اكتب أي شيء للبحث

دور المحكمة الدستورية في إرساء الأمن القانوني

مشاركة

 مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

المستشار الدكتور عبد الكريم محمد السروري، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بجمهورية مصر العربية

مدخل

يعد الأمن القانوني أحد أهم الأسس التي يقام عليها بناء الدولة القانونية التي تخضع فيها جميع السلطات العامة للقانون، والتي تتسم فيها هذه السلطات بقدر من الثبات في التشريعات التي تصدر عنها على نحو يحقق الاستقرار للأوضاع والمراكز القانونية.

ويعد الأمن القانوني من المفاهيم الجديدة في القانون الدستوري([1])، حيث إنه يعد من أكثر المفاهيم تداولًا في المجالين القانوني والقضائي. ويقوم الأمن القانوني على مجموعة من المبادئ وهي: مبدأ المساواة، ومبدأ عدم رجعية القوانين، وقاعدة وضوح القواعد القانونية وعدم تناقضها، وقاعدة سهولة فهم واستيعاب القواعد القانونية من قبل المخاطبين بها، وقاعدة قابلية القواعد القانونية للتطبيق، وأخيرًا قاعدة نشر التشريعات وضمان علم الكافة بها. وتحقيقًا للغرض من الدراسة تم تناولها وفق خمسة محاور كالتالي:

  • المحور الأول: ماهية الأمن القانوني.
  • المحور الثاني: الأمن القانوني.. مبدأ دستوري أم قانوني.
  • المحور الثالث: صور الأمن القانوني.
  • المحور الرابع: تطبيقات الموازنة بين الأمن القانوني ورجعية أثر الحكم بعدم الدستورية.
  • المحورالخامس: الأمن القانوني.. ضمانات تطبيق.

المحور الأول- ماهية الأمن القانوني

أولًا- الأمن القانوني.. المفهوم

1-الأمن في اللغة

الأمن هو الطمأنينة التي تنفي الخوف والفزع عن الإنسان، فردًا أو جماعة، الأمن ضد الخوف. وتبدو الحاجة إلى الأمن أساسية لاستمرار الحياة وعمران الأرض، مصداقًا لقوله تعالى ﴿فَلۡيَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ۝٣ ٱلَّذِىٓ أَط‍ۡ‍عَمَهُم م‍ِّ‍ن جُوعٍ وَءَامَنَهُم م‍ِّ‍نۡ خَوۡفٍ﴾([2]). وانعدام الأمن يؤدي إلى نشر الخوف ويحول دون الاستقرار والبناء، مما يقود إلى انهيار المجتمعات، وقد قيل “نعمتان عظيمتان لا يشعر الإنسان بقيمتهما إلا إذا فقدهما، وهما: الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان”.

2-الأمن القانوني في الاصطلاح

الأمن القانوني هو “عملية تستهدف توفير حالة من الاستقرار في العلاقات والمراكز القانونية من خلال إصدار تشريعات متطابقة مع الدستور ومتوافقة مع مبادئ القانون الدولي، بهدف إشاعة الثقة والطمأنينة بين أطراف العلاقات القانونية، بحيث يجب على التشريع ألا يتسم بالمفاجآت والاضطراب، أو التضخم في النصوص، أو برجعية القوانين أو القرارات”([3]).

وقد أصبح الأمن القانوني مبدأ أساسيًا في دولة القانون، وتتمثل وظيفته في تأمين النظام القانوني من الاختلالات والعيوب التشريعية الشكلية والموضوعية([4])، وهو ما يستدعي سن تشريعات تتسم بالوضوح في قواعدها، وأن تكون توقعية ومعيارية، وهي ثلاث مرتكزات بديهية يقوم عليها القانون، وردت ضمن متطلبات أخرى يقتضيها الأمن القانوني لتفادي إصدار تشريعات مضطربة بعد ملاحظة انتشار ظاهرة عدم الأمن القانوني، الأمر الذي استوجب فتح نقاش قانوني واسع بشأن المفهوم نتج عنه إما النص على المبدأ في الدستور في بعض الدول، أو الاعتراف به قضائيًا في العديد من الأنظمة القضائية الوطنية.

ثانيًا- الأمن القانوني.. النشأة والتطور

ظهر مبدأ الأمن القانوني نتيجة لاجتهادات محكمة العدل للمجموعة الأوروبية ابتداء من ستينيات القرن العشرين في قرارها الصادر في 22مارس 1961([5])، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان منذ سنة 1979 في قرارها الصادر في قضية Marckx([6])، بحيث أوضح القاضي الأوروبي أن الأمن القانوني مبدأ من المبادئ الأساسية التي يجب أن تتوفر في القانون الأوروبي، رغم أن قانون المجموعة الأوروبية والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لم يرد فيهما ما يفيد التنصيص على مبدأ الأمن القانوني كمبدأ ملزم لدول الاتحاد الأوروبي في تشريعاتها، وكان القانون الألماني سباقًا إلى هذا المبدأ([7])، قبل العمل به من طرف محكمة العدل للمجموعة الأوروبية أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وأمام تشديد القضاء الأوروبي على أهمية مبدأ الأمن القانوني تم القبول بالمبدأ في العمل القضائي في كل من سويسرا وهولندا وفرنسا([8])، ومن الجدير بالذكر أن الأخيرة قد تأثرت كثيرًا باجتهادات القضاء الأوروبي والألماني المتعلقة بمبدأ الأمن القانوني، وهو ما دفع المجلس الدستوري إلى الاعتراف بهذا المبدأ، وبشكل متدرج ضمن قراراته بتأكيده في مواضع كثيرة أن القوانين يجب أن تكون واضحة في معانيها، وأن تكون توقعية ومعيارية، وغير متسمة بالرجعية، أو بالإغفال القانوني([9]). وكان مجلس الدولة الفرنسي أكثر شجاعة وجرأة من المجلس الدستوري ومحكمة النقض، الذي أكد صراحة في قراره المؤرخ في 2-4 مارس 2006 مبدأ الأمن القانوني([10])، معتبرًا أن الأمن حق من حقوق الإنسان.

ثالثًا- الأمن القانوني.. المبادئ والأسس

يقوم الأمن القانوني على العديد من المبادئ القانونية العامة، مثل:

1-مبدأ سيادة القانون

يعني أن القانون يسري على كافة المخاطبين بأحكامه، وأن يكتسب ثقة المخاطبين بالقواعد أو القرارات النافذة، فمتى تولدت هذه الثقة يصبح القانون أقوى الأدوات التي تمتلكها الدولة لبسط النظام العام لمكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية. ويطلق هذا المبدأ ويراد به مبدأ المشروعية، وهو ضرورة احترام القواعد القانونية القائمة بأن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة وأحكام القانون بمدلوله العام، سواء أكانت هذه السلطات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية([11]).

ومن مقتضيات هذا المبدأ أن أعمال السلطات العامة وكافة إجراءاتها وتصرفاتها وقراراتها النهائية -على أي مستوى كانت من التدرج- لا تكون صحيحة ولا منتجة لآثارها القانونية المقررة في مواجهة المخاطبين بها ٳلا بمطابقتها للقاعدة القانونية الأعلى التي تحكمها، فإن صدرت هذه أو تلك على غير مقتضى القانون واجب التطبيق فإنها تكون غير مشروعة، وتتحول إلى مجرد إجراءات مادية غير قانونية، ومن ثمَّ فلا بدَّ من تقرير جزاء يتخذ حيالها حماية لحقوق الأفراد وكفالة وصيانة لحرياتهم، وهذا الجزاء يتوقف على نوع العمل الخاطئ ومداه. فقد يأخذ صورة إبطال التصرف المخالف لمبدأ المشروعية، وقد تقتصر على جبر الضرر الذي أصاب الأفراد، وقد يجمع بين الاثنين([12]).

2-مبدأ العلم بالقانون

ويعني افتراض علم المواطن بالقانون ومن ثم لا يحق له الاحتجاج أمام السلطة المختصة بجهله به، وتؤكد التشريعات المختلفة على أن “تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويعتد بها من تاريخ نشرها ما لم ينص فيها على تاريخ آخر“، ولذا إذا ما تم نشر القانون وأصبح نافذًا لا يجوز عندها الاعتذار بعدم تطبيقه بحجة جهله به لأن “لا يعد الجهل بالقانون عذرًا“.

ومن المقرر في قضاء محكمة النقض أنه “يشترط لقبول الاعتذار بالجهل بحكم من أحكام قانون آخر غير قانون العقوبات أن يقيم من يدعي هذا الجهل الدليل على أنه تحرى تحريًا كافيًا، وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنه يباشر عملًا مشروعًا له أسباب معقولة”.

3- مبدأ عدم رجعية القوانين([13])

يقصد به عدم سريان القانون الجديد على ما تم قبل نفاذه من تصرفات ووقائع قانونية، بل تكون هذه التصرفات وتلك الوقائع محكومة بالقانون القديم؛ وعليه فإن هذا المبدأ يشكل ما يعرف بـ”استقرار المراكز القانونية القائمة“، حيث إن الأصل “عدم الرجعية” ويأتي الاستثناء في حدود ضيقة، وهذا ما تنص عليه معظم الدساتير في العالم. فمن غير المقبول مطالبة أفراد المجتمع بتنظيم سلوكهم وفق قواعد قانونية لم تأت بعد، وكذلك اتساقًا مع مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون“.

رابعًا- الأمن القانوني.. الشروط والمتطلبات

اعتبارًا لكون الأمن القانوني قد أصبح مبدأ من مبادئ دولة القانون فإنه على سلطات الدولة توفير شروطه، والتي تمثلها العناصر التي يجب أن تسود سائر التشريعات، وهي:

  1. مبدأ المساواة.
  2. مبدأ عدم رجعية القوانين.
  3. وضوح القواعد القانونية وعدم تناقضها.
  4. سهولة فهم و استيعاب القواعد القانونية من قبل المخاطبين بها.
  5. أن تكون القواعد معيارية.
  6. قابلية القانون للتوقع.
  7. عدم الإغفال أو العوار القانوني
  8. سهولة الولوج إلى القانون و إلى المحاكم.
  9. الشفافية.
  10. حظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

خامسًا- الأمن القانوني.. دور الأطراف المعنية

1-دور السلطة التشريعية في توفير الأمن القانوني

تمر التشريعات قبل أن تصير قوانين نافذة بعدة مراحل تستدعيها إجراءات سن التشريع، سواء أكان مصدرها البرلمان الذي يبدأ في شكل مقترح قانون، أو مصدره الحكومة الذي يقدم في شكل مشروع قانون، وتمثل اقتراحات القوانين الصادرة عن البرلمان أو الحكومة مصدر الإنتاج التشريعي الذي يتعين فيه أن يكون مطابقًا للدستور، ولضمان إصدار تشريعات مطابقة للدستور يتعين وجوبًا على البرلمان أن يتقيد إبان عملية الاقتراح أو التصويت على القوانين بالشروط التي تتطلبها الدولة القانونية، ومن أهمها سمو القاعدة الدستورية على القاعدة القانونية، وهذا ما يتحقق معه الأمن القانوني بمراعاة التشريع لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية، لأنها تعلو على القانون الداخلي ولا تعلو على الدستور([14]).

2-دور الحكومة في توفير الأمن القانوني

يقصد بها المبادرات التشريعية ذات المصدر الحكومي، والتي تتمثل في اقتراح القوانين التي تتولى السلطة التنفيذية التقدم بها، علمًا بأن المجال التنظيمي موزع بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة في أغلب النظم السياسية المقارنة. فاقتراحات القوانين الصادرة عن الحكومة عرفها الفقه بمشاريع القوانين التي تضاف إلى الاختصاص التشريعي المقرر لها بمقتضى الدستور، والمتمثل في التشريع في الحالة العادية مع وجود البرلمان ويسمى بـ”تشريع التفويض“، أو في الحالة الخاصة (غير العادية) أي في غياب البرلمان، ويسمى بـ”تشريع الضرورة([15]).

ولقد صنف جانب من الفقه التشريعات التفويضية على أنها لائحة لكونها صادرة عن السلطة التنفيذية، لكن بعد المصادقة عليها من طرف البرلمان تكتسي طابعًا تشريعيًا، الأمر الذي يمكنها بأن تحصن ضد أي طعن إداري لكون الأعمال التشريعية لا يمكن الطعن فيها في إطار دعوى المشروعية([16]) لكونها تكتسي قوة القانون بعد مصادقة البرلمان عليها([17]).

3-دور القضاء الدستوري في توفير الأمن القانوني

تتمثل الرقابة على دستورية القوانين في إخضاع قوانين السلطة التشريعية لنوع من الرقابة من قبل مؤسسة مستقلة للتأكد من مدى موافقتها للمبادئ الدستورية([18]). ويعد مبدأ الرقابة على دستورية القوانين ضرورة من ضرورات كفالة احترام الدستور، ومن أجل ضمان التزام المشرع باحترام النصوص الدستورية كان لا بدَّ من وسيلة للطعن بعدم دستورية القانون، ويتم ذلك من أجل تفعيل الرقابة على دستورية القوانين.

المحور الثاني- الأمن القانوني.. مبدأ دستوري أم قانوني

يمثل المصدر المرجعية القوية لأي مبدأ يتم إصداره. وإذا كان الدستور هو المرجعية العليا في الأنظمة القانونية، فهل يعد مبدأ الأمن القانوني مبدأ دستوريًّا أم مبدأ قانونيًا؟

أولًا- مدى دستورية الأمن القانوني

عرف الاهتمام بالأمن القانوني تجاذبات كثيرة ومتنوعة، إلى أن عاد الاهتمام به حاليًا بشكل أكثر قوة وبرغبة أكثر في تأصيل المبدأ، بعد أن كان يعد مجرد مكون من مكونات دولة القانون.

ولم يعد الآن التساؤل حول مدى دستورية الأمن القانوني مطروحًا بشكل كبير في عدد كبير من دول العالم، ففي البرتغال، فرغم عدم نص الدستور صراحة ومباشرة على الأمن القانوني كمبدأ دستوري عند الحديث عن مقومات دولة القانون، فإن الفقه والاجتهاد الدستوري بالبرتغال يذهبان إلى أن مبدأ الأمن القانوني ينبع من فكرة دولة القانون الديمقراطية، ومن ثمَّ يعد مقررًا بالدستور تأسيسًا على ضرورة احترام حقوق الأفراد والجماعات، باعتبار أن الأمن قيمة يخدمها القانون، وهو ما يشكل منبع “ثقة المواطنين في الحماية القانونية”. وفي ألمانيا يعد الأمن القانوني مبدأ مستقلًا في القانون الدستوري الألماني، تبعًا للموقف المؤيد لذلك من طرف المحكمة الدستورية الألمانية منذ بداية الستينيات([19]).

وبالنظر إلى فرنسا يمكن القول بأن مبدأ الأمن القانوني دخل إليها من ألمانيا، وعبر بوابة قانون المجموعة الأوروبية، غير أن البعض الآخر يذهب إلى عدم صواب هذا التوجه([20]). وقد أصدر المجلس الدستوري الفرنسي قرارًا في 9 أبريل 1996 هدف إلى تقوية الأمن القانوني عن طريق الحد من طرق الطعن([21]). وقد يفهم أن المجلس بهذا القرار أقر دستورية المبدأ ضمنيًا، لكن وفي قرار آخر في 30 ديسمبر 1996 رفض المجلس صراحة إضفاء الطابع الدستوري على مبدأ الثقة المشروعة لعدم وجود نص على ذلك، بما في ذلك ما توحي به المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789([22])، الذي كان الكثير يعتقد أنها تؤسس لذلك المبدأ؛ وعلى ذلك يذهب الباحثون إلى أن المجلس الدستوري في فرنسا لم يرسخ صراحة مبدأ الأمن القانوني كحق أساسي، لكن يمكن القول إنه لم يستثنه أيضًا، وإنه ومراعاة للمتطلبات الحقوقية الأوروبية والقانون الدولي المقارن فقد عمل المجلس الدستوري بشكل أو بآخر على دسترة هذا المبدأ من خلال بعض قراراته التي أكدت “ضرورة الأمن القانوني”([23]).

وفي الوقت الحاضر أصبح الاهتمام ينصب على تأصيل مبدأ الأمن القانوني والبحث عن أساسه ومدى تأثير الأهمية المتزايدة لقانون المجموعة الأوروبية، وكذا دور محكمة العدل للمجموعة الأوروبية في اعتبارها مبدأ الأمن القانوني أساسًا لقانون المجموعة، واحترام الحقوق المكتسبة، واستقرار المراكز القانونية الشخصية، والثقة المشروعة، وهي كلها مبادئ عامة لقانون المجموعة الأوروبية ترددها أحكام المحكمة المذكورة([24])، بالإضافة إلى ذلك هناك تأثير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي كثيرًا ما أشارت في قراراتها للأمن القانوني، لا سيما ما يتعلق بالولوج إلى القانون والتوقع القانوني فيما يمس بالحريات المضمونة بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو عرقلة ممارسة تلك الحريات([25]).

ثانيًا- مبدأ الأمن القانوني.. غاية دستورية

ويمكن القول بأن المجلس الدستوري الفرنسي يقر بالغاية ذات القيمة الدستورية لمبدأ الأمن القانوني. وتبعًا لذلك فالمبدأ ليس دستوريًا مستقلًا قائمًا بذاته، وإنما يشتمل هذا المبدأ على صور عديدة بعضها فقط يتمتع بقيمة دستورية، بينما لا يمكن إسباغ صفة المبدأ الدستوري على بعضها الآخر ، باعتبار أن الأمن القانوني مبدأ عام تجتمع فيه عدة مبادئ وحقوق أخرى ذات أبعاد وقيم مختلفة؛ أي أنه غاية تجميعية ذات قيمة دستورية.([26]).

وبالرغم من أهمية مبدأ الأمن القانوني فإنه لم يرد كمبدأ دستوري في معظم الدساتير، أو في النصوص التشريعية إلا في بعض الدول كإسبانيا والمغرب. لكن الاجتهاد القضائي الأوروبي لكل من محكمة العدل للمجموعة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يعد المصدر الرئيسي المؤسس للمبادئ التي يجب أن تتوفر في التشريعات الوطنية الأوروبية، ومن أهمها مبدأ الأمن القانوني والأمن القضائي، وهو التوجه الذي تبناه مبكرًا مجلس الدولة في فرنسا بشكل واضح([27]).

المحور الثالث- صور الأمن القانوني

يمكن التمييز بين عدد من الصور لمبدأ الأمن القانوني، وهي:

أولًاعدم رجعية القوانين:

القاعدة العامة هي أن القوانين تسري بأثر مباشر، ومع ذلك يجوز في غير المواد الجنائية اللجوء إلى التشريعات التي تسرى بأثر رجعي، وبمفهوم المخالفة فإنه يجوز استثناءً اللجوء إلى الأثر الرجعي في حالة واحدة في المجال الضريبي، غير أن القضاء الدستوري يحاول وضع الضوابط على سلطة المشرع في تقرير الأثر الرجعي في هذا المجال.

وقد استقرت الفتوى في الكويت ومصر على سريان القانون بأثر فوري وليس بأثر رجعي، وليس ذلك في حالة فرض ضرائب جديدة أو زيادة أسعارها، وإنما تطبق أيضًا في حالة تخفيض هذا السعر أو إلغاء الضريبة كليًا. وترجع الحكمة في ذلك إلى أمرين: الأول أن تقرير الأثر الرجعي في حالة تخفيض سعر الضريبة أو إلغائها أو الإعفاء منها سيمس حقوقًا مكتسبة نشأت للخزانة العامة، ويترتب على تطبيق القانون بأثر رجعي إلحاق الضرر بالخزانة العامة، والثاني أنه ينافي تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى مطالبة الأفراد بمبالغ مالية كبيرة فتضطرب أحوالهم المالية.

1-مدى اعتبار عدم الرجعية مبدأ دستوريًّا

يسبغ الدستور على هذه القاعدة قيمة دستورية، حيث يقرر في كل من مصر وفرنسا (بنص صريح) عدم جواز تطبيق النصوص الجنائية بأثر رجعي([28])، كما يقيد في مصر تطبيق نص قانوني بأثر رجعي في غير المواد الجنائية باشتراط إقرار البرلمان لهذا النص بأغلبية خاصة، ويتطلب القضاء الدستوري في مصر وفرنسا لإمكان تطبيق نص قانوني بأثر رجعي-في غير المسائل الجنائية- أن يستند القانون الذي يقرر هذا الأثر الرجعي إلى مصلحة عامة أو ضرورة تبرره([29]).

ولكن بالرغم من إسباغ الدستور قيمة دستورية على هذا المبدأ فإنه يظل يتسم بأنه ليس مبدأ دستوريًّا إلا في المجال الجنائي. أما في غير هذا المجال فإن المبدأ لا يتمتع إلا بقيمة تشريعية. وهذا التأكيد صالح في كل من مصر والكويت وفرنسا. ففي مصر والكويت فإن القاعدة أنه “لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها، ومع ذلك فإنه يجوز في غير المواد الجنائية النص في القانون على خلاف ذلك” (المادتان 187 من الدستور المصري و179 من الدستور الكويتي). أما في فرنسا فإنه لا يوجد نص دستوري ينظم سريان التشريع بصفة عامة، وإنما تقتصر المادة 8 من إعلان 1789 على حظر الرجعية في المجال الجنائي، وتنص على أنه “لا يجوز معاقبة شخص إلا وفقًا لقانون قائم وصادر قبل الجريمة”. أما التقنين المدني فإنه ينص في المادة 2 على أن “القانون لا يقرر إلا بالنسبة للمستقبل، ولا يكون له أثر رجعي([30]).

2-الضوابط والقيود المفروضة على الأثر الرجعي للقوانين

يمكن عرض الضوابط والقيود التي فرضت على الأثر الرجعي للقوانين من خلال عرض ضوابط الأثر الرجعي للأحكام الصادرة من القضاء الدستوري, وضوابط قيود التدخل التشريعي بأثر رجعي كما يلي:

أ-ضوابط للأثر الرجعي للأحكام الصادرة من القضاء الدستوري

إن الحكم بعدم دستورية نص تشريعي واعتباره كأن لم يكن يمكن أن يمس الأمن القانوني للأشخاص الذين انطبق عليهم هذا النص خلال مدة سريانه، حيث إنهم رتبوا أوضاعهم طوال هذه المدة وفقًا لهذا النص، وفي هذا الصدد أقر المشرع المصري ضوابط معينة للأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية، وذلك في المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية رقم 48 لسنة 1979، تتمثل في عدم المساس بالمراكز القانونية التي استقرت بالتقادم أو بحكم قضائي نهائي. ويمكن التفرقة بين ضوابط الأثر الرجعي للنصوص الجنائية وغير الجنائية كما يلي:([31]).

بتقييد الأثر الرجعي لبعض النصوص التشريعية الجنائية

فيما يتعلق بالنصوص الجنائية، فإن الدستور ذاته هو الذي حظر تطبيقها بأثر رجعي، فالمادة 95 من الدستور المصري تنص على أنه (لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون)، وتنص المادة الثامنة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا على “أنه لا تجوز معاقبة أي شخص إلا وفقًا لقانون صدر بالفعل وتمت الموافقة عليه قبل ارتكاب الجريمة“. وتستند قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية إلى صورة من صور فكرة الأمن القانوني أسبغ عليها الدستور قيمة دستورية، واستثنى منها القوانين الأصلح للمتهم، وبناء على ذلك قضى المجلس الدستوري الفرنسي بأنه لا يجوز للمشرع أن يستبعد قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم ويقرر تطبيق هذا القانون بأثر فوري مباشر.

كما طبقت المحكمة الدستورية المصرية هذا المبدأ على أحد الجزاءات السياسية، حيث قضت بعدم دستورية المادة الخامسة من القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، لأن هذه المادة تضمنت جزاء سياسيًا له أثر رجعي هو الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية للأشخاص الذين حكم بإدانتهم استنادًا إلى اتهامهم بتشكيل مراكز قوة بعد ثورة 1952، وأسست المحكمة حكمها على أن الواقعة المنسوبة إلى هؤلاء الأشخاص سابقة على صدور القانون المطعون فيه، مما يعني أن هذا القانون قد فرض عليهم جزاء بأثر رجعي([32]).

ج- تقييد الأثر الرجعي لبعض النصوص التشريعية غير الجنائية

أما في غير المسائل الجنائية، فقد أجاز الدستور في كل من مصر والكويت تطبيق النصوص التشريعية بأثر رجعي بشرط موافقة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم البرلمان([33])، وقد قضت المحكمة الدستورية المصرية بأنه لا يجوز للسلطة اللائحية أن تقرر تطبيق نص بأثر رجعي، وبأن هذه الرخصة لا تجوز إلا للسلطة التشريعية، وبالأغلبية الخاصة التي نص عليها الدستور([34]).

ويجدر التنويه إلى أن الدستور المصري والكويتي قد أجاز للمشرع تقرير أثر رجعي للنصوص التشريعية غير الجنائية، غير أن المحكمة الدستورية قيدت الأثر الرجعي لبعض النصوص مراعاة لاعتبارات الأمن القانوني، ومن ذلك:

  • تقييد الأثر الرجعي للضرائب: قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 56 من القانون رقم 46 لسنة 1978 بشأن تحقيق العدالة الضريبية، فيما قررته من زيادة ضريبة الأرباح التجارية الصناعية بأثر رجعي على تصرفات تمت قبل صدور هذا القانون، واستندت المحكمة في هذا الحكم على أن النص المطعون فيه يخالف المادة 38 من الدستور بشأن العدالة الضريبة، حيث إنه لم يصدر بناء على وجود ضرورة اجتماعية تبرره، كما أنه فاجأ الممولين الخاضعين لأحكامه، والذين لم يتوقعوا زيادة الضريبة التي قررها هذا النص. إذ يناقض فرض الضريبة على هذه الأحوال مفهوم العدالة الاجتماعية الذي يقوم عليه النظام الضريبى على ما تقضى به المادة (38) من الدستور، باعتبار أن تعديل المشرع لأسس ضريبة قائمة يفرض على الممول تبعات قانونية تجعله غير قادر على التحكم في تصرفاته القانونية السابقة والنافذة مسبقًا والتي لا يمكن الرجوع فيها، حيث تعامل في إطار الضريبة القديمة، وما كان بوسعه عقلًا أن يتوقعها، وأنه لو كان بإمكانه أن يكون على بينة منها لأدخلها في اعتباره عند تصرفه في ماله أو اختار إبقاء هذا المال في ذمته تجنباً لأية مخاطر ضريبية لا يأمن عواقبها.
  • تقييد الأثر الرجعي للرسوم: وفيما يتعلق بالرسوم أصدرت المحكمة الدستورية العليا عددًا من الأحكام قضت فيها بعدم دستورية نصوص تشريعية كانت تعطي لمصلحة الشهر العقاري سلطة فرض رسوم تسجيل إضافية، إذا اتضح لها في تاريخ لاحق على إشهار التصرفات العقارية أن قيمة العقارات التي تم إشهار التصرفات القانونية الخاصة بها تزيد على القيمة التي تم تحديدها وقت التسجيل. وقد أخذت المحكمة الدستورية في هذه الأحكام اعتبارات الأمن القانوني في حسبانها، وقضت بعدم الدستورية استنادًا على تفسير واسع لبعض نصوص الدستور أهمها نص المادتين 32 و34 بشأن حماية الملكية الخاصة، والمادة 38 الخاصة بالعدالة الضريبة، والمادة 65 الخاصة بخضوع الدولة للقانون([35]).
  • تقييد الأثر الرجعي للعقوبات التأديبية: عرض على المحكمة الدستورية طعن بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم 32 لسنة 1963 المنظم لشؤون ضباط القوات المسلحة، فيما تضمنته من سريان العقوبات الانضباطية المقررة في المادة الأولى من هذا القرار بقانون بأثر رجعي يرتد إلى أول يناير 1963، ولما لم تجد المحكمة الدستورية في الدستور نصًا مباشرًا يحظر تقرير أثر رجعي للعقوبات التأديبية فسرت بعض نصوص الدستور تفسيرًا واسعًا لكي تقرر بناء على هذا التفسير أن الأثر الرجعي للعقوبات التأديبية يتنافى مع مبادئ الدستور. والنصوص التي استندت عليها المحكمة الدستورية في هذا الحكم، هي: نص المادة الأولى من الدستور التي تقرر أن النظام في مصر نظام ديمقراطي، ونص المادة الثالثة بشأن سيادة الشعب، ونص المادة الرابعة التي جعلت من النظام الاشتراكي الديمقراطي أساسًا للدولة، ونص المادة الخامسة والستين بشأن خضوع الدولة للقانون واستقلال القضاء. وقد أسست المحكمة قضاءها على أن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية، وأن خضوع الدولة للقانون محددًا على ضوء مفهوم ديمقراطي، مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعد التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضًا أوليًا لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، كذلك فإنه مما ينافي مفهوم الدولة القانونية أن تقرر الدولة سريان عقوبة تأديبية بأثر رجعي، وذلك بتطبيقها على أفعال لم تكن حين إتيانها ذنبًا إداريًا مؤاخذًا عليه بها([36]).
  • تقييد الآثر الرجعي لإصدار قرارات إدارية دون نص قانوني: يوجب مبدأ عدم الرجعية على الإدارة عدم إصدار قرارات تسري بأثر رجعي، إلا إذا كانت هذه القرارات تستند إلى سند تشريعي يُجيز لها ذلك؛ وبناءً على ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بعدم مشروعية قرار وزير الاقتصاد بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي رقم 38 لسنة 1994، الذي يتضمن رفع قيمة رأس المال المدفوع لشركات الصرافة التي يرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي، مع إلزام الشركات القائمة وقت العمل به بتوفيق أوضاعها خلال فترة لا تجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به لأن هذا القرار قد انطوى على أثر رجعي، مما ترتب عليه إهدار مركز قانوني مكتسب لشركات الصرافة القائمة([37]). كما قضت أيضًا المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه إذا فوَّض القانون السلطة التنفيذية في إخضاع بعض البضائع والمواد الأجنبية التي حددها للضريبة الجمركية، وكان هذا التفويض لا يتضمن تخويل هذه السلطة إخضاع هذه البضائع أو المواد لأية ضريبة بأثر رجعي، فإن قرار رئيس مجلس الوزراء الذي عُمل به من تاريخ صدوره، وقرار وزير المالية الذي عُمل به من تاريخ سريان القرار الأول، يكونان قد تضمنا أثرًا رجعيًا في شأن المخاطبين بهما([38])، وأخيرًا يخالف قاعدة عدم الرجعية أن يتضمن قرار وزاري إلغاء الإعفاء من رسم التصدير، بحيث يسري هذا الإلغاء على الرسائل المصدرة بموجب عقود موثقة قبل صدوره([39]).

ومن الواضح من السرد السابق أن الأصل العام هو أن القوانين تسري بأثر مباشر، وليس بأثر رجعي([40])، ويرفض القضاء بشدة أن يتضمن القرار أثرًا رجعيًا مهما كانت الاعتبارات العملية التي تدفع إلى تبني الرجعية. وأخيرًا فإن تقرير المشرع للرجعية يخضع لقيود، ويراعي القضاء الدستوري أن يظل تقرير الرجعية استثناءً محدودًا.

3-ضوابط قيود التدخل التشريعي بأثر رجعي

يَفرض الدستور في مصر (المادة 187) وفي الكويت (المادة 179) قيدًا إجرائيًا للتشريع بأثر رجعي، وهذا القيد يتمثل في ضرورة أن يوافق البرلمان بأغلبية الأعضاء الذين يتكون منهم، وليس وفقًا للقاعدة العامة التي تكتفي بأغلبية الأعضاء الحاضرين. ولا يوجد لهذا القيد مقابل في الدستور الفرنسي. ويُراقب القضاء الدستوري توافر هذا القيد في حالة سريان التشريع بأثر رجعي، ويُقرر عدم دستورية التشريع إذا أقره البرلمان بالأغلبية العادية على الرغم من سريانه بأثر رجعي، ومن هذه القوانين على سبيل المثال قوانين التصحيح التشريعي([41]).

لم تَفرض النصوص الدستورية أي قيود موضوعية على المشرع حين يقرر الأثر الرجعي خارج المجال الجنائي. وقد اتجه القضاء الدستوري في البداية إلى اعتبار أن الدساتير حين أجازت للمشرع أن يقرر الأثر الرجعي للقوانين، فإنها قد افترضت بداهة احتمال أن يؤدي هذا الاستثناء إلى المساس بالحقوق المكتسبة، وآثرت عليها ما يحقق الصالح العام للمجتمع. ولذلك قضت المحكمة الدستورية في مصر بأنه لا يخالف الدستور القانون رقم 93 لسنة 1980 بتعديل قانون التأمين الاجتماعي اعتبارًا من أول سبتمبر 1975، وهذا ترتب عليه إعادة تسوية معاش طائفة من المؤمن عليهم وتخفيض معاشهم([42]).

ثانيًا- ضرورة احترام الحقوق المكتسبة للأفراد التي استمدوها بطريق مشروع من القوانين القائمة

الصورة الثانية من صور الأمن القانوني هي ضرورة احترام الحقوق المكتسبة للأفراد التي استمدوها بطريق مشروع من القوانين القائمة متى كانت هذه الحقوق المكتسبة تتعلق بممارسة إحدى الحريات العامة أو أحد الحقوق الأساسية التي ينص عليها الدستور، مثل حق الملكية والحق في التأمينات الاجتماعية، وذلك إذا لم تنشأ ضرورة تضطر المشرع إلى التغيير في هذه الحقوق المكتسبة. وتعد هذه القاعدة من القواعد ذات القيمة الدستورية وفقًا لما قرره القضاء الدستوري في مصر وفرنسا.

ويقصد بمبدأ احترام الحقوق المكتسبة أنه يتم من خلال النظرية العامة في سحب وإلغاء القرارات الإدارية المشروعة. فالقاعدة العامة هي أنه لا يجوز إلغاء القرارات الفردية السليمة المنشئة للحقوق، ولا يجوز أيضًا ومن باب أولى سحب هذه القرارات. والقرارات المُنشِئة لها مفهوم واسع لأنها لا تقتصر على الحقوق الشخصية أو المراكز القانونية الشخصية، وإنما تشمل أيضًا القرارات الشَرْطية. ويمكن القول بأن معظم القرارات الإدارية الفردية تُنشئ مراكز قانونية ومن ثَمَّ فهي تولدحقوقـًا([43]). أما القرارات الفردية غير المشروعة، فإنه يقع على السلطة الإدارية سحبها خلال الميعاد المقرر قانونًا، فإذا تم السحب بعد انقضاء الميعاد فإنه يكون في هذه الحالة متعارضًا مع الأمن القانوني.

وقد قام القضاء بجهد متميز في تحديد المقصود بالقرارات المُنشِئة التي ترتب حقوقًا مكتسبة لا يجوز المساس بها، وخصوصًا في مجال الرسوم والضرائب الجمركية، فقد قضت محكمة القضاء الإداري بأن إدارة الجمرك تتمتع عند تقدير قيمة البضاعة المستوردة لتسوية الضرائب والرسوم الجمركية المستحقة بسلطة تقديرية واسعة للوصول إلى الثمن الذي تساويه البضاعة في تاريخ تسجيل البيان الجمركي المقدم عنها، وأن مؤدى ذلك أنه بعد الإفراج عن البضاعة وخروجها من الدائرة الجمركية، فإنه لا يجوز للجمرك أن يُعاود النظر في تقدير قيمتها مرة أخرى، والقول بعكس ذلك مؤداه زعزعة الاستقرار في المعاملات التجارية([44]).

ثالثًا- وجوب التزام الدولة بعدم مفاجأة الأفراد أو مصادمة توقعاتهم المشروعة

وتعني فكرة التوقع المشروع أو الثقة المشروعة أن القواعد العامة المجردة التي تصدر من السلطة التشريعية في صورة قوانين أو تصدر عن السلطة التنفيذية في صورة لوائح إدارية يجب ألا تصدر بطريقة فجائية مباغتة تصطدم مع التوقعات المشروعة للأفراد، والمبنية على أسس موضوعية مستمدة من الأنظمة القائمة على هدى من السياسات الرسمية المعلنة من جانب السلطات العامة والوعود والتأكيدات الصادرة عنها([45]).

وقد أشارت المحكمة الدستورية إلى فكرة التوقع المشروع للأفراد وضرورة احترام المشرع لها من خلال تقييد سلطته في إقرار الأثر الرجعي للنصوص الضريبية([46])، وليس أدل على تبني المحكمة لفكرة التوقع المشروع استنادًا إلى مبدأ خضوع الدولة للقانون الوارد في الباب الرابع من الدستور، وذلك في حكمها الذي قضت فيه بأن “نظام التحري عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تمام عملية الشراء واستكمال إجراءاتها تمهيدًا لإخضاع ما قد يظهر من زيادة في هذه القيمة لرسوم تكميلية يكون طلبها من ذوي الشأن مصادمًا لتوقعهم المشروع([47]).

هذا وقد رفض المجلس الدستوري الفرنسي إسباغ قيمة دستورية على فكرة التوقع المشروع أو الثقة المشروعة، ولكنَّ جانبًا من الفقه يدعو لاعتبار مبدأ الأمن القانوني بكل عناصره وصوره- بما فيها صورة احترام التوقع المشروع أو الثقة المشروعة- من المبادئ الدستورية، ويسند اتجاه مبدأ الأمن القانوني إلى مبدأ الأمن (lasuete) الذي نصت عليه المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789([48]).

في حين أن موقف المحكمة الدستورية المصرية من فكرة التوقع المشروع من جانب الأفراد يتضح من خلال إشارة المحكمة الدستورية المصرية في حيثيات عدد من أحكامها التي أشرنا إليها من قبل إلى فكرة التوقع المشروع أو الثقة المشروعة من جانب الأفراد وضرورة احترام المشرع لها([49])، ومن ذلك ما قضت به المحكمة بعدم دستورية بعض مواد القرار بقانون رقم 70 لسنة 1964 بشأن رسوم التوثيق والشهر، فيما قررته من إجراء تحريات جديدة عن القيمة الحقيقية للعقارات بعد انتهاء إجراءات شهر التصرفات القانونية التي تمت بشأنها وفرض زيادة في قيمة رسوم الشهر تقابل الزيادة التي تظهر فيما بعد في قيمة هذه العقارات.

المحور الرابع- تطبيقات الموازنة بين الأمن القانوني ورجعية أثر الحكم بعدم الدستورية

تعني فكرة الموازنة بين رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية وفكرة الأمن القانوني المواءمة والمصالحة بين قابلية الحياة القانونية للتطور والتغيير من ناحية، وحق الأفراد في ضمان الثبات والاستقرار النسبي لمراكزهم القانونية([50])وما ينشأ لهم من حقوق في ظلها من ناحية أخرى، من خلال الموازنة بين مبدأ المشروعية باعتباره مرآة العدالة وتطبيقًا لسيادة القانون، وبين مبدأ الأمن القانوني الذي تفرضه المصلحة العامة في أحيان عدّة([51]).

وتختلف الدول في نظرتها للعلاقة بين مبدأ رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية وفكرة الأمن القانوني ومدى تأثير أحدهما على الآخر، وذلك طبقًا للأفكار والقيم الدستورية التي تؤمن بها تلك الدول، وسنستعرض في هذا المحور تطبيقات بعض تشريعات الدول.

أولًا- موقف تشريعات بعض الدول الأجنبية

سنتناول في هذا الجزء موقف تشريعات بعض الدول الأجنبية من فكرة الموازنة بين مبدأ رجعية أثر الحكم في عدم الدستورية وفكرة الأمن القانوني، حسب الآتي:

1- الولايات المتحدة الأميركية

لقد تبنت المحكمة الاتحادية العليا في أميركا مبدأ رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية، إذ ذكرت في أحد أحكامها أن التشريع المخالف للدستور لا يعد قانونًا في الحقيقة، فهو منعدم القيمة تمامًا وكأنه لم يصدر أصلًا. والنتيجة المنطقية المترتبة على ذلك هو الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية، لأن القانون يعد منعدم القيمة من وقت صدوره لا من وقت صدور الحكم، وهذا الأثر الرجعي ينسحب على العلاقات القانونية كافة التي نشأت بموجبه([52]).

ومن الجدير بالذكر أن حكم المحكمة في هذه الحالة لا يلغي القانون أو ينقضه، بل ما تملكه المحكمة أنها تمنع تطبيق القانون المخالف للدستور مؤثرة بذلك طاعة النص الدستوري على التشريع العادي([53])، إلا أنها رغم ما تقدم فإن نظام السابقة القضائية الذي تطبقه المحاكم في أميركا يجعل حكم المحكمة ملزمًا لها ولباقي الجهات القضائية الأدنى منها درجة، الأمر الذي يجعل الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية يأخذ مداه الكامل، بحيث ينطبق على كافة التصرفات الناشئة قبل إصدار الحكم بعدم الدستورية لا سيما إذا كان الحكم صادرًا عن المحكمة الاتحادية العليا([54]).

يلاحظ أيضًا أن المحكمة الاتحادية العليا وإن أقرت مبدأ رجعية أثر الحكم بعد الدستورية، إلا أنها لم تغفل عما يمكن أن يسببه هذا المبدأ من آثار مادية ومعنوية على المراكز القانونية الناشئة قبل صدور الحكم بعدم الدستورية بشكل قد يقود إلى أحداث إشكالات قانونية أكثر من تلك التي قد يحدثها بقاء القانون غير الدستوري، وقد تعاملت المحكمة الاتحادية العليا مع هذه المخاوف بكل حكمة، وعبرت عن ذلك بأحد أحكامها التي أوضحت فيه أن الوجود المادي للقانون قبل أن يحكم بعدم دستوريته حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها، وليس من الحكمة أن يغض الطرف عن أثر الحكم بعدم الدستورية على الأوضاع والعلاقات القانونية التي نشأت في ظل القانون المحكوم بعدم دستوريته وتجاهل أثارها([55]).

2-إيطاليا

تنص المادة (6) من القانون الإيطالي رقم (87) لسنة 1953 على أن النصوص التي يقضى بعدم دستوريتها تعد غير صالحة للتطبيق من اليوم التالي لنشر الحكم، ولقد استقر القضاء الإيطالي على أن حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص قانوني لا يقتصر تطبيقه على الوقائع والمراكز القانوني التي نشأت بعد صدور الحكم بعدم الدستورية، بل يمتد ليشمل ما حدث من وقائع وما ترتب من حقوق ومراكز قانونية قبل الحكم ومن وقت صدرور النص غير الدستوري([56]).

3-النمسا

نصت المادة (140) من الدستور النمساوي على “أن حكم الإلغاء يسري من تاريخ نشر الحكم إلا إذا حددت المحكمة تاريخًا آخر لذلك على أن لا يزيد عن سنه، ويبقى القانون الملغي مطبقًا على الوقائع التي تمت قبل حكم الإلغاء عدا الحالة التي أدت إلى صدور الحكم”([57])، ومقتضى هذا النص أن الدستور النمساوي يأخذ بالأثر المباشر للحكم بعدم الدستورية، إذ يسري أثره من تاريخ نشره، بل إن المحكمة يجوز لها أن تعلق نفاذ الحكم على أجل واقف لا يتجاوز أمده سنة واحدة، وهذا يعني أن القانون المخالف للدستور يبقى نافذًا بعد صدور الحكم بعدم دستوريته ولحين حلول أجله، وهي نتيجة تدعو للاستغراب وقع فيها المشرع النمساوي، التي مردها هو فسح المجال أمام السلطة التشريعية كي تصدر قانونًا مطابقًا للدستور بدلًا عن القانون الملغي من قبل المحكمة الدستورية، وبشكل لا يؤثر على المراكز القانونية القائمة ويمنح فرصة لأصحابها لكي يرتبوا أوضاعهم وفق القانون الجديد.

وبالرغم من مبالغة المشرع النمساوي في أخذه بالأثر المباشر وتغليبه لفكرة الأمن القانوني، فإنه لم يشأ أن ينكر على صاحب الدعوى حقه في الانتفاع من أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية، وهو بذلك وإن راعى حق التقاضي لكنه من جهة أخرى أدى به هذا الموقف إلى الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون؛ لأن الحكم بعدم الدستورية سيطبق بأثر رجعي لكن ليس على كل المراكز والحقوق القانونية بل على بعضها فقط.

4-اليونان

يذهب الدستور اليوناني إلى أن حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص قانوني يسري من تاريخ صدور الحكم إلا إذ رأت المحكمة أن ينفذ هذا الحكم بأثر رجعي تحدد مداه المحكمة، ويكون لهذا الحكم حجية مطلقة تجاه الكافة([58]).

واستخلاصًا مما سبق يتضح أن الأصل في حكم المحكمة الدستورية أن يكون له أثر مباشر يسري من تاريخ صدور الحكم بعدم الدستورية، وأنه يجوز أن تحدد أي تاريخ يكون سابق على إصدار الحكم لكي يكون تاريخًا لنفاذه، وإن كان ذلك التاريخ لا يتطابق مع تاريخ صدور القانون المحكوم بعدم دستوريته.

ثانيًا- موقف تشريعات بعض الدول العربية

تباينت مواقف تشريعات بعض الدول العربية من فكرة الموازنة بين مبدأ الرجعية وفكرة الأمن القانوني وسنحاول في هذا الجزء استعراض بعضًا من تلك المواقف، كالآتي:

1-دولة الكويت

نصت المادة (172/ 3) من الدستور الكويتي على أنه “وفي حالة تقرير المحكمة الدستورية عدم دستورية قانون أو لائحة يعتبر كأن لم يكن”، كما نصت المادة (6) من قانون المحكمة الدستورية رقم (14) لسنة 1973 على أنه “إذا قررت المحكمة الدستورية عدم دستورية قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة أو عدم شرعية لائحة من اللوائح الإدارية لمخالفتها القانون نافذ، وجب على السلطة المختصة أن تبادر إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لتصحيح هذه المخالفات وتسوية آثارها بالنسبة للماضي”.

ومقتضى تلك النصوص هو أن الحكم الصادر بعدم الدستورية يكون بأثر رجعي، فالدستور عدَّ النص المحكوم بعدم دستوريته كأن لم يكن، لكن الذي ينبغي التنويه إليه أن سلطة المحكمة الدستورية تقتصر على عدم جواز تطبيق النص غير الدستوري، ويترك أمر تصحيح هذه المخالفة وتسوية أثارها في الماضي؛ أي إلغاء النص غير الدستوري بأثر رجعي للسلطة المختصة بذلك، وهي السلطة ذاتها التي أصدرته، فقد تكون السلطة التشريعية إذا كان النص المحكوم بعدم دستوريته قانونًا، وفي هذه الحالة تكون تسوية آثاره من خلال قانون آخر، وقد تكون السلطة التنفيذية إذا كان النص المحكوم بعدم دستوريته لائحة، وفي هذه الحالة يكون تسوية آثارها بلائحة جديدة تحل محل الملغاة وتكون ذات أثر رجعي([59]).

كما أن قانون إنشاء المحكمة الدستورية رقم 1٣ لسنة 1۹۹۰ نص في مادته الأولى والمادة السادسة على أن حكم المحكمة الدستورية ملزم للكافة، وأنه يجب على السلطات المختصة أن تبادر إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لتسوية الآثار المترتبة على عدم دستورية القوانين واللوائح بالنسبة للماضي، وبهذا يكون المشرع الدستوري الكويتي قد أعطى للمحكمة الدستورية سلطة إلغاء القانون أو اللائحة متى ثبت للمحكمة عدم دستوريتها، بحيث يعد القانون أو اللائحة كأن لم يكن من تاريخ صدوره لا من يوم صدور الحكم. وتبطل جميع الآثار المترتبة عليه منذ ذلك التاريخ؛ وعلى ذلك فلا يتصور إعادة عرض التشريع الذي قضى بعدم دستوريته أمام المحكمة مره ثانية؛ لأن حكمها بعدم دستوريته قد أعدم هذا القانون أو اللائحة من يوم ولادته([60]).

وقضت المحكمة الدستورية بأن سلطة المشرع التقديرية في تقرير أثر رجعي للنصوص غير الجنائية ليست سلطة مطلقة؛ إذ إن القاعدة في تطبيق القوانين عدم سريانها على الماضي، وهي قاعدة لها ما يبررها؛ لأن رجعية القوانين تنزع من التشريع خصائصه نظرًا لما تؤدي إليه من إخلال بالعدل واضطراب في المعاملات وزعزعة الثقة بالقانون، لذلك فقد حرصت الدساتير على النص على هذه القاعدة تأكيدًا لأهميتها([61]).

ومن خلال ما سبق يمكن القول بأن النظام الدستوري الكويتي يميل إلى تغليب جانب المشروعية الدستورية على جانب الأمن القانوني، وطبق الأثر الرجعي المطلق للحكم بعدم الدستورية دون أي استثناءات ترد عليه.

2-جمهورية مصر العربية

نصت المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لسنة 1979 على أنه “يترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم، فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادًا إلى ذلك النص كأن لم تكن”.

وقد أثار تفسير النص السابق لغطًا كبيرًا على صعيد الفقه المصري حول تحديد النطاق الزمني لسريان أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية، لا سيما وأن النص المذكور يشير بوضوح إلى أن النص المحكوم بعدم دستوريته يطبق من اليوم التالي لنشر الحكم، لكن يلاحظ أن المذكرة الإيضاحية لهذا القانون قد أزالت هذا اللبس عندما أقرت أن عدم تطبيق النص لا يقتصر على المستقبل فحسب، بل يشمل الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم الدستورية([62]).

كما أكدت المحكمة الدستورية العليا أن الأصل في الأحكام القضائية أنها كاشفة وليست منشئة، إذ هي لا تستحدث جديدًا ولا تنشئ مراكزًا أو أوضاعًا لم تكن موجودة من قبل، بل تكشف عن حكم الدستور في القانون وترده إلى مفهومه الصحيح الذي يلازمه منذ صدوره، الأمر الذي يستتبع أن يكون للحكم بعدم الدستورية أثرًا رجعيًا كنتيجة حتمية للطبيعة الكاشفة، وبيانًا لوجه الصواب في دستورية النص التشريعي المطعون عليه منذ صدوره( [63]).

3-الإمارات العربية المتحدة

نصت المادة (101) من الدستور الإماراتي على أن “أحكام المحكمة الاتحادية العليا ملزمة للكافة، وإذا ما قررت المحكمة عند فصلها في دستورية القوانين والتشريعات واللوائح أن تشريعًا اتحاديًا ما جاء مخالفًا لدستور الاتحاد، أو أن التشريع أو اللائحة المحلية موضوع النظر يتضمن مخالفة لدستور الاتحاد أو لقانون اتحادي، فعلى السلطة المعنية في الإمارات بحسب الأحوال المبادرة إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لإزالة المخالفة التشريعية أو لتصحيحها“([64]).

يستخلص مما تقدم أن المحكمة الاتحادية العليا لا تلغي النص، بل تقرر عدم دستوريته فحسب، ويبقى موجودًا من الناحية القانونية لكن يكون مجردًا من كل قيمة قانونية؛ لأن الحكم بعدم دستوريته سلبه قوته الملزمة وجعله غير قابل للتطبيق.

4-مملكة البحرين

نصت المادة (106/ 2) من الدستور البحريني على أن “ويكون للحكم الصادر بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة أثر مباشر ما لم تحدد المحكمة لذلك تاريخًا لاحقًا، فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقًا بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادًا إلى ذلك النص كأن لم تكن“([65]).

ولقد حرصت المذكرة الإيضاحية للدستور على توضيح كيفية إعمال هذا النص، حيث نصت هذه المذكرة على أن “مقتضى هذا النص أن ما صدر من تصرفات أو قرارات تنفيذًا للقانون الذي حكم بعدم دستوريته يظل قائمًا حتى تاريخ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية، أو التاريخ اللاحق الذي تحدده المحكمة لسريانه، ولا يؤثر ذلك على حق من دفع بعدم الدستورية من الاستفادة من الحكم الصادر في دعواه الموضوعية، وقد استثنى النص من قاعدة الأثر المباشر للحكم الأحكام الجنائية التي تصدر استنادًا للقانون المحكوم بعدم دستوريته واعتبارها كأنها لم تكن،ويسري الأثر ذاته على الدعوى التي لم تكن قد صدر حكم فيها عند صدور حكم المحكمة الدستورية”.

ونستخلص مما سبق أن المشرع البحريني قد تبنى الأثر المباشر للحكم بعدم الدستورية مغلبًا بذلك فكرة الأمن القانوني على مبدأ المشروعية، بل سمح أيضًا للمحكمة أن تحدد تاريخًا لاحقًا لسريان حكمها زيادة منه في حماية المراكز والعلاقات القانونية القائمة فعلًا وقت النظر بالدعوى الدستورية؛ من أجل عدم مباغتة أصحابها بالحكم ومنحهم فرصة كافية لترتيب أوضاعهم وفقًا للوضع القانوني الجديد.

المحورالخامس- الأمن القانوني.. ضمانات التطبيق

يعد تحقيق الأمن القانوني مدخلًا ومرتكزًا أساسيًا لتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي، لذا حرصت بعض الدساتير على النص على هذا المبدأ وطبقته المحاكم الدستورية بجانب المحاكم العادية، وهو ما يعد ضمانة دستورية لكفالة تطبيق هذا المبدأ، فضلًا عن وجود ضمانات أخرى تشريعية، ولا تقتصر تلك الضمانات على التي نصت عليها الدساتير، بل إنها تمتد إلى الضمانات التي أغفل الدستور النص عليها وكانت محل اعتراف من الأمم المتمدنة والدول الديمقراطية. وفيما يلي عرض لتلك الضمانات:

أولاً- الضمانات المعترف بها في الدستور

تسعى الدول الديمقراطية إلى وضع ضوابط وشروط تقيد السلطة الحاكمة حتى لا تطغى على حساب حقوق الأفراد وحرياتهم، ويجب أن تظل تصرفاتهم متفقة مع القاعدة الدستورية التي أقرها الشعب، ومن ناحية أخرى تضع القاعدة الدستورية الشروط والضوابط لممارسة الحقوق والحريات، وتضمن في الوقت ذاته عدم الجور عليها. وجدير بالذكر أن الحقوق والحريات الواردة في الدستور والتي ترتب عليها مراكز قانونية مستقرة أصبحت غير قابلة للانفصال عنها، ومن ثمَّ لا يكون مقبولًا أن تصدر السلطة التشريعية قانونًا يهدر تلك المراكز القانونية.

وتنحصر الضمانات المنصوص عليها في الدستور في كفالة حق الدفاع وعدم توقيع عقوبة إلا بحكم قضائي -وفقًا لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة- قد كفله الدستور, باعتبار أن ضمانة الدفاع لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي, فلا قيمة لحق التقاضي ما لم يكن متساندًا لضمانة الدفاع([66]).

وحيث إنه من المقرر كذلك أن افتراض البراءة يقترن دائمًا من الناحية الدستورية بوسائل إجرائية إلزامية، تعتبر من زاوية دستورية وثيقة الصلة بالحق في الدفاع، من بينها حق المتهم في مواجهة الأدلة التي طرحتها النيابة العامة إثباتًا للجريمة، وكذلك الحق في هدمها بأدلة النفي التي يقدمها([67]).

ثانيًا- الضمانات المعترف بها خارج نطاق الدستور

تتعدد الضمانات التي يتعين على السلطة التشريعية مراعاتها على الرغم من عدم النص عليها في الوثيقة الدستورية، ومن بينها عدم جواز أن تكون العقوبة الجنائية التي توقعها الدولة مهينة في ذاتها أو ممعنة في قسوتها أو تنطوي على تقييد الحريات الشخصية دون اتباع الوسائل القانونية الصحيحية أو تتضمن العقاب على فعل واحد مرتين([68]).

إن الأصل في الجريمة أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين باعتباره مسؤولًا عنها، وهي بعد عقوبة يجب أن تتوازن “وطأتها” مع طبيعة الجريمة موضوعها، وأن “شخصية العقوبة” “وتناسبها مع الجريمة محلها” مرتبطان بمن يعد قانونًا “مسؤولًا عن ارتكابها”، ومن ثم تفترض شخصية العقوبة- التي كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسؤولية الجنائية([69]).

وفيما يخص مبدأ تفريد العقوبة، قضت المحكمة الدستورية بـــــــ” أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها”، ولذا فإن تقرير استثناء من هذا الأصل – أيًا كانت الأغراض التي يتوخاها – مؤداه التسليم بأن ظروف الجناة قد تماثلت بما يقتضي توحيد ما يستحقون بهم من جزاء، وهو الأمر الذي يخل بتناسب العقوبة مع قدر الجريمة وملابساتها وسمات الجاني الشخصية. وإذا كانت أهم عناصر مشروعية العقوبة -من الناحية الدستورية- أن يباشر كل قاض سلطته في مجال التدرج بها وتجزئتها في الحدود المقررة قانونًا، فإنه لا مجال لحجب القاضي عن ممارسة هذه السلطة التقديرية وحرمانه من مباشرة حقه في الحكم بالبدائل العقابية التي يرى ملاءمتها لكل حالة على حدة([70]).

أما فيما يخص الفصل بين السلطات، فقد عهد الدستور إلى كل من السلطتين التشريعية والقضائية بمهام قصرها عليهما، فلا تتداخل هاتان الولايتان أو تتماسّان، بل يتعين دومًا مراعاة الحدود التي فصل بها الدستور بينهما، فلا تباشر السلطة التشريعية غير اختصاصاتها التي بينتها المادة (101) من الدستور، ومن بينها سلطة إقرار التشريعات، ولا تتولى السلطة القضائية إلا ولاية الفصل في المنازعات والخصومات التي أثبتتها لها المادة (184) من ذلك الدستور([71]).

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) إضغط هنا

المراجع

– يسري العصار، دور الاعتبارات العملية في القضاء الدستوري دراسة مقارنة (القاهرة، دار النهضة العربية، 1991).

  • أحمد عبد الوھاب السید، الحمایة الدستوریة لحق الإنسان في قضاء طبیعي، ط ١ (القاهرة، مؤسسة بیتر للطباعة، ٢٠٠٣).

رمزي الشاعر، القضاء الدستوري في مملكة البحرين (البحرين، مطبعة أوال، 2003).

أحمد كمال أبو المجد، الرقابة على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية والإقليم المصري (القاهرة، دار النهضة العربية، 1960).

  • بشير علي باز، أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية (الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2001).
  • سعيد أبو الشعير، القانون الدستوري والنظم السياسية المعاصرة (الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية) ج1.
  • عبد الفتاح حسن، مبادئ النظام الدستوري في الكويت (لبنان، دار النهضة العربية، 1968).
  • محمد آل ياسين، القانون الدستوري والنظم السياسية.
  • إسماعيل ميرزة، دراسة مقارنة للدستور الليبي مع دساتير الدول العربية الأخرى (دار صادر ، منشورات الجامعة الليبية، 1969).
  1. مصطفي قلوش، النظام الدستوري المغربي، ط 4 (الرباط، مكتبة دار السلام).
  2. – علاء عبد المتعال، مبدأ جواز الرجعية وحدوها في القرارات الأدارية (القاهرة، دار النهضة العربية، 2004).
  3. – عبد الله حداد، دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، الرباط، 1982).
  4. – محمد محمد عبد اللطيف، مبدأ الأمن القانوني، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية (جامعة المنصورة، مصر، العدد 36، 2004).
  5. – يسري العصار، الحماية الدستورية للأمن القانوني، مجلة الدستورية (جامعة القاهرة، مصر، العدد الثالث، 2003).
  6. – عبد المجيد غميجة، مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي، مجلة الحقوق المغربية (المغرب، العدد السابع، 2009).
  7. – ماهر البحيري، الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية وفلسفة التشريع في الحد من مداه، مجلة الدستورية (جامعة القاهرة، مصر، العدد الثاني، 2003).
  8. – سيدي محمد بن سيد أب، تفويض التشريع في إطار دساتير دول المغرب العربي دراسة مقارنة، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (المغرب، العـدد 28، 1999).
  9. عامر زغير محيسن، الموازنة بين فكرة الأمن القانونتي ومبدأ رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية، مركز الدراسات القانونية (مصر، العدد الـ 18، 2010).
  10. – المعهد الدولي لحقوق الإنسان، الدساتير العربية ودراسة مقارنة لمعايير الحقوق الدستورية، (نيويورك، مطبعة boyd printing company، 2005).
  11. – عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه- جان دبوي للقانون والتنمية.
  12. – مصطفي بن شريف، فريد بنته، الأمن القانوني والأمن القضائي، 1/2/2011، الرابط: https://bit.ly/3315Dnj.
  13. – عثمان عبد الملك الصالح، ضمانات حقوق الإنسان في الكویت بین النظریة والتطبیق (بحث مقدم إلى ندوة تدریس حقوق الإنسان، جامعة الزقازیق، مصر، ١٤- ١٦ دیسمبر ١٩٧٨).
  14. Michéle DE SALVIA, « La place de la notion de sécurité juridique dans la jurisprudence de la Cour européenne des droits de l’Homme », C.C.C, n°11, 2000.
  15. CJCE, 22 mars 1961, S.N.U.P.A.T. c. Haute Autorité de la CECA, aff.42, 49/59, Rec. 1961. 13 juillet 1961, Meroni c. CECA 22 CJCE, 22 mars 1961, S.N.U.P.A.T. c. Haute Autorité de la CECA, aff.42, 49/59, Rec. 1961, p.126 23 ; CJCE, 13 juillet 1961, Meroni c. CECA ; CJCE, 27 mars 1980, Amministrazione delle Finanze dello Stato c. Salumi, aff.66/127 à 128/79. 24.
  16. al.3 et 28 renvoient au principe de sécurité juridique tout en le rapprochant de la notion d’Etat de droit.
  17. Voir, la Loi Fondamentale Allemande de 1949. Les articles 20.
  18. al.3 et 28 renvoient au principe de sécurité juridique tout en le rapprochant de la notion d’Etat de droit.
  19. – Manuel DELAMARRE, « La sécurité juridique et le juge administratif français, A.J.D.A, 2004.
  20. – Cons. Const. 93-373 DC, 9 avril 1996.
  21. CE, Ass. 24 mars 2006, Société KPMG et autres ; CE, Ass., 16 juillet 2007, Société Tropic Signalisation.
  22. Pierre LAROUCHE, « Table ronde internationale: Constitution et sécurité juridique », A.I.J.C, 1999.
  23. L. Nunes de Almedia- Le développement de l’idée d’Etat de droit démocratique et. l’application d principes qui en découlent par le Tribunal Constitutionnel portugais, https://bit.ly/2STEiyD.
  24. Cathy Pomart- La magistrature Familiale. Op. Cit.
  25. L’art. 16 de la déclaration des droits de l’Homme et du citoyen du 26 aoùt 1789.
  26. Eric Carpano- Etat de droit et droits européens. Op. cit.
  27. Cathy Pomart- La magistrature Familiale. Op. Cit.
  28. Cathy pomart- La magistrature Familiate, Op. Cit.
  29. Michéle DE SALVIA, « La place de la notion de sécurité juridique dans la jurisprudence. de la Cour européenne des droits de l’Homme », C.C.C, n°11, 2000.
  30. Pierre LAROUCHE, « Table ronde internationale: Constitution et sécurité juridique », A.I.J.C, 1999.
  31. Comité de réflexion et de proposition sur la modernisation et le rééquilibrage des institutions de la Ve République, La documentation française, 2008.
  32. Y. Gaudmet, Traité de droit administratif, op.cit.
  33. للمزيد يراجع محمد محمد عبد اللطيف، مبدأ الأمن القانوني، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية (جامعة المنصورة، مصر، العدد 36، 2004) ص 87 وما بعدها، يسري العصار، دور الاعتبارات العملية في القضاء الدستوري دراسة مقارنة (القاهرة، دار النهضة العربية، 1991) ص243 وما بعدها،
  34. الأية 4، سورة قريش.
  35. يسري العصار، الحماية الدستورية للأمن القانوني، مجلة الدستورية (جامعة القاهرة، مصر، العدد الثالث، 2003) ص51.
  36. – Michéle DE SALVIA, « La place de la notion de sécurité juridique dans la jurisprudence de la Cour européenne des droits de l’Homme », C.C.C, n°11, 2000, p.94
  37. – CJCE, 22 mars 1961, S.N.U.P.A.T. c. Haute Autorité de la CECA, aff.42, 49/59, Rec. 1961, p.109
  38. 13 juillet 1961, Meroni c. CECA 22 CJCE, 22 mars 1961, S.N.U.P.A.T. c. Haute Autorité de la CECA, aff.42, 49/59, Rec. 1961, p.126 23 ; CJCE, 13 juillet 1961, Meroni c. CECA ; CJCE, 27 mars 1980, Amministrazione delle Finanze dello Stato c. Salumi, aff.66/127 à 128/79. 24
  39. CJCE, 6 avril 1962, Robert Boch GmbH et autres, aff.13/61 25
  40. CJCE, 12 juillet 1972, Azienda Colori Nazionali, aff. 57/69
  41. – CEDH, 13 juin 1979, Marckx c. Belgique, série A, n°31, §58
  42. al.3 et 28 renvoient au principe de sécurité juridique tout en le rapprochant de la notion d’Etat de droit.
  43. Voir, la Loi Fondamentale Allemande de 1949. Les articles 20
  44. al.3 et 28 renvoient au principe de sécurité juridique tout en le rapprochant de la notion d’Etat de droit
  45. – Manuel DELAMARRE, « La sécurité juridique et le juge administratif français, A.J.D.A, 2004, p.186.
  46. – Cons. Const. 93-373 DC, 9 avril 1996, consid. 85 :« qu’eu égard à l’importance qui s’attache au respect de la répartition des compétences entre ces autorités, le souci du législateur de renforcer la sécurité juridique des décisions de l’assemblée ne saurait justifier que soit portée une atteinte aussi substantielle au droit à un recours
  47. juridictionnel ; que dès lors le 1er alinéa de l’article 113 est contraire à la Constitution »
  48. – CE, Ass. 24 mars 2006, Société KPMG et autres ; CE, Ass., 16 juillet 2007, Société Tropic Signalisation
  49. Travaux: Le Conseil d’Etat pratique la modulation des effets dans le temps d’un revirement jurisprudentiel « eu égard à l’impératif de sécurité juridique tenant à ce qu’il ne soit pas porté une atteinte excessive aux relations contractuelles en cours et sous réserve des actions en justice ayant le même objet et déjà engagées avant la date de lecture de la présente decision«.
  50. أحمد عبد الوھاب السید، الحمایة الدستوریة لحق الإنسان في قضاء طبیعي، ط ١ (القاهرة، مؤسسة بیتر للطباعة، ٢٠٠٣) ص ١٩٢.
  51. عثمان عبد الملك الصالح، ضمانات حقوق الانسان في الكویت بین النظریة والتطبیق، بحث مقدم إلى ندوة تدریس حقوق الانسان التي نظمتھا جامعة الزقازیق بدعوة من منظمة الیونسكو من ١٤- ١٦ دیسمبر ١٩٧٨، كلیة الحقوق جامعة الكویت، ص .٥
  52. سنفصل هذه الفكرة لاحقًا.
  53. مصطفي بن شريف، فريد بنته، الأمن القانوني والأمن القضائي، 1/2/2011، الرابط: https://bit.ly/3315Dnj.
  54. -Pierre LAROUCHE, « Table ronde internationale: Constitution et sécurité juridique », A.I.J.C, 1999, pp.132-133.
  55. عبد المجيد غميجة، مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي، مجلة الحقوق المغربية (المغرب، العدد السابع، 2009) ص 34.
  56. سيدي محمد بن سيد أب، تفويض التشريع في إطار دساتير دول المغرب العربي دراسة مقارنة، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (المغرب، العـدد 28، 1999) ص 36.
  57. – عبد الله حداد، دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، الرباط، 1982) ص 62.
  58. مصطفي قلوش، النظام الدستوري المغربي، ط 4 (الرباط، مكتبة دار السلام) ص 191- 193.
  59. إسماعيل ميرزة، دراسة مقارنة للدستور الليبي مع دساتير الدول العربية الأخرى (دار صادر ، منشورات الجامعة الليبية، 1969) ص 378. وعبد الفتاح حسن، مبادئ النظام الدستوري في الكويت (لبنان، دار النهضة العربية، 1968) ص70. ومحمد آل ياسين، القانون الدستوري والنظم السياسية، ص76. سعيد أبو الشعير، القانون الدستوري والنظم السياسية المعاصرة (الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية) ج1، ص 175.
  60. L. Nunes de Almedia- Le développement de l’idée d’Etat de droit démocratique et l’application d principes qui en découlent par le Tribunal Constitutionnel portugais: https://bit.ly/2STEiyD.
  61. Cathy Pomart- La magistrature Familiale. Op. Cit. p. 194.
  62. Ibid. p. 196
  63. L’art. 16 de la déclaration des droits de l’Homme et du citoyen du 26 aoùt 1789, dispose: “Toute Société dans laquelle la garantie des Droits n’est pas assure, ni la séparation des pouvoirs détermine, n’a point de Constitution’.
  64. Eric Carpano- Etat de droit et droits européens. Op. cit. p. 230
  65. Cathy Pomart- La magistrature Familiale. Op. Cit. p. 195.
  66. Ibid. p. 196
  67. تجدر الإشارة كذلك إلى ما يذهب إليه البعض من الأخذ بمبدأ الأمن القانوني عن طريق اعتباره من النظام القانوني الآمر للمجموعة الأوروبية.
  68. Cathy pomart- La magistrature Familiate, Op. Cit. P. 192
  69. – Michéle DE SALVIA, « La place de la notion de sécurité juridique dans la jurisprudence de la Cour européenne des droits de l’Homme », C.C.C, n°11, 2000, p.94
  70. د. مصطفي بن شريف.. د. فريد بنته، الأمن القانوني والأمن القضائي، مرجع سابق .
  71. -Pierre LAROUCHE, « Table ronde internationale: Constitution et sécurité juridique », A.I.J.C, 1999, pp.132-133.
  72. ماهر البحيري، الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية وفلسفة التشريع في الحد من مداه، مجلة الدستورية (جامعة القاهرة، العدد الثاني، 2003) ص 49.
  73. علاء عبد المتعال، مبدأ جواز الرجعية وحدوها في القرارات الأدارية (القاهرة، دار النهضة العربية، 2004) ص 9.
  74. “La loi ne dispose que pour l’avenir, elle n’a point d’effet retroactive”.
  75. يسرى العصار، الحماية الدستورية، مرجع سابق، ص 53.
  76. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 49 لسنة 6ق دستورية جلسة 4أبريل 1987.
  77. انظر المادة 187 من الدستور المصري والمادة 179 من الدستور الكويتي، وحكم المحكمة الدستورية المصرية بخصوص عدم دستورية القانون رقم 9 لسنة 1989، القضية رقم 30 السنة 9ق دستورية جلسة 7ديسمبر 1991.
  78. حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم 40 لسنة 15 ق دستورية جلسة 7فبراير 1998، وفي الاتجاه ذاته يراجع حكم المحكمة الدستورية في الكويت في الطعن رقم 1/1979 بتاريخ 12مايو 1979.
  79. حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم 23 لسنة 12 ق دستورية بجلسة 2 من يناير 1993.
  80. حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم 22 لسنة 8 ق دستورية بتاريخ 4 يناير 1992.
  81. م.إ.ع.، الدائرة الأولى، 17 من سبتمبر 2006، الطعن رقم 8053، لسنة 47ق.ع.، غير منشور.
  82. م.د.ع.، 7 من فبراير 1998، القضية 40 لسنة 15ق. دستورية، المجموعة الجزء8، ص1189.
  83. م.ق.إ.، 25 من ديسمبر 2004، الدعوى 31167 لسنة 57ق، مجموعة أحكام منازعات الاستثمار، 2002/2005، ص83.
  84. وبمناسبة التعديل الدستوري في 23 يوليو 2008، اقترحت لجنة “Balladur” إضافة فقرة إلى المادة 34 من الدستور تنص على أنه “فيما عدا اعتبار محدد للمصلحة العامة، فإن القانون لا يقرر إلا للمستقبل”، وقد اقترحت اللجنة هذا النص نظرًا لما تسببه الرجعية من عدم الاستقرار القانوني، غير أن هذا الاقتراح لم يظهر في التعديل النهائي.
  85. Comité de réflexion et de proposition sur la modernisation et le rééquilibrage des institutions de la Ve République, La documentation française, 2008, p. 86.
  86. م.د.ع.، 16 من إبريل 1985، القضية 114 لسنة 5ق، دستورية، المجموعة، الجزء3، ص176.
  87. م.د.ع.، 2 من يناير 1993، القضية 23 لسنة 12ق. دستورية، المجموعة، الجزء5/2، ص131.
  88. Y. Gaudmet, Traité de droit administratif, op.cit., n. 1384; C.
  89. Yannakoupoulos, La notion de droits acquis en droit administratif français, LGDJ, Paris,
  90. 30 من ديسمبر 2003، الدعوى رقم 8546 لسنة 52ق، مجموعة أحكام مجلس الدولة في منازعات الاستثمار 2002/2005؛ ص108؛ ج.ع.، 20 من نوفمبر 1996.
  91. يسري العصار، دور الاعتبارات العملية في القضاء الدستوري، مرجع سابق، ص 276.
  92. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 40 لسنة 15ق ع جلسة 7/2/1998 وحكمها في القضية رقم 232 لسنة 26ق ع جلسة 15/4/2007.
  93. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 126 لسنة 20ق د جلسة 2/10/1999،وحكمها في القضية رقم 65 لسنة 17ق د جلسة 1/2/1997 وحكمها في القضية رقم 308 لسنة 24ق د جلسة 11/6/2006.
  94. يسرى العصار، دور الاعتبارات العملية في القضاء الدستوري، مرجع سابق، ص 276.
  95. أحكامها الصادرة بتاريخ الأول من فبراير 1997 وتاريخ 2 من أكتوبر 1999، وتاريخ 3 من يونيو 2000.
  96. عامر زغير محيسن، الموازنة بين فكرة الأمن القانونتي ومبدأ رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية، مركز الدراسات القانونية (مصر، العدد الـ 18، 2010) .
  97. – المرجع السابق.
  98. بشير علي باز، أثر الحكم الصادر بعدم الدستورية (الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2001) ص 28.
  99. المرجع السابق، ص 39.
  100. رمزي الشاعر، القضاء الدستوري في مملكة البحرين (البحرين، مطبعة أوال، 2003) ص 144.
  101. أحمد كمال أبو المجد، الرقابة على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية والإقليم المصري (القاهرة، دار النهضة العربية، 1960) ص 184.
  102. إبراهيم محمد حسنين، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الفقه والقضاء (القاهرة، دار النهضة العربية، 2000) ص480.
  103. رمزى الشاعر، القضاء الدستوري في مملكة البحرين، مرجع سابق، ص429.
  104. المرجع سابق، ص423.
  105. المرجع سابق، ص 68.
  106. د. عثمان عبد الملك الصالح، المرجع السابق، ص ٦٤1، عثمان خليل عثمان، دستورية القوانين محاضرات دبلوم القانون العام بكلية الحقوق جامعة الكويت، 1991.
  107. الطعن رقم 1لسنة 1981 جلسة 11-7-1981الجريدة الرسمية، الكويت اليوم، العدد رقم 1366 لسنة 27 ص10، وقد انصب الطعن على عدم دستورية المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم 63 لسنة 1980من المرسوم بقانون رقم 63 لسنة 1980 بتعديل احكام القانون رقم 18 لسنة 1969 بشأن تحديد أملاك الدولة خارج خط التنظيم العام.
  108. إبراهيم محمد حسنين، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الفقه والقضاء، مرجع سابق، ص 277.
  109. ماهر البحيري، الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية وفلسفة الحد من مداه، مجلة الدستورية (جامعة القاهرة، مصر، العدد الثاني، 2003) ص 49.
  110. المعهد الدولي لحقوق الإنسان، الدساتير العربية ودراسة مقارنة لمعايير الحقوق الدستورية، (نيويورك، مطبعة boyd printing company، 2005) ص 68.
  111. المرجع السابق، 113.
  112. القضية رقم 97 لسنة 32 قضائية دستورية، جلسة 5/12/2015، منشور بالجريدة الرسمية، العدد 50 مكرر (هـ)، في 16/12/2015،
  113. القضية رقم 54 لسنة 29 قضائية “دستورية”، جلسة 30/7/2017، منشور بالجريدة الرسمية، العدد رقم 31 مكرر (أ)، في 8/8/2017.
  114. الدعوى رقم 28 لسنة 17 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية” جلسة 2 ديسمبر سنة 1995م.
  115. محمد عوض، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه- جان دبوي للقانون والتنمية، ص 1052.
  116. الدعوى رقم 28 لسنة 17 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية” جلسة 2 ديسمبر سنة 1995م.
  117. القضية رقم 326 لسنة 23 قضائية “دستورية” جلسة 12 مايو سنة 2002.
  118. القضية رقم 19 لسنة 36 قضائية ” دستورية ” جلسة 7/5/2016م، منشور بالجريدة الرسمية، العدد 19 مكرر (أ) في 16/5/ 2016م.
العلامات: