اكتب أي شيء للبحث

تأثير مراكز الفكر .. صعوبات القياس ودورة التأثير

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

المدخل

تتطلب استراتيجية مراكز الفكر إجراء البحوث بمزيد من الرصد والتحليل لتطوير أفكار السياسة العامة للدول، ومن ثمَّ توصيل أفكارها السياسية بشكل مباشر وغير مباشر إلى صانعي السياسات ومتخذي القرارات، كما يمكنها أيضا التواصل بشكل غير مباشر مع المؤثرين السياسيين، مثل وسائل الإعلام والعلماء والنخبة وغيرها.

يتمثل أحد التحديات الأساسية في قياس تأثير مؤسسات الفكر لتقييم ما إذا كانت الخطة الاستراتيجية ناجحة هي الإسناد أو إرجاع الفضل إلى أهله في أي سياسة تُنفذ، حيث يمكن لصانع القرار عن قصد أو دون قصد أن يتجاهل دور مركز الفكر في قرار معين قد اتُخذ وأدى إلى نتائج إيجابية كبيرة، ويرجع ذلك إلى كثرة المدخلات من العديد من الأماكن، كما أن تطوير السياسة العامة أو الحكومية عملية معقدة وتكرارية يتم من خلالها البحث في أفكار السياسة وتحليلها ومناقشتها وصقلها غالبا من خلال مشاورات واسعة النطاق مع العديد من أصحاب المصلحة؛ لذلك فالقرار السياسي الواحد قد يحمل مساهمات من العديد من الجهات، بالإضافة إلى حرج بعض متخذي القرار من أن ينسبوا الفضل في نجاح قراراتهم إلى آخرين، حيث إنه يجب أن يتحمل هؤلاء القادة سياساتهم الخاصة ليكونوا مسؤولين أمام شعوبهم، بالإضافة إلى أنهم سوف يسعون إلى استغلال ذلك النجاح للترويج لأنفسهم شعبيا وانتخابيا إن لزم الأمر، لذلك فإنه لا يمكن لمركز فكر أن يدعي النجاح، ويقول “هذه السياسة كانت فكرتنا”.

ولقياس التأثير يمكن لمركز الفكر أن يمتد دوره إلى ما هو أبعد من إجراء البحوث وتحديد المشكلات العامة وتحليلها بل تتمتع مراكز الفكر أيضا بالقدرة على عقد اجتماعات لمختلف المجموعات في المؤتمرات والندوات وورش العمل لتسهيل الحوار والتواصل بين الباحثين والمتخصصين، كما يكون لدى مراكز الفكر القدرة على بناء الجسور بين المجموعات المتنوعة، مثل: صانعي السياسات والمنظمات غير الحكومية والأكاديميين وقادة الأعمال ووسائل الإعلام، وبهذه الطريقة يمكن لمراكز الفكر إنشاء “المسار الثاني”، وهو دور تحفيزي يصعب فيه قياس تأثير مركز الفكر مرة أخرى، وقد يكون لمراكز الفكر أيضا دور في التعليم من خلال برامج التدريب والتعليم والتواصل، حيث يمكن لمراكز الفكر أن تساعد في تطوير الجيل القادم من الدبلوماسيين والبيروقراطيين والقادة السياسيين.

أولا: معادلة تأثير مراكز الفكر .. أشخاص مناسبون و رسائل صحيحة وقنوات اتصال مناسبة

حتى تصل مراكز الفكر إلى مستوى عالٍ من التأثير فمن المهم أن تصل المراكز إلى الأشخاص المناسبين مع الرسائل الصحيحة وباستخدام الطريقة الصحيحة، وتستخدم مراكز الفكر مجموعة متنوعة من قنوات الاتصال، حيث قد تكون القنوات المختلفة أكثر فاعلية مع جماهير معينة، على سبيل المثال، فمن أجل الوصول إلى كبار القادة ومتخذي القرار يصعب الاعتماد على الأوراق البحثية ذات النمط الأكاديمي؛ لأن القادة رفيعي المستوى عادة ما يكونون أكثر انشغالا ولديهم القليل من الوقت للقراءة، لذا فقد تكون أفضل طريقة للتواصل معهم عن طريق عقد اجتماعات صغيرة لتقديم نتائج البحوث شخصيا، ولكن هذا يعتمد على قدرة مركز الفكر على الوصول إلى القادة من خلال شبكة من مراكز الأبحاث التي تضم نخبة مميزة من الباحثين، وفي الوقت نفسه يمكن الوصول إلى المسؤولين من المستوى المتوسط ​​من خلال قنوات متعددة، مثل المؤتمرات وورش العمل والورقات وموجز السياسات.

كما يمكن الوصول بسهولة إلى الأكاديميين والباحثين من خلال أوراق بحثية وكتب علمية مكتوبة بطريقة جيدة، ويمكن الوصول إلى الجمهور على أفضل وجه من خلال مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

وللتواصل من خلال وسائل الإعلام يجب على مراكز الفكر الاستعانة بمتخصصين في ذلك المجال لإنشاء وإرسال النشرات الإخبارية المكتوبة بأسلوب صحافي متقن، وتشمل قنوات الاتصال الأخرى النشرات الإخبارية والتقارير السنوية.

كل وسائل التواصل السابقة تناسب نوعا محددا من الجمهور كما أشرنا، لذا فإن إعداد مراكز الفكر لخطط تواصل جيدة تشتمل على المزيج المناسب من كل هذه القنوات سيكون كفيلا بتحقيق أكبر تأثير.

ثانيا: مراكز الفكر ودورة التأثير

تحتوي “دورة التأثير” لمراكز الفكر على ثلاث مراحل كما يلي:

المرحلة الأولى “الخطة”: وهي المرحلة التي يتشاور فيها الباحثون بمراكز الفكر مع صانعي السياسات من أجل فهم التحديات والقضايا التي يواجهها صانعو السياسات، ويصممون مشاريع لمعالجة تلك الموضوعات، ويشمل التصميم تخصيص الموارد والميزانيات والموظفين والجداول الزمنية.

المرحلة الثانية “البحث والتحليل”: قد يشارك مركز الأبحاث في بحث وتحليل عميقين للموضوع بما في ذلك السياق التاريخي وخيارات السياسة العامة، كما يجوز لها أيضا عقد مؤتمرات واجتماعات عامة أو خاصة حسب الضرورة، وقد تنقل نتائجها من خلال المنشورات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.

المرحلة الثالثة “قياس التأثير”: قد تتبع مركز الفكر كمية المخرجات في المنشورات والإشارات الإعلامية، ويقيس المرور والتفاعل على شبكة الإنترنت، والوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي قد يقيم جودة المخرجات، وقد يحاول أيضا تقييم التأثير الفعلي في السياسات العامة (على الرغم صعوبة الأمر كما نوقش سابقا)، وقد يقدم تقريرا عن هذه القياسات إلى أصحاب المصلحة، مثل مجلس إدارة وممولي مركز الأبحاث.

ويتغاضى الكثير من مراكز الفكر عن المرحلة الثالثة (قياس التأثير)، على الرغم من أن قياس النتائج يمكن أن يؤدي إلى دروس قيّمة لمساعدة مراكز الفكر على تحسين عملها والوقوف على نقاط القوة والضعف لديها.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو انفوجراف-1.jpg

ثالثا: معامل التأثير (Impact factor)

يعد معامل التأثير أحد أهم المقاييس المستخدمة لقياس أهمية المجلات العلمية المحكمة ضمن مجال تخصصها البحثي، ويعكس معامل التأثير مدى إشارة الأبحاث الجديدة للأبحاث التي نشرت سابقا في تلك المجلة والاستشهاد بها، ويقاس معامل التأثير لمجلة في سنة ما بمعدل عدد المرات التي جرى فيها الاستشهاد بالأبحاث المنشورة في تلك المجلة خلال السنتين السابقتين عليها، وبذلك تكون المجلة التي تملك معامل تأثير مرتفعا مجلة مهمة تتم الإشارة إلى أبحاثها والاستشهاد بها بشكل أكبر من تلك التي تملك معامل تأثير منخفض، بالإضافة إلى الأصالة والجودة العلمية للبحوث المنشورة، والجودة التقنية لهيئة التحرير، وانتظام الصدور والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي ونظام تحكيم البحوث فيها، هذا ولا يزال معامل التأثير للمجلة هو أشهر مقياس للفهرسة، مما جعل مقياس معامل التأثير مقبولا بوصفه معيارا مهما في اختيار وعاء النشر.

وقد ابتكر مؤسس المعهد العلمي للمعلومات (ISI) إيوجين جارفيلد معامل التأثير، وتحسب بعض المؤسسات حاليا كـــمؤسسة تومسون رويترز (Thomson Reuters Scientific) معاملات التأثير بشكل سنوي للمجلات العلمية المحكمة المسجلة عندها ونشرها فيما يعرف بتقارير استشهاد المجلات، والتي تُصنف فيها المجلات بحسب معاملات التأثير.

ولذا نقترح في تلك الدراسة تحديد معامل تأثير لكل مركز فكر يتم تجميعه لقياس تأثير المركز في آخر عامين من خلال المقاييس التي سنتعرض لها في الجزء التالي:

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو WhatsApp-Image-2020-09-21-at-21.51.211-1024x296.jpeg

رابعا: مراكز الفكر وقياس التأثير

يمكن قياس تأثير مراكز الفكر في العديد من الأشياء ومن خلال العديد من النتائج، ولذلك تقترح الدراسة الحالية قائمة تضم عددا من المقاييس الممكنة على النحو الذي اقترحه العديد من الخبراء في مراكز الفكر، والذي يمكن من خلاله قياس التأثير بشكل كبير، ولكن يجب أيضا الأخذ بعين الاعتبار أنه من الصعب قياس التأثير بشكل منضبط بالأرقام الدقيقة، وهي كالتالي:

  • 1-الذكر في وسائل الإعلام: هذه عبارة عن اقتباسات من مركز الفكر بالاسم في وسائل الإعلام، مثل: الصحف ومواقع الأخبار، ويمكن استئجار بعض خدمات الجهات الخارجية لقياس الاستشهادات، أو يمكن لموظفي مراكز الفكر البحث في الويب باستخدام محركات البحث على الإنترنت، لكن عمليات البحث عبر الإنترنت غير كاملة لذا لا يجوز لهم التقاط المراجع التي تحدث في الطباعة التقليدية فقط أو على التلفزيون أو الراديو، وقد يفقدون الاستشهادات وراء جدران الأجور أو التدابير الأمنية الأخرى، وليس المقياس بعدد الظهور في وسائل الإعلام فحسب ولكن يظل الفيصل في التأثير هو الظهور في وسائل الإعلام الأكثر وزنا، أي الظهور في الصحف الرئيسية أو المحطات التليفزيونية الأشهر، فمثلا في الولايات المتحدة النشر في صحيفة نيويورك تايمز أو واشنطن بوست أو في وول ستريت جورنال يكون أكبر وزنا من النشر في الصحف الأخرى.
  • 2-عدد ونوع المنشورات: يعد هذا مقياسا دقيقا لمنشورات مركز الفكر، ولا يقيم المحتوى الفعلي للمنشورات على أنه عالي الجودة أم لا.
  • 3-الاستشهادات العلمية للأوراق والكتب التي كتبها باحثون في مركز الأبحاث: يشمل ذلك اقتباسات من عمل مركز الأبحاث في المجلات الأكاديمية، وعدد منشورات مراكز الفكر المعتمدة في دوريات جامعية وقواعد بيانات عالمية.
  • 4-الاستشهادات الحكومية: يشمل ذلك اقتباسات عن عمل مركز الأبحاث في الاجتماعات الحكومية أو إجراءات الأحزاب الرسمية.
  • 5-تقييمات مراكز الفكر في المؤشرات الدولية: كيف كان تصنيف مؤسسة الفكر في نتائج التقييم السنوي كتلك التصنيف الذي تصدره جامعة بنسلفانيا؟ يرى بعض النقاد هذه التصنيفات على أنها مجرد أصوات شعبية بناءً على التصورات فقط، مع منهجيات لا تأخذ في الاعتبار الهياكل المختلفة أو الممولين أو المهمات أو غيرها من خصائص مراكز الفكر والرأي.
  • 6-جودة عمل مركز الفكر: وهو المقياس الأكثر ارتباطا بنشاط مراكز الفكر ومخرجاتها من بين جميع المقاييس، ويشمل عناصر، مثل: كيف كانت جودة المنشورات من حيث سهولة القراءة والبصيرة؟ ما مدى صلة المشاريع والنواتج بمشاكل العالم الواقعي والقضايا؟ ما مدى فاعلية مركز الفكر في توصيل رسائله؟ مرة أخرى يمكن توظيف مقيّمين خارجيين ومستقلين لاتخاذ هذه الأحكام الذاتية للغاية.
  • 7-جودة وتنوع واستقرار التمويل: قد ينعكس مصدر تمويل مراكز الفكر على استقلالية مركز الدراسات ودعمه وروابطه، كما يشير زيادة عدد الجهات المانحة للمركز على ارتفاع تأثير المركز.
  • 8-العدد والخبرة والمهارات وسمعة الخبراء والمحللين والباحثين: من السهل حساب الرؤوس لكن السمعة هي جودة ذاتية وصعبة القياس.
  • 9-مدى جودة شبكة علاقات وشراكات مركز الفكر: التأثير ليس مجرد مسألة من أنت، ولكن من تعرفه.
  • 10-عدد الأحداث والمؤتمرات والمحاضرات وورش العمل وعدد الحاضرين فيها (كلاهما مقياس بسيط قابل للقياس الكمي): يصعب قياس جودة الحاضرين، هل نحن فقط نملأ القاعة أم أننا نجذب قادة الرأي المؤثرين وصناع السياسة الأقوياء والخبراء رفيعي المستوى؟
  • 11-الدخول على ومشاركة المحتوى الرقمي: وتشمل عدد زوار موقع الويب، عدد مرات مشاهدة الصفحة، الوقت الذي يقضونه على الصفحات، “الإعجابات” أو المتابعة.
  • 12-التواصل الرسمي: عدد المشاورات مع المسؤولين بناءً على طلب المسؤولين أنفسهم.
  • 13-التوصيات التي يُنظر فيها أو تُعتمد بالفعل: كما نوقش سابقا هذه مشكلة الإسناد، قد يقول مركز الفكر إنه طرح الفكرة، لكن إذا كان لدى الآخرين الفكرة نفسها فمن الذي يُنسب إليه الفضل إذا نُفذت الفكرة؟
  • 14-الشهادات والاستطلاعات: يمكن جمع الثناء أو النقد أو التقييمات الأخرى لعمل مركز الأبحاث من خلال المقابلات مع صانعي السياسات أو كبار الخبراء في المجال، ويمكن القيام بهذا العمل من قبل مقيمين خارجيين ومستقلين، وتقديم التقارير إلى مجلس إدارة المراكز أو الممولين، بالإضافة إلى ذلك يمكن جمع الآراء حول مركز الفكر من خلال استطلاعات رسمية للمشاركين في الحدث أو المشتركين في النشرات الإخبارية والمنشورات.
  • 15-التأثير في وسائل التواصل الاجتماعي: قياسات الفيسبوك “الحديث عن هذا” و”الإعجابات”، ويجب أن يكون “الحديث عن هذا” مرجحا أكثر من “الإعجابات”؛ لأن هذا الأخير يمكن أن يكون إجراءً لمرة واحدة يرد على إحدى الحملات، ويعد عدد متابعي Twitter أيضا نتيجة أكثر من ناتج، ومع زيادة استخدام الترويج المدفوع من خلال إعلانات Facebook وTwitter قد تفقد بعض هذه التدابير قيمتها كنتيجة، ولا تزال إحصاءات حركة تصفح الويب صعبة كمقياس موثوق للنتائج، معظم مراكز الفكر لا تبلغ عن حركة تصفح الويب بطريقة صادقة، حيث يستخدمون الأرقام الزائفة كإغراء للتلاعب بالأرقام لتبدو جيدة للمانحين.

الخاتمة

إن تحقيق مجتمعات أكثر حرية ليس مهمة مؤسسات الفكر والرأي وحدها، حيث تؤدي شركات الإعلام والجامعات والأحزاب السياسية والقيادة والكنائس والجهات الفاعلة الأخرى أدوارا ذات صلة في المعركة من أجل الأفكار وتنفيذها، ولكن كما أظهرت الكتب الحديثة، مثل: “Masters of the Universe” و”Think Thinks in America”، فإن مراكز الفكر والرأي هي قوة هائلة، والتركيز المحسن على النتائج بدلا من المخرجات سيجعلها أكثر فاعلية.

باختصار، لتحقيق أقصى قدر من التأثير ينبغي لمراكز الفكر أن تضع خطة استراتيجية شاملة للمنظمة، وتخطط لمشاريعها البحثية بالتشاور مع صانعي السياسات، وتشرك جماهيرها من خلال قنوات مصممة بعناية للوصول إلى الأشخاص المناسبين باستخدام الطريقة الصحيحة، وأخيرا الحرص على قياس نتائج عملهم لضمان تحقيق الأهداف.

للإطلاع على النسخة المصورة(PDF) إضغط هنا

المراجع

Alejandro Chafuen, 15 Ways Of Measuring Think Tank Policy Outcomes, Forbes, 24/4/2013, Link: https://bit.ly/2W9MoGL.

Measuring Impact: 6 Steps to Take, Center for Creative Leadership, Link: https://bit.ly/2Wx8sKu.

Fred Kuntz, Communications and Impact Metrics for Think Tanks, Centre for International Governance Innovation, 11/7/2013, Link: https://bit.ly/2yCl7Ui.

العلامات: