اكتب أي شيء للبحث

Tags:

الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

كتاب الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية

الكاتب: أحمد الباز، باحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط.

دار النشر: العربي للنشر والتوزيع.

سنة النشر: أكتوبر 2018.

“إن عدوك الفعلي هو عقل عدوك، أما موارده وجيوشه وذكاؤه فيمكن تجاوزها جميعًا إذا استطعت فهم نقاط ضعفه، هذه هي نقطة العمى العاطفية التي يمكنك خداعه وتضليله والتلاعب به من خلالها، إن أقوى جيش في العالم يمكن دحره عبر تفكيك عقل قائده”.

تلخص المقولة السابقة ما يود كتاب “الثورة والحرب.. تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية” الصادر عام 2018 عن دار العربي للنشر بالقاهرة لمؤلفه أحمد الباز، الباحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، قوله عبر تسليط الضوء على واحدة من أكثر حِقب العلاقات الإيرانية الخليجية تعقيدًا، حيث يتتبع الكتاب تطور العلاقات منذ بَدء الثورة الإيرانية مرورًا بظروف تأسيس مجلس التعاون بالتوازي مع سيطرة رجال الدين المتشددين على مفاصل الحكم بإيران، وكذا اندلاع  الحرب العراقية الإيرانية وآثارها على العلاقات بين الطرفين الخليجي والإيراني، وانتهاءً بصعود هاشمي رفسنجاني فيما يُعرف بـ”صعود التيار الأقل تطرفًا في مؤسسة الرئاسة الإيرانية”.

الحالة السياسية لدول الخليج قبل عام 1979 

قبل ذلك التاريخ بنحو 100 عام أو أكثر كانت دول الخليج قد وقعت بشكل كامل تحت السيطرة البريطانية، حيث عُقدت العديد من المعاهدات بين مشيخات الخليج وبين بريطانيا، أهمها معاهدة “السلم العامة” عام 1820، حيث تم اعتبار هذه الاتفاقية جامعة لكل المعاهدات التي وُقعت من قبل، وبموجبها دخلت مشيخات الخليج في علاقات تعاهدية حصرية مع الحكومة البريطانية، وكان من أهم بنودها أن تتنازل المشيخات الخليجية عن إدارة شؤونها الخارجية للسلطات البريطانية، وأصبح الوضع السياسي لمشيخات الخليج متمثلًا في كونها أشبه بولايات تابعة للتاج البريطاني، ويحكمها المقيم البريطاني الذي اتخذ من البحرين مقرًا له منذ عام 1947.

أدت هذه السياسات البريطانية إلى انتفاء مفهوم “السيادة والسيطرة”، خصوصًا إذا علمنا أن الحاكم الخليجي كان يخضع للمساءلة أمام المقيم البريطاني إذا ما خالف توجهات التاج البريطاني، بالإضافة إلى تجريف المعرفة الخليجية فيما يخص أسس العلاقات الدولية.

يمكن إدراج عدة أمثلة لتأكيد انتفاء أي شكل من أشكال الاستقلالية الخاصة بمشيخات الخليج، فمنها على سبيل المثال:

في 27 نوفمبر 1913 يخاطب الشيخ “مبارك” المقيم البريطاني بخصوص النفط، قائلًا إنه لن يمنح أي امتياز نفطي إلا لشخص تعينه الحكومة البريطانية”. وفي مايو 1914 يتعهد شيخ البحرين بعدم استغلال النفط أو منح أي امتيازات نفطية لأي دولة قبل استشارة الحكومة البريطانية. وفي عام 1922 يتعهد شيوخ الساحل بأن يكون لبريطانيا اليد المطلقة في نفط إماراتهم، وجاء في الخطاب ليس بخافٍ عليكم أني أكتب هذه الرسالة بمحض إرادتي لأتعهد لسيادتكم بأنه إذا كان هناك ثمة أمل في أن يوجد في أراضيي منجم للبترول، فلن أعطي امتيازه لأحد من الأجانب اللهم لشخص تعينه الحكومة البريطانية”.

كما لم تهتم بريطانيا بقضايا ومشاكل الحدود بين دول الخليج وتركتها قنبلة موقوتة تنفجر في أي لحظة، وهي المشاكل التي ظلت تشكل حاجزًا معنويًا يعزز مبدأ التربص والتخوف من كل دولة خليجية للأخرى. فعلى سبيل المثال يمكن لمس حالة من التوتر والبرود في العلاقة بين بعض أعضاء دول مجلس التعاون الخليج العربية لاحقًا بسبب التوتر العسكري بين البحرين وقطر بمنطقة فشت الدبيل 1986، والمناوشات بين القوات السعودية والقطرية عند مركز الخفوس الحدودي بين البلدين.

مع نهاية الستينيات وتحديدًا عام 1968 كانت إنجلترا قد انسحبت من الخليج بموجب إعلان “هارولد ويلسون”، حيث تسبب الانسحاب البريطاني في انكشاف الخليج، وتحتم على حكامه أن يواجهوا العالم بمفردهم منذ هذه اللحظة، بعد أن كانت بريطانيا مسؤولة، على الأقل، عن الأمن الخارجي لهذه الإمارات، وتساءلوا من أين يبدؤون مواجهة العالم الخارجي وكيف يبدؤونها؟

وفي هذه الأثناء بدأت العديد من المناقشات غير الرسمية والرسمية بشأن أفضل الوسائل التي من الممكن اتخاذها لسد الفراغ الذي تسبب فيه الانسحاب البريطاني، وكون هذه الدول صغيرة الحجم فائقة الثروة فقد استقر يقين قادتها أن أفضل حل هو التجمع والاتحاد في تكتل واحد يجعل من دول الخليج الصغيرة كيانًا أوسع جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، بما قد يكبح أي طموح للقوى الدولية في فرض سيطرتها، بالإضافة إلى تمكن هذا التكتل الجديد من الدفاع عن أمن منطقة الخليج وثرواته، حتى تم الاستقرار على تأسيس “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

الحالة السياسية لإيران قبل عام 1979 

في الفترة السابقة للثورة الإيرانية، وتحديدًا منذ عام 1975، كانت إيران تموج بالعديد من المُتغيرات والأحداث التي ساهمت بشكل أو بآخر في إحداث زخم ثوري مع نهاية عام 1978، ليتم الإطاحه بنظام الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979) في عام 1979.

رسميًا، يتم استخدام مصطلح “الثورة الإسلامية الإيرانية” كتعبير عن ذلك الحراك الشعبي الذي بموجبه تم إسقاط حكم الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، وهو الاصطلاح الذي يعني من ضمن ما يعني بأن الثورة في إيران إنما قامت على أكتاف رجال الدين، ونجحت أيضًا على يد رجال الدين دون غيرهم.

إلا أن الراصد للتيارات التي كان يموج بها الشارع الإيراني قبل الثورة سيلاحظ أنها كانت تيارات يسارية أو غير دينية، إلا أن الظروف قد هيأت لرجال الدين القفز على حراك الشارع الإيراني وتحييد باقي التيارات والسيطرة على زمام الأمور، ليكون من السهل لهم لاحقًا الاستيلاء على السلطة في إيران.

كانت هناك العديد من الأسباب التي ساعدت التيار الديني في السيطرة على الثورة ونتائجها، أهمها:

  • 1-معاناة التيار اليساري وخصوصًا حزب تودة من تنكيل السلطة، بما ساهم في تشتته.
  • 2-استغلال رجال الدين لحرمة انتهاك المساجد أو حتى اعتقال آيات الله، لذلك كانت مقراتهم واجتماعاتهم تتمتع بحماية حتى استطاع رجال الدين السيطرة على كل أدوات الحراك والتفرد به.  
  • 3-إسهام التيار اليساري بشكل عام في دخول مفاهيم وأيديولوجيات حديثة في الفكر السياسي الإيراني، غير أن هذا الإسهام لم يعدُ عن كونه نقل تجارب ومفاهيم غربية إلى إيران دون السعى إلى تطويرها بحيث تتماشى مع واقع المجتمع الإيرانى، حيث إن عدم الفهم الحقيقي للمجتمع وعمق نفوذ الدين فيه وفقدان التحليل الصحيح للواقع وما أسفر عنه من تضاد بين الأيديولوجيا الماركسية والإسلامية وعدم المقدرة على التوفيق بينهما، قد أدى إلى فقدان التنظيمات الممثلة للتيار اليساري عامل الاستمرارية، فصب هذا الخطأ في مصلحة التيار الإسلامي الذي سارع لانتهاز هذه الفرصة خصوصًا في ظل الزخم الشعبي الذي بات الجميع متأكدًا أنه سينتهي برحيل الشاه، فرأها التيار الديني فرصة لتولي السيطرة، ومن ثم تولى الزعامة بعد إسقاط النظام، وهو ما حدث بالفعل.
  • 4-تتمتع المؤسسة الدينية في إيران بإمكانيات اقتصادية هائلة، وهذا الرخاء والنفوذ الاقتصادي يفسر لنا الأسباب التي جعلت رجال البازار(التجار) يؤيدون النداءات المتكررة لرجال الدين بالتصدي للشاه منذ نهاية 1970 نظرًا للعلاقات الاقتصادية بين رجال الدين ورجال البازار (التُجار)، مما شكل زخمًا بشريًا وتدعيمًا ماليًا لتحرك رجال الدين ضد نظام الشاه.
  • 5-نجح رجال الدين في الاحتفاظ بكامل قوتهم ونفوذهم بعيدًا عن تنكيل النظام، فابتعدوا جغرافيًا عن أماكن وجود النظام واستقروا في مدينة “قم”، ولم يدخلوا في معارك خاسرة مع النظام كما فعل اليسار، حتى جاءت لحظة الحسم التي أصبح نظام الشاه فيها جاهزًا للسقوط.

ظروف تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية

كان تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية إحدى المحاولات للشعور بالقوة وسد الفراغ الناجم عن الانسحاب البريطاني إلا أن هناك العديد من الملابسات التي يجب توضيحها أثناء فترة المشاورات بشأن الاستقرار على الحل والصيغة.

يمكن تعداد أسباب تأسيس مجلس التعاون، ومنها:

  1. عجز جامعة الدول العربية عن القيام بأي عمل يدافع عن المصالح العربية.
  2. التطلعات الدولية تجاه نفط الخليج، وعدم تمتع هذه الدول بالقوة الكافية للتصدي لهذه الأطماع، نظرًا لأنها تواجه معضلة “قوة الندرة وندرة القوة، وهي معادلة تعني توافر النفط الذي يجتذب الأطماع الدولية، وندرة القوة الكافية للتصدي لهذه الأطماع.
  3.   اندلاع الحرب العراقية الإيرانية1980- 1988، وما تقتضيه من ضرورة توحيد الجهود لدرء أي مخاطر محتملة.
  4.   بروز الدور العراقي في ظل تلاشي الدور المصري بعد حملة المقاطعة العربية للقاهرة عقب اتفاقية كامب ديفيد، وشعور هذه الدول الست برغبة عراقية في فرض الهيمنة عليها.
  5. الثوره الإيرانية التي لم تستطع أن تخفي رغباتها التوسعية تجاه الخليج.
  6. تخوف دول الخليج الكبرى (السعودية والكويت) من أن تصبح دول الخليج الصُغرى فريسة سهلة للاحتواء، سواء من قِبل إيران أو العراق أو إحدى القوى الدولية، التي ربما تحاول استغلال “الفراغ الاستراتيجي” الذي خلفه البريطانيون بعد انسحابهم.
  7. كانت بريطانيا قد خرجت من الخليج دون أي محاولة سابقة لاستغلال مداخيل النفط في تشييد بنية تحتية، فعشية الانسحاب البريطاني من الخليج كان حُكامه قد اكتشفوا أن بلادهم بلا مَرافق، الأمر الذي حتم عليهم “الانغلاق” والاهتمام أولًا بتشييد ما يلزم من مرافق لقيام دول حديثة ولتحقيق أقصى استفادة من الثروات الموجودة، وهذا لن يحدث في ظل التفاوت الاقتصادي ما بين دوله النفطية الغنية والدول الأقل غنى، والسبيل إلى ذلك هو تأسيس تحالف يوفر بعض الموارد للدول الأقل ثراءً.
  8.   كانت بريطانيا وقبل انسحابها من الخليج قد بدأت في تهيئة حكام المشيخات الخليجية المتناثرة بخطورة الفراغ الذي سيحدث حال الانسحاب، وضربت على وتر العصبية القبلية ودوره في تمرد مشيخات على أخرى، طالما أنه لا يوجد بينها مصلحة مشتركة، كما أنها لوحت إلى احتمال عودة اندلاع الصراع العربي الفارسي، والذي سينتصر فيه الإيرانيون في حالة عدم توافر القوة الخليجية المشتركة للعمل على التصدي للأطماع الإيرانية التي لم يتوقف شاه إيران في الإعلان صراحة عنها. وبذلك يمكن القول بإن بريطانيا حاولت قبل انسحابها من الخليج تحييد الأخطار الإقليمية وجمع إمارات الخليج في “اتحاد فيدرالي”؛ نظرًا لأن بريطانيا كانت جزءًا من منظومة التحالف الغربي في مواجهة السوفييت.

9-وصول الاتحاد السوفيتي إلى مشارف المياه الدافئة في الخليج عن طريق وجوده العسكري في أفغانستان، وسياسة الاحتواء السوفياتية في القرن الإفريقي واليمن الجنوبي، الأمر الذي ساعد على ازدياد معدلات القلق لدى دول الخليج ورفع من مستوى هواجسها الأمنية.

الموقف الإيراني من تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية

كان من الأهداف التي أعلنت عنها الثورة الإيرانية بعد أن تحولت إلى ثورة إسلامية إيرانية بقيادة أصولية دينية، تخليص دول الخليج المجاورة من أنظمة الحكم التي تتولاها، وبطبيعة الحال فإن فرض السيطرة والهيمنة على دول فرادى يكون أسهل من السيطرة عليها وهي تجتمع تحت مظلة اتحادية أو تعاونية واحدة.

لذا لم ترحب إيران بتأسيس المجلس، بل عدته مجرد حلف عسكري موجه ضدها وأداة لإبعادها عن شؤون المنطقة، وأنه خطوة للاندماج الاقتصادي والسياسي والعسكري سينتج عنه قوة إقليمية تتمتع بإمكانيات أكبر من التي تتمتع بها، ولقد نظرت إيران إلى قرار تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية على أنه قرار سعودي بمظلة خليجية، وأنه محاولة من الرياض للسيطرة وفرض النفوذ على دول الخليج الأصغر مساحة واقتصادًا.

كما توجست إيران ريبة من أن يكون للولايات المتحدة يد في قيام هذا المجلس، وكان خوفها يزداد كلما تمعنت في حجم الهوة التي كانت تتسع مع الأيام بينها وبين الولايات المتحدة منذ إسقاط الشاه واحتجاز الرهائن، ثم تهديد دول توفر النفط للولايات المتحدة والغرب

تصدير الثورة الإيرانية

مما لا شك فيه أن مجال إيران الحيوي في حركتها الثورية وأول مجالات اختبار مبدأ تصدير الثورة كان دول الخليج المجاورة، وذلك لأسباب استراتيجية وجيوبولتيكية، فكانت أولى المناطق لاستعراض العضلات الإيرانية فيها، خصوصًا أن آية الله الخميني عد النظم السائدة في تلك الدول نظمًا فاسدة أو منافية للتعاليم الإسلامية.

ولذلك أصابت سهام تصدير الثورة من أول من أصابت المملكة العربية السعودية ، وتلتها البحرين نظرًا للكثافة الشيعية هناك، ثم كانت قطر أقل بقليل نظرًا لعدم أهميتها الجيوبولتيكية والسياسية حينها، حيث تم ترحيلها في قاع هرم تصدير الثورة لتأخذ ترتيبها لاحقًا، أما الكويت فقد نالت نصيبها من عمليات التخريب خصوصًا أيام الحرب العراقية الإيرانية، بينما كان تصدير الثورة في دولة الإمارات أقل نظرًا لحاجة إيران لها كمنفذ اقتصادي وكمنطقة شحن وتفريغ للحصول على العديد من المنتجات، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران؛ لذا فضلت طهران ألا تستثير الإمارات بالإبقاء على العلاقات أكثر مرونة.

تعاملت إيران مع الكويت بنوع من الحدة أيضًا، حيث وصلت القطيعة بين البلدين إلى عدم مشاركة إيران في المؤتمر الخامس لرؤساء منظمة المؤتمر الإسلامي، نظرًا لانعقاده في الكويت 26-29 يناير 1987، وتبع هذا الرفض دفع آية الله الخميني لبعض الأفراد إلى الكويت سعيًا إلى كسب التأييد ونشر مبادئ الثورة في الداخل الكويتي، ولكن السلطات الكويتية طردتهم بعد مطالبتهم الحكومة بإطلاق سراح عدد من المتهمين بإثارة الفتنة الطائفية.

دور العامل الديني في تشكيل العلاقة بين إيران ومجلس التعاون 

استقر الحال في إيران بشأن تعريف المرجعية الفكرية للثورة الإيرانية بأنها ثورة إسلامية، خصوصًا بعد الإطاحة بكل التيارات السياسية الأخرى، واعتمد مُنظروها على هذا البعد الفكري في تبرير فرض السيطرة على كل بلاد المسلمين لإشاعة نهج الثورة الإسلامية فيها، باعتبار أنها ليست ثورة قُطرية إنما عالمية ذات طابع أيديولوجي فاعل وحساس.

ما يعني أن السياسة الخارجية الإيرانية باتت سياسة شمولية تعتمد على محددات دينية. وتأسيسًا لهذا التوجه فقد دعا آية الله الخميني إلى وضع المدينتين الإسلاميتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، تحت سيادة إسلامية مشتركة، كما طالب رئيس وزراءه “موسوي” عام 1984 بإرسال قوات من كافة الدول الإسلامية إلى مكة والمدينة لتحريرها من سيطرة “الوهابيين”، وفي يناير 1988 نظمت الحكومة الإيرانية مؤتمرًا عُقد في لندن للدعوة لنزع السيادة السعودية عن الحرميين الشريفين .

الحج السياسي ودوره في تشكيل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون

أطلق الخميني على موسم الحج –وفق ادعائه- مسمى الحج العبادي السياسي”، كمحاولة لضحض الفكرة الإسلامية القائلة بأن موسم الحج يتوجب أن يقتصر على جوانبه التعبدية فقط.

حيث انطلق آية الله الخميني في تعريفه للحج إلى القول بأنه ينقسم إلى نوعين: إبراهيمي أو محمدي، أميركي، أما عن الحج الأميركي، فهو استكمال للإسلام الأميركي الذي لا يتضمن إلا شكلًا ظاهريًا للمناسك دون أن ينطوي على محتوى مفيد، فهو أشبه –وفقًا لزعمه- بكونه سفرًا ترفيهيًا لمشاهدة القبلة وتكرار سلسلة من الألفاظ الفارغة من المعنى والحركات الخالية من المضمون. أما الحج “المُحمدي فهو ذلك النوع من الحج الذي يهدف إلى الارتفاع بشأن المجتمع الإسلامي من خلال كونه تجليًا للجهاد والشجاعة والشهامة والذكر والارتباط بالله ولقائه، فالبيت الذي أسس للقيام وهذا القيام للناس لا بدَّ من الاجتماع فيه لهدف كبير ، كما يدعو آية الله الخميني إلى أن يتحول المسلمون إلى الحج على النسق الإبراهيمي لتلتحق بركة أمة محمد بالأمة، وتكون يدًا واحدة في وجه المستكبرين.

كما أفاد المرجع الشيعي “حجة الله جوادي” –وفقًا لما يرى- بأن موسم الحج لا يتوجب أن يقتصر فقط على المظاهر التعبدية، بل يتوجب أن يشمل كل أمور الحياة التي من شأنها أن تساهم في إعادة بناء مفهوم الأمة الإسلامية. وهكذا تم إيجاد المبرر الديني والمرجعي للمسيرات التي طافت مكة للتنديد بالنظام الحاكم في السعودية.  

انتقلت السياسات الإيرانية إلى مرحلة غاية في التطور، عندما تم الإعلان عن ضرورة القضاء على حكم “آل سعود” وسحب سلطتهم عن الأراضي المقدسة، وأفردت إيران لهذه المرحلة العديد من الخطوات والأدوات، وهي:

  1. أعلن “علي أكبر هاشمي رفسنجاني” في تصريح له أنه إذا كان علماء المسلمين في العالم غير مستعدين لتقبل مسؤولية إدارة مكة المكرمة، فإن جمهورية إيران الإسلامية لديها الاستعداد للحرب من أجل تحرير هذا المكان المقدس”.
  2. تم عقد مؤتمر بجامعة طهران في 7 نوفمبر 1987 دار حول ضرورة “التصدي للمذهب الوهابي وفساد الحكومة في الحجاز”، حيث أوصى المؤتمر  بتشكيل مجلس من العلماء المسلمين والملتزمين بالإسلام الصحيح، على أن يكون من مهام عمله إدارة الحرمين الشريفين وخلع الحكومة السعودية من إدارة الحرمين وشؤون الحج، على أن ينتخب المؤتمر فردًا من كل مذهب من المذاهب الإسلامية الخمسة –باعتبار أن المذهب الجعفري الاثنى عشري هو المذهب الخامس– يتولون مسؤولية إدارة الحرمين الشريفين بعد موافقة الإمام الخميني.
  3. نظمت الحكومة الإيرانية في يناير 1988 مؤتمرًا عقد في لندن للدعوة لنزع السيادة السعودية عن الحرمين الشريفين.

دور الإعلام في تشكيل العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون

استقرت آراء رجال الدين في إيران حول أفضل السبل لتصدير الثورة عبر ضرورة تقديم إيران نموذجًا وقدوة لباقي الدول والشعوب الإسلامية، ويكون ذلك بالاستغناء عن القوة لصالح استخدام أدوات الدولة المختلفة لنشر رسالة الثورة، ومنها مكتب الجبهة التحررية لشبة الجزيرة العربية في طهران، والمؤتمرات والسفارات في الخارج، واستغلال موسم الحج لنشر تلك الأفكار الثورية، والاعتماد على السفارات والمراكز الثقافية الإيرانية حول العالم، باعتبار أن سياسة إيران في تصدير الثورة بالأساس سياسة ثقافية، وكذلك من خلال الاعتماد على جبهاتها السياسية في دول الإقليم، مثل: حزب الله في لبنان، وحزب الدعوة في العراق، وجماعة خط الإمام في الكويت.

اعتمدت إيرن على وسائل الإعلام في تصدير الثورة، فتم استخدام محطات الإذاعة في بث أفكار الثورة، وتشجيع التوتر السياسي في المناطق التي توجد فيها جاليات شيعية كبيرة، مثل: البحرين، والكويت، والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ولقد أدت الصحافة الإيرانية دورًا فاعلًا في مهاجمة حكام وملوك المنطقة، ووجهت النداءات لشعوب الخليج لخلع الملوك والمشايخ الفاسدين، وفق وصفها.

كما بدأ الإيرانيون بتوجيه العديد من البيانات التي يعلنون فيها أن الملكية لا تتفق مع الإسلام، وذلك مع توجيه نداءات للشعوب الخليجية خاصة الشعب السعودي للتمرد على حكامه.  

كما قدمت تأييدًا معنويًا وإعلاميًا للتظاهرات الشيعية بالسعودية في إقليم الأحساء عامي 1979 و1980، فيما اتهم وزير الداخلية السعودي، الأمير نايف بن عبد العزيز الإيرانيين بأنهم إرهابيو الخليج.

في 16 مارس 1979 شنت الإذاعة الإيرانية، التي تبث بالعربية من عبادان، هجومًا عنيفًا على البيت السعودي الحاكم، يتضمن الدعوة لتخليص الأماكن المقدسة من أيديهم، كما تضمن وصفًا وتشبيهًا لهم باليهود في السيطرة على فلسطين، وفي طريقة إدارتهم وحكمهم للأماكن المقدسة في مكة والمدينة، واعدًا بتحرير هذه الأماكن المقدسة وتحرير القدس أيضًا.

الجانب الأكبر من هذه السياسة الإعلامية تم توجيهها إلى المملكة العربية السعودية من خلال ما عُرف وقتها بـ”منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية”، ويبدأ البرنامج بالآية القرآنية (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، ويستمر البرنامج في قوله “عندما يكون لدى الناس ثقة بالنفس ومعنويات مرتفعة، فإنهم سيبدؤون بالمطالبة بحقوقهم ويواجهون سياسات النظام ونهجه، وهذا ما تخشاه الملكيات الفاسدة، لهذا فهم يعمدون إلى إضعاف معنويات الشعب وكرامته، ويضطهدون المواطنين من أجل منع الناس حتى من التفكير في المعارضة والمواجهة وإجبارهم على الخضوع للسلطات الحاكمة، هذه هي طبيعة الملكيات التي يرفضها الإسلام، هذا هو ما يعانيه شعبنا في الجزيرة العربية  تحت حكم آل سعود”.

الرؤية الإيرانية لأمن الخليج

يمكن إجمال الرؤية الإيرانية لإشكالية الأمن في الخليج من خلال الأبعاد التالية:

  • 1-أن مسألة الأمن في الخليج هي مسؤولية الدول الواقعة على شاطئيه، ومن ثم فإن أي منظمة أو نظام إقليمي فرعي لا بدَّ وأن تدخل إيران طرفًا فيه.
  • 2-ضرورة إبعاد القوى الخارجية والأجنبية عن قضايا الأمن في الخليج.
  • 3-إقامة نظام أمني تشارك فيه إيران، وإذا تمت الموافقة على هذا الاقتراح، فإنه يجب أن يكون لإيران فيه اليد العليا باعتبارها أكبر قوة إقليمية.
  • 4-الاستفادة من الأقليات الشيعية في دول مجلس التعاون لإقامة علاقات اقتصادية تستفيد إيران من خلالها في دعم أمنها الإقليمي.
  • 5-صبغ دورها الإقليمي بالطابع الإسلامي في الخليج، وذلك حتى تعطي هذا الدور المشروعية.
  • 6-تنظر إيران إلى مياه الخليج كمنفذ مهم وحيوي للتجارة العابرة التي تشارك فيها؛ لذا فإنها تسعى لجعل الدفاع عن مياه الخليج واجهة لمطالبها في ممارسة دور أكثر حيوية وفاعلية.
  • العوامل المساعدة التي انطلقت من خلالها إيران لتفعيل رؤيتها لأمن الخليج
  • 1-وجود الشيعة في دول مجلس التعاون يتيح الفرصة لوجود إيراني على الأرض تستطيع من خلاله أداء دور أكثر تطورًا وفاعلية.
  • 2-  استطاعت إيران وفي ظل الصراع بينها وبين دول مجلس التعاون أن تكتسب نفوذًا لدى دول عربية أخرى (سوريا، فلسطين)، الأمر الذى أدى إلى توفير مساحة من المناورة استطاعت من خلالها إضعاف تماسك القرار العربي فيما يخص منطقة الخليج.
  • 3- تسعى إيران إلى فرض صيغة أمن “إسلامية” مستغلة الفشل العربي في الوصول إلى صيغة أمن عربية شاملة، حتى اضطرت دول الخليج إلى بناء صيغتها المنفردة، الأمر الذي شجع إيران إلى استغلال جوارها الجغرافي وقوتها الإقليمية في مناوئة الصيغة الخليجية والعمل على إضعافها، كما رفضت الانخراط في أي اتفاقيات وترتيبات أمنية مع الدول من خارج المنطقة بما فيها الدول العربية، حيث جاهدت إلى إبعاد المفهوم العروبي من تعريفها لهيكل أمن الخليج والدول المشاركة فيه، كمحاولة لربط أمن الخليج بالجهة الآسيوية، ومن ثمَّ تكون إيران هي التي تحافظ على التوازن الأمني بين الخليج ودول وسط آسيا.
  • 4-عدم وجود سياسة موحدة لدى دول مجلس التعاون تجاه إيران، وهو الخلل الذي انتبهت له الأخيرة فسعت نحو استغلاله من خلال بناء علاقات ثنائية مع الدول الست كل على حدة، فهذه السياسة أفرزت حالة من عدم الاتفاق على رؤية أمنية واحدة تجاه إيران.

رؤية دول مجلس التعاون لأمن الخليج

في ظل انتشار الدعوات لتأسيس كيان خليجي منذ منتصف السبعينيات، يمكن القول إن الهاجس الأمني كان هو الدافع الرئيسي وراء هذه المحاولات، حيث تشكلت حينها حالة من القلق الخليجي جراء الانسحاب البريطاني من المنطقة، وهو ما يعني أن العديد من القوى ستعمل على تجهيز نفسها لسد الفراغ الناجم عن هذا الانسحاب، وعلى رأسها إيران الشاه بطبيعة الحال.

فعلى الرغم من أن بيان تأسيس المجلس أو مواده المختلفة وأهدافه تحاول الابتعاد كلما أمكن عن الإشارة إلى أن التأسيس جاء لاعتبارات أمنية، إلا أن المراقب لشؤون الخليج حينها سيجد أن خطاب دوله الرسمي مثقل بمفردات الأمن والسلم والاستقرار، ليأتي الأمن على رأس الأولويات للكيان الخليجي الوليد.

وكان من أهم النقاشات التي أخذت حيزًا واسعًا من النقاش على هامش اجتماعات الوزراء الخليجيين هو بحث موضوع الأمن الخليجي، وهو أمر غير معتاد، حيث كانت تترأس النقاشات السياسية والاقتصادية جدول الأعمال.

فقد أشار المجتمعون إلى أن بحث موضوع الأمن الخليجي قد أخذ هذا الاهتماملحماية هذا الجزء من العالم من أي تدخل أجنبي“، كما بحثوا على هامش اجتماعاتهم مشروعًا سعوديًا يستهدف توحيد القدرات العسكرية للدول الست“، مع الوضع في الاعتبار أن المشروع العماني كان يهدف إلى تشكيل قوة بحرية مشتركة يكون هدفها الأول هو حماية مضيق هرمز.

يمكن القول بوجود دافعين قد جعلا دول المجلس تنكر وجود هاجس أمني من وراء تأسيس مجلسهم هذا، وهما:

الأول: عدم الرغبة في استثارة إيران وتأكيد الفكرة التي يرددها أية الله الخميني في إيران بالقول إن المجلس قد أنشئ في هذا التوقيت بالذات ليكون حلفًا عسكريًا موجهًا ضد إيران.

الثاني: عدم الرغبة في تمرير رسالة خاطئة لصدام حسين بأن دول الخليج أسست المجلس بهدف مساندته في حربه مع إيران، أو بمعنى آخر حتى لا يعتقد صدام حسين بأنها موافقة غير مباشرة للاشتراك في الحرب العراقية الإيرانية 1980-.1988

وفي ذلك يقول أول أمين عام لمجلس التعاون، الدكتور عبد الله بشارة لقد ولدت منظومة مجلس التعاون على صوت هتافات الثورة الإيرانية ودانات مدافع الحرب العراقية الإيرانية، واكب هذه الولادة غياب متخصصين في الشؤون الإيرانية في الوقت نفسه الذي أصبحت إيران بالنسبة لدول المجلس عبارة عن لوحة سريالية تقترب من السوب أوبرا، فتشكلت بذلك كل مقومات التخوف والحذر من إيران الثورة وتبعات الحرب العراقية الإيرانية”.

قبل تأسيس المجلس كانت الدول الست ترى الأمن بنظرة إلى الداخل أكثر منها إلى الخارج، وذلك في ظل وجود الاحتلال البريطانى الذي كان يحافظ على الأمن الخارجي لهذه الدول، إلا أنه وبتأسيس مجلس التعاون سعت الدول الست إلى إعادة النظر في مفهومها للأمن في المنطقة، حتى توصلت إلى التعريف الجديد بأن أمن الخليج هو أمنها كدول، بالإضافة إلى حماية وتأمين الممرات المائية التي تعتبر الشريان الحيوي لنقل الطاقة، ولما لهذه الممرات من أهمية اقتصادية، فإن ضمان أمنها وحمايتها يكون بالاشتراك مع الجماعة الدولية ودول الخليج”.

الحرب العراقية الإيرانية

سعت دول مجلس التعاون للوقوف على الحياد في بادئ الحرب، فلم ترغب في تقديم الدعم للعراق في ظل رغبات توسعية لصدام حسين تجاه الخليج، وبالطبع لن تقدم الدعم لإيران، إلا أن مجريات الحرب وطول أمدها واقتراب الخطر من العمق الخليجي، لم يترك مفر سوى تقديم الدعم للعراق.

وبالفعل، انتظرت دول المجلس حتى انسحاب العراق من المناطق التي كان قد احتلها في إيران لتبدأ في خطط دعمها له، حتى لا يتم النظر إلى هذا الدعم وكأنه مساعدة في احتلال دولة لدولة أخرى، وهو أمر لم يكن للمجلس طاقة له، بالإضافة إلى أن دول الخليج وجدت في احتلال إيران لمدينة الفاو العراقية مبررًا لتقديم المساعدة له.

وفي هذه الأثناء قام صدام حسين بمناورة أخرى في محاولة لكسب صف الدول العربية والخليجية في الأيام الأولى لاندلاع الحرب في سبتمبر1980، عندما أعلن أنه لم يقاتل في هذه الحرب من أجله، وإنما يخوض حربًا عربية، ولا يدافع عن سيادته الإقليمية فحسب، وإنما عن سيادة الأراضي العربية بأكملها من السيطرة الفارسية المرتقبة.

ولإثبات حسن النوايا العراقية طرد صدام حسين أعضاء “منظمة الجبهة الشعبية لتحرير عُمان”، كما تعمد أن تتضمن تصريحاته عبارات المدح والثناء على دول المجلس التعاون، وكان من بينها “أنه يأمل أن يكون المجلس نواة للوحدة العربية الشاملة”.

بدأ الدعم السعودي الرسمي في تصريح الأمير نايف بن عبد العزيز “إن حرب العراق ضد إيران ليست دفاعًا عن الأرض والسيادة فقط، بل أيضا دفاعًا عن الأمة العربية بأسرها، ومن ثمَّ فإن السعودية تقف إلى جانب العراق في مواجهة الخطر الموجه ضد العرب”.

بينما سعت الكويت لتمرير رسالة أنها ستقوم بكل ما من شأنه لإنهاء هذه الحرب، وأنها ستقف على الحياد، وطالبت الطرفين المتصارعين بوقف القتال.

فقد أعلن ولى العهد الكويتي ورئيس الوزراء أن “الكويت تصر على إنهاء الحرب، وهي مستعدة لبذل أي نوع من المساعي لإيجاد حل عادل يرضي الجارتين”

إلا أن الأحداث باتت أكثر سخونة وتهديدًا للكويت، حيث أكد الوزير الخارجية الكويتي، صباح الأحمد تخوف بلاده من نوايا إيران، خصوصًا مع زيادة حجم التهديدات العسكرية الإيرانية، حيث قال الإيرانيون ليسوا بعيدين من الكويت، اذهب إلى “بوبيان” ويمكنك أن تراهم بأم عينيك، هذا الوضع طبعًا يشكل خطرًا على الكويت”.

بدأت دولة الكويت في تقديم الدعم الكامل للعراق في محاولة لتقويض التهديدات الإيرانية، حيث سمحت للطائرات العراقية بأن تطير عبر الأجواء الكويتية من منطقة خور العبدالله.

وكان أول هجوم إيراني على الكويت بشكل خاص وعلى مجلس التعاون بشكل عام هو الذي وقع في الثاني من نوفمبر 1980، عندما هاجمت طائرة إيرانية مركز الحدود الكويتي في “العبدلي”.

وبدأت إيران باستهداف ناقلات النفط المارة في الخليج، فيما عرف بـ”حرب الناقلات”، حيث وقع أول هجوم في مياه الخليج في الأول من أكتوبر 1981، وذلك عندما تعرضت مصفاة “أم العيش” بالكويت لغارة جوية من قبل الطائرات الإيرانية، وفي أغسطس من العام نفسه اعترضت البحرية الإيرانية عند مدخل مضيق هرمز السفينة التجارية (ال. أس. كت) وهي في طريقها إلى الكويت محملة بإمدادات عسكرية للعراق، وسحبتها إلى ميناء بندر عباس.

وفي 13 مايو 1984 قصفت طائرة إيرانية ناقلة النفط الكويتية “أم قصبة” قبالة السواحل السعودية، وفي اليوم التالي قصفت الناقلة بحرة”، والناقلة السعودية مفخرة ينبع في ميناء رأس تنورة السعودي، وهي محملة بحوالي 210 ألف طن.  وفي 10يونيو من العام نفسه تم الهجوم على الناقلة الكويتية “كاظمة”.

وفي 25 نوفمبر 1986 هاجمت طائرات الفانتوم الإيرانية منشآت نفطية في حقل “أبو البخوش” البحري، الهجوم الذي أسفر عن سقوط 5 قتلى و24 جريحًا.

وفي بداية عام 1987 أصيبت سبع ناقلات كويتية من بين 289 هجومًا على سفنها منذ بداية “حرب الناقلات”، كما ألقت إيران صاروخًا على جزيرة “فيلكة” الكويتية القريبة من شبه جزيرة الفاو، وفي 16 مايو من العام نفسه أصيبت ناقلة النفط السوفيتية “مارشال شايكوف حمولة 86 ألف طن أثناء عبورها بالقرب من ميناء الأحمدي بالكويت نتيجة ألغام زرعتها القوات البحرية الإيرانية في مياه الميناء. وفي 24 يوليو 1987 قصفت إيران ميناء الأحمدي الكويتي، وفي 19 من الشهر التالي اكتشفت خمسة ألغام بالقرب من سواحل إمارة الفجيرة التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، كما هاجمت البحرية الإيرانية سفينة من ليبريا بالقرب من سواحل إمارة الفجيرة.

كان شهر سبتمبر 1987 واحدًا من أحلك الشهور التي شهدها مجلس التعاون الخليجي، فقد أصاب الإيرانيون سفينة إسبانية أمام سواحل البحرين، وسفينة لكوريا الجنوبية أمام سواحل دبي، ويابانية جنوب مضيق هرمز، ويابانية أمام سواحل السعودية، وقبرصية أمام سواحل الشارقة، كما اصطدمت الناقلة الكويتية الأميركية “برينغتون” بلغم بحري إيراني قرب جزيرة فارسي الإيرانية.

وفي 15 أكتوبر 1987 تمت إصابة السفينة الأميركية “سي أويل سيتي” بصاروخ إيراني وهي رابضة في ميناء مدينة الكويت، وفي اليوم نفسه أطلقت إيران من شبه جزيرة الفاو صاروخ “سيلك وورم” على ناقلة نفط كويتية كانت راسية في ميناء الأحمدي، أتبعته بقصف ناقلة تحمل العلم الأميركي في اليوم الثاني شرق ميناء الأحمدي، وفي 25 من الشهر نفسه تعرضت الفرقاطة الأميركية “صامويل روبرتس” للدمار جراء لغم إيراني استهدف طريقها.

كما استخدمت إيران صواريخ “سيلك وورم” في الهجوم على ثلاث سفن أميركية في الخليج وناقلة سعودية في 14 أبريل 1988، كما لغّمت إيران الممرات المائية المؤدية إلى نفط الإمارات، وهاجمت مواقع الإنتاج في إمارة الشارقة عام 1988.

عملت دول المجلس على استدعاء حماية القوى العظمى، حيث طلبت الكويت من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي تقديم الحماية لسفنها من خلال استخدام آلية “رفع الأعلام”، فوافق الاتحاد السوفيتي بشرط أن تقدم الكويت قرضًا لمصلحة بنك الاتحاد السوفيتي بمبلغ 20 مليون دولار، كما انضمت الولايات المتحدة هي الأخرى بسرعة لحلف “الأعلام”.

ولهذا الغرض أسست شركة (Chesapeake Shipping) الأميركية ومقرها ولاية ديلاوير، لتكون بمثابة مالك للناقلات الكويتية التي رفع العلم الأميركي عليها، لتسجل أول ناقلة نفط كويتية لديها وهي ناقلة النفط “الرقه” بسعة 400 ألف طن، والتي غُير اسمها إلى ” بريدجستون” ، كما أجرت “القيادة الوسطى الأميركية” ((CENCTOM العديد من المهام لإزالة الألغام الإيرانية في مياه الخليج في الجانب الكويتي. 

في 21 يوليو 1987 بدأ رفع العلم الأميركي فوق ناقلات النفط الكويتية، وتولت البحرية الأميركية حراسة قوافل النفط في الخليج بواسطة مدمرة وطرادين وأربع فرقاطات، وانضمت لاحقًا بريطانيا لهذه الحملة بأربعة فرقاطات إلى جانب مدمرتين فرنسيتين، وتلا ذلك تطهير الممرات البحرية الخليجية من الألغام ، كما أرسلت كل من هولندا وبلجيكا كاسحتي ألغام إلى الخليج في سبتمبر 1987، بينما أرسلت إيطاليا 8 سفن حربية من بينها 3 كاسحات ألغام و3 فرقاطات، وفي الشهر نفسه أرسلت واشنطن وحدة من القوات الخاصة إلى الخليج، وبدأت متابعة أية سفينة إيرانية ترص الألغام باستخدام الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع SR-71 والهليوكبترات، وتصاعدت المواجهة الإيرانية الأميركية في الخليج التي استفاد منها العراق عمليًا، فقد قصفت سفن السطح الأميركية منصة بترول إيرانية في جنوب الخليج في أكتوبر 1987، ودمرت قوات البحرية الأميركية الخاصة منصة أخرى، الأمر الذي أرهق إيران بعد تورطها في معركة بحرية دولية ممتدة وواسعة، وربما كانت من أهم أسباب قبول إيران لقرار وقف إطلاق النار.

يمكن القول إن الولايات المتحدة قد استثمرت الحرب إلى أبعد الحدود؛ نظرًا لأنها فرصة ذهبية لتوسيع النفوذ الأميركي في الخليج خصوصًا والشرق الأوسط عمومًا في ظل وجود المبررات التي تسهل هذا التوسع، بالإضافة إلى تشجيع قيام نظام أمني خليجي ذي علاقة وثيقة بخططها الأمنية والدفاعية.

بدورها انتقلت دول مجلس التعاون إلى مستوى أكثر تقدمًا في المواجهة أو الجاهزية العسكرية، حيث أسست القوة الخليجية العسكرية التي عُرفت باسم “درع الجزيرة” – وهي قوة برية فقط- في فبراير 1982 على أساس أن تقوم بمهام الردع السريع في حالة تعرض أي من الدول الست لأي تهديد عسكري، أو وقوع اضطرابات داخلية، حيث تمركز هذا الجيش الصغير (12 ألف جندي) في مدينة الملك خالد بن عبد العزيز العسكرية في حفر الباطن بالسعودية، ويقود هذه القوات قائد سعودي على أن يكون نائبه كويتيًا، على أن تقوم في كل عام بمناورات مشتركة بين الدول الأعضاء في المنطقة.

الاستنتاجات

يرصد المؤلف العديد من الاستنتاجات، وهي:

1- العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليج العربية تندرج تحت توصيف “الفعل ورد الفعل”، كانت إيران دائمًا في موقع “الفاعل”، بينما كانت دول مجلس التعاون في موقع “المفعول به”، والسبب في ذلك أن إيران كانت طيلة تسع السنوات (1979-1989) مازالت تحت تأثير الزخم الثوري الموجه بالأيديولوجيا، بينما كانت دول مجلس التعاون تعاني ضعفًا على مستوى الهياكل السياسية، فلم تستطع القيام بدور الفاعل، أو كانت تتحرك دائمًا نحو المواجهة مع إيران بعد أن تتحرك إيران هي نحوها، ويتضح ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

2-لا يعني أن ست دول خليجية قد انخرطت في تكتل سياسي تحت مسمى “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، أنها قد باتت موحدة الرؤى بشأن سياساتها الخارجية، حيث نستطيع أن نلحظ عدم وجود رؤية سياسية موحدة لدى هذه الدول تجاه إيران، حيث اختلفت العلاقات بين إيران وبين كل دولة من هذه الدول حسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية، وهو الخيط الذي التقطته إيران بدورها وساهمت في تعميقه وجعله نمطًا لعلاقاتها مع دول المجلس، وهو ما يعرف بـ”نمط العلاقات الثنائية”.

3-سيظل “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” يصطدم بعوائق سياسية واجتماعية تُعيق طريقه نحو الانتقال إلى صيغة الاتحاد، فاتفاقية العملة المشتركة لم يتم التوقيع عليها نظرًا لعوائق سياسية وسيادية، والاتفاقية الأمنية احتاجت نحو 30 عامًا للتوقيع عليها. وبذلك تُضيع هذه الدول الست فرصة ذهبية للوصول إلى حالة أكثر التحامًا وما ينتج عن ذلك من تغير في توجهاتها السياسية الخارجية، فتستطيع قطع الطريق على كل من يحاول استغلال هذه الحالة اللاتعاونية المتصدعة، وإحداث حالة من التوازن بينها وبين قوة إقليمية كإيران.

للإطلاع على النسخة المصورة(PDF) إضغط هنا

العلامات: