاستراتيجي للدول اليوم يقف أمامنا كطيف رقمي نراه ولا يمكننا إدراكه، بل وربما يتحكم فينا وفق رغباتنا، فكل ما ينبغي علينا إدراكه أن العقل الاستراتيجي للدول -كما حاولنا توصيف دائرة عمله في سياق الطرح- سيتحول في المستقبل لخلايا هجينة تتكامل فيما بين العلوم الاستراتيجية وعلوم السلاسل الجينية والبصمة الوراثية الرقمية للدول، مستهدفة من ذلك الحفاظ على منظومة القيم وإدارة المجتمع، لنجد أن دول العالم ستدار مستقبلا من غرفة تحكم وسيطرة مركزية تضمن دقة ومزامنة البيانات وشموليات حسابات قرار العقل الاستراتيجي، بما يضمن استدامة وريادة القدرة الشاملة للدول، وهو ما يحتاج أن نعمل على هذا التصور كضرورة استراتيجية لا رفاهية تكنولوجية.

وإجمالا لما سبق، ربما يبدو هذا الطرح في مجمله مبالغة علمية أو على سبيل الاستعراض البحثي، ولكن هو في حقيقته مجرد محاولة جادة لطرح مقدمات لصياغة متكاملة، وتمهيد لأي جهد بحثي يتناول موضوع الطرح بالتأييد أو النفي العلمي.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا

المراجع

  • صلاح نيوف، مدخل إلى الفكر الاستراتيجي،(كلية العلوم السياسية، الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك).
  • سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، (القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ج 9، 1994).
  • جوناثان ليونز، ترجمة مازن جندلي، بيت الحكمة كيف أسس العرب لحضارة الغرب (بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، ط1، 2013).
  • عيسى الشماس، مدخل إلي علم الإنسان (الأنثروبولوجي)، (دمشق، اتحاد الكتاب العرب، ط 2، 2018).
  • هيثم البشلاوي، سيناء ..استراتيجية الدفاع بالتنمية، (القاهرة، توزيع دار أخبار اليوم 2014).
  • هيثم البشلاوي، المجال الاستراتيجي.. إحداثيات التأثير، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع)، 2019.
  • محمد إسماعيل، توازن القوي النسبي، (القاهرة، دار كتابي، 2017).
  • جمال حمدان، الاستعمار والتحرير في العالم العربي، (القاهرة، دار العلم، ١٩٦٤).
  • جوان كوماس ترجمة محمد رياض، خرافات عن الأجناس، (القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٦).
  • هيثم البشلاوي، التخطيط الاستراتيجي.. التطور والضرورة (1)، شبكة رؤية الإخبارية، 2/1/2019، الرابط: https://bit.ly/3ieQSUW.
  • زياد آل الشيخ، استراتيجية الحرب الباردة، الرياض، 27/5/2018، الرابط: https://bit.ly/3khC6OM.
  • عيسى إدريس، الاستهداف المباشر للمجتمعات، الرابط: https://bit.ly/3igmidn.
  • عيسى إدريس، نظم الشبكات الاجتماعية.. ماذا عن الوعي الحضاري؟، الرابط https://bit.ly/3igmidn.
  1. صلاح نيوف، مدخل إلى الفكر الاستراتيجي،(كلية العلوم السياسية، الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك)، ص 6.
  2. سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، (القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ج 9، 1994)، ص 132.
  3. صلاح نيوف، مدخل إلى الفكر الاستراتيجي، مرجع سابق، ص 8 .
  4. جوناثان ليونز، ترجمة مازن جندلي، بيت الحكمة كيف أسس العرب لحضارة الغرب (بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز البابطين للترجمة، ط1، 2013) ص 92.
  5. عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجي)، (دمشق، اتحاد الكتاب العرب، ط 2، 2018)، 82.
  6. جوان كوماس ترجمة محمد رياض، خرافات عن الأجناس، (القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٦)، ص 31.
  7. جمال حمدان، الاستعمار والتحرير في العالم العربي، (القاهرة، دار العلم، ١٩٦٤)، ص 187.
  8. هيثم البشلاوي، التخطيط الاستراتيجي.. التطور والضرورة (1)، شبكة رؤية الإخبارية، 2/1/2019، الرابط: https://bit.ly/3ieQSUW.
  9. المرجع السابق.
  10. زياد آل الشيخ، استراتيجية الحرب الباردة، الرياض، 27/5/2018، الرابط: https://bit.ly/3khC6OM.
  11. عيسى إدريس، الاستهداف المباشر للمجتمعات، الرابط: https://bit.ly/3igmidn.
  12. عيسى إدريس، نظم الشبكات الاجتماعية.. ماذا عن الوعي الحضاري؟، الرابط: https://bit.ly/3igmidn.
  13. عيسى إدريس، الاغتيال الاقتصادي، الرابط: https://bit.ly/3igmidn.
  14. هيثم البشلاوي، سيناء ..استراتيجية الدفاع بالتنمية، (القاهرة، توزيع دار أخبار اليوم 2014)، ص 153.
  15. عيسى إدريس، الاستهداف الاستراتيجي، الرابط: https://bit.ly/3igmidn.
  16. هيثم البشلاوي، المجال الاستراتيجي.. إحداثيات التأثير، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع)، 2019، ص 178.
  17. محمد إسماعيل، توازن القوي النسبي، (القاهرة، دار كتابي، 2017)، ص 71.