اكتب أي شيء للبحث

ضرورة التقنين.. قراءة في تضارب تراخيص مراكز الفكر العربية

مشاركة

 مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

مقدمة

تعد مراكز الفكر البوصلة التي تضع الدول على طريق التقدم والتنمية بما تجريه من دراسات وأبحاث، وبما تستخلصه من نتائج دقيقة وبما تقدمه من توصيات سواء لصناع القرارات أو لأي جهة أخرى، وقد تنبهت الدول الغربية لهذه الحقائق منذ أمد بعيد، فأنشأت العديد من مراكز الفكر المتنوعة بها لأغراض مختلفة داخليا وخارجيا، وقد كان لهذه المراكز بالغ الأثر في نهضة هذه الدول، وفي تأثيرها المتعاظم على العالم الخارجي بما تقدمه لها من توصيات صائبة تؤثر في سياستها الداخلية والخارجية، أو توجيهها للرأي العام العالمي بما تملكه من أدوات تتيح لها ذلك. أما بالنسبة للدول العربية، فلا تحظى هذه المراكز بالاهتمام المطلوب سواء من حيث إنشاؤها أو الأخذ بتوصياتها، مما يعرقل في كثير من الأحيان الدور الذي من المفترض أن تؤديه لخدمة الدول العربية.

أولا: الفجوة التشريعية والقانونية لدوائر البحث العلمي العربية

هناك فجوة كبيرة بين مراكز الفكر العربي من جهة وبين المشرعين وصانعي القرار العربي من جهة أخرى، كما أن غياب بيوت الخبرة البرلمانية ساهم في تعميق هذه الهوة، وهذا ما سنستعرضه على النحو التالي:

1-غياب ثقافة صناعة القرار لدى المشرع العربي

تعد عملية صناعة القرار عصب العملية الإدارية، وتعتمد فاعلية صنع القرار على مدى دقة المعلومات التي يرتكز عليها، وعلى سلامة الخطوات التي يمر بها والتي تختلف باختلاف شخصية متخذ القرار والنمط القيادي الذي يتبناه، وباختلاف الظروف التي يتخذ فيها القرار سواء كانت طبيعية أو صعبة أو خلال أوقات الأزمات والكوارث.

ولما كانت القرارات الصائبة من أهم عوامل تميز المؤسسات الإدارية والاقتصادية على السواء بل من أبرز مقومات ومتطلبات تحقيق التنافسية والجدارة، فإنه يتعين مراعاة الإطار القانوني لتلك القرارات من جانب صانع القرار هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضرورة إلمام المشرع العربي بآلية صناعة القرار حتى يتمكن من وضع قوانين تعين صانعي القرار على اتخاذ ما يرونه مناسبا لتحقيق الهدف المنشود، ولذا فإن عدم وجود تناسق وتناغم بين صانعي القرار والمشرعين يؤدي إلى صناعة قرارات مخالفة للقوانين أو قرارات غير صائبة، لأنها وضعت في إطار قوانين منبتة الصلة عن مبتغاها.

وتعد مراكز الفكر حلقة الوصل بين المشرع العربي وبين إدراكه بعوامل صناعة القرار، وترتب على عدم وعي المشرع العربي بأهمية مراكز الفكر في هذه النقطة وغيرها أن نظرته إليها أصبحت نظرة شديدة السطحية باعتبارها ليست أكثر من مجرد رفاهية سياسية أو استكمالا للديكور المحلي على المسرح الدولي، مما انعكس في عدم الاهتمام بوضع قانون واحد ينظم شؤونها.

2-غياب ثقافة دعم مراكز الفكر العربية لصانعي القرار والمشرعين

فلكي تحقق المراكز الفكرية أهدافها المأمولة لا بد من ربطها بأرض الواقع، فإذا كان ما ينتجه الباحثون في هذه المراكز غير صالح للتطبيق عمليا فلا فائدة مرجوة منها، فكثير من الباحثين في مراكز الفكر العربية تنقصهم ثقافة صناعة القرار ومن ثمّ فلن يستطيعوا إمداد صانعي القرار بما يخدم عملهم، كما أن كثيرا منهم تنقصه ثقافة صناعة القوانين ولذا لن يستطيعوا إمداد البرلمان أو نوابه بما يساعدهم في إجراء العملية التشريعية، فلكي ترتبط الأبحاث بالواقع لا بد من الدراسة الكافية لكل باحث في مجال تخصصه سواء أكانت هذه الدراسة نظرية أم عملية، حتى يصبح إنتاجهم البحثي قابلا للتطبيق على أرض الواقع، ولتكون حينها هذه المراكز رافدا للمشرعين وصانعي القرار على السواء.

3-غياب ثقة المشرعين وصانعي القرار في مراكز الفكر العربية

ترتب على ضعف مراكز الفكر العربية ضعف معظم إنتاجها ومن ثمَّ عدم ثقة صانعي القرار والمشرعين في توصياتها، فهي إما أن تكون بعيدة عن أرض الواقع وغير صالحة للتطبيق، وإما أن تتصف بالتحيز وعدم الحيادية، وإما أن تكون موجهة تخدم وجهة نظر معينة، فكل هذه الأسباب وغيرها أدت إلى عدم اقتناع كل من المشرعين وصانعي القرار بهذه المراكز وعدم الأخذ بما تنتجه من معالجات وتوصيات.

4-غياب بيوت الخبرة البرلمانية

يعد غياب بيوت الخبرة البرلمانية بالوطن العربي أحد عوامل تضارب القوانين المنظمة لمراكز الفكر فيه، فبيوت الخبرة البرلمانية تمد البرلمانات بما تحتاجه من دراسات وأبحاث في شتى المسائل عن طريق متخصصين يعملون بها مما يخفف العبء على أعضاء البرلمانات، كما أنه يمدهم بدراسات أكثر عمقا ودقة حول المسائل المختلفة، كما أنها تعد حلقة وصل بين البرلمانات والباحثين في مراكز الفكر، ولا شك أن وجود تلك المؤسسات سيكون له بالغ الأثر في القضاء على ظاهرة الفوضى التشريعية المتعلقة بمراكز الفكر العربية عن طريق تقديمها لنظام قانوني موحد يحكم تلك المراكز، وينأى بها عن تضارب القوانين والأنظمة القانونية التي تحكمها.

فعن طريق بيوت الخبرة البرلمانية يمكن إجراء دراسة متخصصة حول مراكز الفكر والوقوف على آليات العمل الخاصة بها وأنسب القواعد القانونية لحكمها، ومن ثمَّ تقديم نظام قانوني منضبط لأعضاء البرلمان يحكم تلك المراكز، وبإقراره وإصداره يتم القضاء على تلك الفوضى التشريعية لهذه المراكز.

ثانيا: تباين تقنين مراكز الفكر العربية

من ضمن العوامل التي أدت إلى حدوث تضارب لمراكز الفكر العربية عدم وجود جهة واحدة لمنح تراخيصها، مما أدى إلى مجموعة من العوامل السلبية، ونتناول هذه النقطة بشيء من التفصيل على النحو التالي:

1-تعدد الجهات المانحة لتراخيص مراكز الفكر في بعض البلدان العربية

لا توجد جهة واحدة لمنح التراخيص لمراكز الفكر في الدول العربية، بل الأمر يختلف من دولة لأخرى، ففي الجزائر مثلا تُمنح تراخيص مراكز الفكر من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو من الوكالة الفضائية الجزائرية أو من محافظة الطاقة الذرية، أما في فلسطين، فتمنح التراخيص لتلك المراكز من وزارات الداخلية أو الثقافة أو الإعلام، بينما في الكويت وسوريا تمنح التراخيص من قبل وزارة الإعلام، وفي المملكة العربية السعودية تمنح التراخيص لهذه المراكز من قبل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وزارة الشؤون الاجتماعية، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تمنح التراخيص من قبل هيئة تنمية المجتمع، وفي العراق من وزارة البحث العلمي والتعليم العالي، ونستعرض في الجدول رقم (1) بعض الجهات المانحة لتراخيص مراكز الفكر في بعض الدول العربية (وفقا للمسح الأولى) وبيان أوجه التضارب في الأنظمة القانونية الخاضعة لها.

جدول رقم (1): بعض الجهات المانحة لتراخيص مراكز الفكر في بعض الدول العربية

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو ضرورة-التقنين-انفوجراف-1.jpg

من الملاحظ وجود وزارات ليس لها علاقة بمراكز الفكر تختص بإصدار تراخيصها في هذه الدول، ففي فلسطين مثلا نجد وزارتي الداخلية والإعلام، وفي سوريا نجد وزارة الإعلام، وفي السعودية نجد وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية والشؤون الاجتماعية، وفي الإمارات نجد هيئة تنمية المجتمع، وفي جمهورية مصر العربية نجد وزارات التضامن الاجتماعي والثقافة والاستثمار، وهذا يؤدي إما إلى التضيق في إصدار تراخيص تلك المراكز أو التساهل في إصدارها، حيث إن هذه الجهات ليست متفهمة بالقدر الكافي لطبيعة وأهمية عمل المراكز البحثية، مع أنه من المنطقي جعل الوزارة الوحيدة المختصة بمنح التراخيص لمراكز الفكر هي الوزارة المختصة بالبحث العلمى في كل بلد.

كما أنه من الملاحظ أيضا عدم وجود قانون مستقل ينظم عمل مراكز الفكر في الدول العربية، فكل مركز يخضع لقانون الجهة التابع لها، فضلا عن عدم وجود جهة واحدة تنعقد مسؤوليتها القانونية إزاء تجاوزات تلك المراكز، فقد تنشأ هذه المراكز مستقلة غير تابعة لأي جهة، أو ترتبط بجهات مختلفة سواء بجمعيات خيرية أو حزبية أو منظمات مجتمع مدني، وقد تأخذ شكل شركة مدنية وتخضع للقوانين المنظمة لتلك الكيانات في الغالب، وهذا ما يتسبب في كثير من المشاكل والتضارب، فهناك فوضى في مراكز الأبحاث المنتشرة في الوطن العربي بالرغم من قلة عددها، وهذه تعد مشكلة أخرى من ضمن المشكلات التي تواجهها هذه المراكز، والتي سبق عرضها، والمتمثل أهمها في غياب الاستقلالية وقلة التمويل وهجرة العلماء والباحثين ونقص الكوادر المدربة والمؤهلة للعمل بها، بالإضافة إلى عدم دقة الإحصائيات التي تصدرها هذه الأبحاث، ومن ثمَّ عدم الاعتماد عليها من جانب صانعي القرار.

فأي كيان يمكنه إنشاء مركز أبحاث تحت أي ستار سواء حزبي أو خيري أو مجتمع مدني وبالتالي يجري دراسات وأبحاث كما يحلو له، وقد يرسلها إلى جهات معادية تضر بمصالح الدولة المرسل منها، لذلك يجب وضع حد لهذا الأمر بعدم تسهيل إنشاء مثل هذه المراكز خارج الأطر الحكومية إلا بضمانات وقواعد محددة تحول دون إمكانية تحويلها إلى مصادر للتجسس والإضرار بمصالح البلاد، خاصة وأن أي معلومة صغيرة قد تحصل عليها هذه المراكز وترسلها إلى طرف خارجي قد تعود بالضرر على البلد المرسل عنه تلك المعلومة.

كما ينبغي إنشاء هيئة مستقلة تخضع لها جميع المراكز البحثية المستقلة التي تنشأ خارج الأطر الحكومية، وتكون هي الجهة الوحيدة المختصة بإصدار التراخيص لها بعد التحقق من الغرض الحقيقي لتلك المراكز، وتكون أيضا الجهة المخولة قانونا بالتحقيق في حالة انحراف هذه المراكز البحثية المستقلة عن الغرض الذي أنشئت من أجله، وأن تكون لها صلاحيات تمتد لتشمل إمكانية إلغاء تراخيص هذه المراكز وإغلاقها إذا تبين لها إضرارها بمصالح البلاد المنشأة فيها، مع وضع ما يحول دون انحراف تلك الهيئة عن هدفها وتحويلها إلى وسيلة لقمع تلك المراكز والحد من استقلالها.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو ضرورة-التقنين-انفوجراف-2.jpg

كما يجب وضع قانون مستقل خاص بمراكز البحوث والدراسات غير التابعة لأي جهة حكومية تخضع له ويخضع له جميع أفرادها، ويشمل كل ما يختص بتلك المراكز بداية من شروط الحصول على تراخيص إنشائها ونهاية بسحب تلك التراخيص وإغلاقها ومسؤولية العاملين فيها في حالة انحرافهم عن الهدف المعلن لتلك المراكز.

كما يجب وضع شرط بضرورة معرفة مصادر تمويل مراكز الأبحاث والدراسات التي تنشأ بصفة مستقلة أو تلك التابعة لجمعيات خيرية أو أحزاب أو منظمات مجتمع مدني، وهذا الأمر يحول دون التمويل الخارجي لإنشاء مراكز مشبوهة.

ويجب كذلك الاقتصار على إنشاء مراكز الأبحاث الوطنية والباحثين الوطنيين للحيلولة دون تسلل أي عنصر أجنبي سواء في صورة مركز بحثي أو باحث يضر بمصالح البلاد، وذلك بحظر قانوني لإنشاء مراكز الأبحاث الأجنبية، أو أن يعمل بمجال الأبحاث عناصر أجنبية، حيث إن هؤلاء جميعهم قد يكونون عناصر للتجسس.

ثالثا: تقنين مراكز الفكر.. التحديات والفرص

تواجه مراكز الفكر العربية عددا من التحديات، أهمها قلة الإنفاق في ميدان البحث العلمي مقارنة بمثيلاتها في الدول المتقدمة، إذ لا تخصص الدول العربية أكثر من 0.8% من دخلها القومي للبحث العلمي سنويا كحد أقصى، في المقابل ينفق الاحتلال الإسرائيلي نحو ما يقارب 4% من إجمالي ناتجه المحلي لتمويل الأبحاث العلمية، أمَّا في الصين واليابان والولايات المتحدة فالأمر تحول إلى إحدى ركائز قوة هذه البلدان عالميا، حتى إن مدينة واشنطن وحدها تضم 397 مركزا بحثيا، أي أكثر من عدد المراكز القائمة في الدول العربية مجتمعة([1]). وهو يمثل تحديا يتعين مواجهته إما بتخصيص نسبة أكبر من الدخل القومي للدول العربية للبحث العلمي وإما إيجاد موارد لتمويل المراكز الحكومية، وكذلك تشجيع مراكز الفكر الخاصة. كما أن غياب الاستقلالية عن هذه المراكز أفقدها الكثير من الحيادية والموضوعية في إنتاجها العلمي، فنسبة كبيرة منها تابعة لجامعات حكومية، ولذلك لم تتبوّأ مراكز الأبحاث العربية مكانها الحقيقي، ولم تشارك في صنع القرار في بلادها أو في تقديم الدراسات والتوصيات اللازمة، وبدت غير مؤثرة في عملية التنمية المجتمعية بكافة أبعادها بسبب ما يحيط بها من معوقات وصعوبات، بالإضافة إلى عدم تكليفها بهذه المهام بحكم طبيعة الحياة السياسية في الدول العربية، وبُعدها عن العمل المؤسَّسي المعمول به في الدول المتقدمة ([2]).

وهذا يمثل تحديا يتعين مواجهته أيضا بمنح هذه المراكز استقلالية كاملة في العمل لا يحدها سوى عدم الإضرار بالأمن القومي، وهو ما ستتولد عنه فرصة متمثلة معالجة مواطن الخلل والقصور في كافة المجالات التي توجه إليها هذه المراكز أبحاثها، حيث ستضع الأمور كاملة من كافة الجوانب، إيجابياتها وسلبياتها، أمام صانع القرار مما سيعينه على اتخاذ الصائب من القرارات.

بالإضافة إلى عدم وجود قانون موحد بمعظم الدول العربية تخضع له هذه المراكز أو جهة موحدة تمنحها تراخيص عملها كما استعرضنا سابقا، وهو يمثل التحدي الأبرز لتلك المراكز، حيث إن بعض الجهات التي أوكل لها المشرع منح التراخيص لمراكز الفكر قد لا تكون مؤهلة بحسب تخصصها للقيام بتلك الوظيفة ولا تعي أهمية المراكز البحثية، مما ينعكس بالسلب إما بالتضيق في منح التراخيص لتلك المراكز أو التساهل غير المبرر في منحه، وهذا التحدي يجب مواجهته بوحدة الجهة الخاضعة لها تلك المراكز بكل دولة عربية، وهو ما يمثل فرصة للقضاء على فوضى المراكز البحثية. ولا شك أن هناك مراكز فكر عربية أفضل من غيرها، لكن تبقى البنية الأساسية للبحث العلمي في الدول العربية بشكل عام ضعيفة.

ويمكن تلخيص أسباب ضعف معظم مراكز البحوث والدراسات في الدول العربية فيما يلي:

  • أ –  عدم ثقة صانعي القرار السياسي العربي في هذه المراكز وما يمكن أن تقدمه من منافع استراتيجية.
  • ب –  قلة الإنفاق في ميدان البحث العلمي في الوطن العربي والذي يتراوح ما بين 0.14% و 0.36% من الدخل القومي العربي، في حين يبلغ في الدول المتقدمة من 0.18 إلى 3%، والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية هما الدولتان الأكثر إنفاقا.
  • ج –  عدم اهتمام الجامعات العربية بمراكز البحوث والدراسات بخلاف الجامعات الغربية التي تزخر بمراكز بحوث عالية المستوى.
  • د – عدم الاهتمام والعناية بالعلماء والباحثين العرب مما تسبب في هجرتهم وعملهم في مراكز الأبحاث الغربية.
  • ه – ضعف السياسات المتعلقة بالبحث العلمي في الدول العربية مما أدى إلى نتائج سلبية على التعليم والبحث العلمي.
  • و – مشكلة التمويل: كثير من مراكز البحوث العربية لديها مشروعات كبيرة، ولكنها تعاني من مشكلة العجز المالي، وهذا ما يدفعها إلى الاعتماد شبه الكامل على الدعم الحكومي، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يسهم بدرجة كبيرة في دعم وتمويل مشاريع البحث العلمي، فمن المعروف أن ما يقرب من 70% من ميزانية الإنفاق على البحث العلمي في الولايات المتحدة تأتي من القطاع الخاص، ويمكن الاستفادة من نظام الوقف الإسلامي لإيجاد عائد مادي كبير ومستمر، وحث رجال الأعمال على دعم هذه المراكز، كما يمكن إنشاء مراكز بحوث عربية في الغرب والاستفادة من المراكز الموجودة بحكم تمتعها بالعيش في مجتمعات متقدمة، وهذه قد تكون أكثر فائدة لنا من المراكز الموجودة في الوطن العربي لسهولة مشاركة الباحثين فيها في الندوات والأبحاث التي تجرى هناك، مما يساعد في تقديم صورة صحيحة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية ويرد على كل من يحاول الإساءة إليها.
  • ز- التخلف العلمي والاقتصادي والقصور في مواكبة العلم والتقنية والتكنولوجيا والعمل على استيعابها وانعدام توافر وسائل البحث العلمي والتقني من الأجهزة والمواد والمعدات والقوى التقنية المساعدة والخدمات التوثيقية المتطورة([3]).

وترتب على ضعف المراكز البحثية في الدول العربية عدم مصداقية المنتج البحثي الذي تقدمه هذه المراكز، فالأرقام والإحصائيات التي تقدمها عن قضايا هامة، مثل: نسب البطالة والفقر والأمية في المجتمعات العربية، ليست دقيقة بالقدر الكافي لفهم عمق المشكلة واقتراح الحلول المناسبة لها([4]).

1- مراكز الفكر في الدول العربية.. الإيجابيات والسلبيات

أ- إيجابيات مراكز الفكر العربية

تعدُّ مراكز الأبحاث في الدول العربية حاليا مستودعات للأفكار ومصادر للتخطيط الاستراتيجي، فلن تكون هناك نهضة حقيقية لأي بلد من البلدان بدون الاهتمام بهذه المراكز، وذلك لدورها الحيوى في جميع المجالات([5]).

وتضطلع بعض مراكز الأبحاث والدراسات في الدول العربية بعدد من المهام التنموية، على رأسها دراسة المشكلات والقضايا وتقديم اقتراحات ورؤى موضوعية لعلاجها، بالإضافة إلى استباق التطورات واستشراف آفاق المستقبل من أجل المساهمة في ترشيد القرار ونشر الوعي وتوسيع المعارف ورسم السياسات العامة ووضع الخطط المرحلية والمستقبلية، كما تؤدي مراكز البحوث دورا رئيسا في عملية نقل المعارف من لغة إلى لغات أخرى ([6]).

هذا بالإضافة إلى اقتراح خيارات ملائمة ومراجعة للأوضاع الراهنة وتقديم معالجات للقضايا العالقة، وذلك كي تكون تلك الأفكار والمقترحات أمام صناع القرار السياسي، وتقديم التوصيات الملائمة لأجهزة ومؤسسات الدولة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر([7]).

كما أنها تمد أصحاب القرار السياسي ووسائل الإعلام بتحليلات ودراسات تتعلق بكل القضايا الهامة في العالم من حولها، مما يجعلها عنصرا هاما في تحديد الأولويات التي تواجه تلك الدول، وتشارك كذلك في تحديد الأساليب التي يجب أن تتبعها الحكومات في التعامل مع هذه القضايا([8]).

وتعد مراكز الأبحاث والدراسات في الدول العربية ضرورات مجتمعية ملحة في الوقت الراهن، تشترك في إنتاج الأفكار وصنعها، وتساهم في إعادة توظيف واستخدام ما هو متاح من معلومات وما تنتجه من دراسات في خدمة المؤسسات ورسم طريقها المستقبلي بما يخدم في النهاية عملية التنمية الشاملة لهذه الدول([9]).

لذلك فعلى الدول العربية إذا أرادت النهوض أن تقدم كل الدعم لمراكز الأبحاث والدراسات بها، وأن تشجع على إنشاء العديد منها للاستفادة القصوى من إيجابيات هذه المراكز.

ب- بعض سلبيات مراكز الفكر العربية

بالرغم من النتائج الإيجابية لمراكز الدراسات والأبحاث في الوطن العربي إلا أن هناك بعض السلبيات المرتبطة بها، تتمثل في أن بعضها قد يكون مصدرا لنقل لمعلومات أو وكرا للتجسس، أو خاضعا لتوجهات مصالح فئات معينة.

– مراكز الفكر العربية وسيلة للتجسس ونقل المعلومات

تتساهل بعض الدول العربية في منح تراخيص مراكز الأبحاث والدراسات للباحثين الأجانب تشجيعا منها للبحث العلمي، وهذا الأمر في غاية الخطورة، فالباحثون الأجانب بناء على عملهم مراكز الأبحاث يستطيعون الحصول على الكثير من المعلومات، قد يكون بعضها شديد الخطورة والحساسية، ويرسلونها إلى دولهم أو إلى الجهات التي فتحت هذه المراكز في البلدان العربية، ولا شك أن ذلك الأمر قد يهدد البلد التي جمعت عنه تلك المعلومات.

– توجيه بعض مراكز الفكر العربية

يعد عمل مراكز الأبحاث له حساسية خاصة كونه يقوم بالأساس على جمع المعلومات والدراسات والتحليل واستخلاص النتائج وعمل التوصيات وتقديمها لجهات معينة ومنها صناع القرار، وقد يستغل البعض تحقيقا لمصالحه مراكز الدراسات والأبحاث في توجيه الرأي العام تجاه أمر معين قد يكون معارضا للمصلحة العامة للبلد، بل الأشد من ذلك قد تقوم بعض مراكز الأبحاث التي يعتمد عليها صانع القرار بتضليله سواء فيما يتعلق بالسياسات الداخلية أو الخارجية، وهنا تكمن خطورة هذه المراكز.

رابعا: رؤية معالجة الوضع القائم لمراكز الفكر العربية

لمعالجة الوضع القائم لمراكز الفكر العربية نقترح هناك مجموعة من التوصيات تتمثل فيما يلي:

  1. جعل وزارة البحث العلمي في كل دولة هي الكيان الأم لمراكز الأبحاث والدراسات الحكومية، وإنشاء أقسام بها للوزارات والهيئات الحكومية التي تتطلب طبيعة عملها إجراء دراسات وأبحاث معينة، بحيث لا يوجد بكل وزارة أو جهة حكومية مركز للأبحاث خاص به، بل تكون كلها في وزارة البحث العلمي، وهذا الأمر سيسهل على صانع القرار الرجوع للدراسات والأبحاث المهمة التي يحتاجها في الأمور المختلفة إلى جهة واحدة بدلا من الرجوع إلى العديد من الجهات، كما أنه سيسهل التعاون بينها.
  2. إيجاد تنسيق وتعاون بين مراكز الدراسات والأبحاث بعد إنشائها في وزارة البحث العلمي، بحيث تخرج أي دراسة متكاملة ومستوفاة من جميع الجوانب.
  3.  وضع قانون موحد ينظم عمل مراكز الأبحاث الحكومية والمستقلة على حد سواء، بالإضافة إلى جعل جهة واحدة تكون مسؤولة عن تلك المراكز وتنعقد مسؤوليتها القانونية إزاء تجاوزات تلك المراكز في حالة عدم وقفها لهذه التجاوزات.
  4.  عدم جواز الغلق الإداري لأي مركز بحثي مستقل إلا بحكم قضائي بناء على أسباب يحددها القانون حصرا.
  5. عدم السماح بإنشاء مراكز أبحاث غير وطنية تحت أي مسمى وفي أي مجال، فمركز أبحاث أجنبي قد يتناول أمرا عديم الأهمية في الدولة العربية الكائن بها قد يشكل خطورة بالغة على أمن تلك الدولة.
  6.  العناية الخاصة بمراكز الأبحاث والدراسات وبمن يعمل بها والأخذ بما تقترحه من توصيات ملائمة في الشأن الداخلي والخارجي على حد سواء، فذلك سيؤدي إلى دعم تلك المراكز وتطور عملها، كما سيؤدي إلى عدم هجرة العلماء والباحثين العاملين بتلك المراكز إلى الدول الأجنبية.
  7. إعطاء مراكز الدراسات والأبحاث القدر الكافي من الاستقلالية ما يمكنها من أداء عملها بحيادية تامة.
  8.  تدريس مادة البحث العلمى للطلاب بمرحلة الليسانس والبكالوريوس وعدم الاقتصار في تدريسها على طلاب الدراسات العليا فقط، فهذا سينمي مدراكهم ويجعلهم أكثر قدرة على التحليل والاستنتاج في مجالات تخصصهم.
  9. وضع قيود وضوابط لمنع تسلل أي رأس مال مشبوه نحو تمويل مراكز الدراسات والأبحاث.
  10. النظر في إمكانية عمل بروتوكولات بين مراكز الدراسات والأبحاث العربية وبين مراكز الأبحاث العالمية المشهود لها بالكفاءة للتعرف على آلية العمل بها.
  11. تأسيس لجنة خاصة لمراكز الفكر العربية استنادا إلى نصي المادتين الثانية والرابعة من ميثاق جامعة الدول العربية، حيث تنص المادة الثانية منه على أن: «الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقا للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها. كذلك من أغراضها تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة منها وأحوالها في الشؤون الآتية:
  • (أ) الشؤون الاقتصادية والمالية، ويدخل في ذلك التبادل التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة.
  • (ب) شؤون المواصلات، ويدخل في ذلك السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبرق والبريد.
  • (ج) شؤون الثقافة.
  • (د) شؤون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين.
  • (هـ) الشؤون الاجتماعية.
  • (و) الشؤون الصحية».

فيما تنص المادة الرابعة منه على أن: «تؤلف لكل من الشؤون المبينة في المادة الثانية لجنة خاصة تمثل فيها الدول المشتركة في الجامعة، وتتولى هذه اللجان وضع قواعد التعاون ومداه، وصياغتها في شكل مشروعات اتفاقات تعرض على المجلس للنظر فيها، تمهيدا لعرضها على الدول المذكورة، ويجوز أن يشترك في اللجان المتقدم ذكرها أعضاء يمثلون البلاد العربية الأخرى، ويحدد المجلس الأحوال التي يجيز فيها اشتراك أولئك الممثلين، وقواعد التمثيل».

وتتمثل مهمة هذه اللجنة في متابعة مراكز الدراسات والأبحاث العربية ودعمها وتهيئة السبل أمامها للحصول على أفضل النتائج والتنسيق فيما بين هذه المراكز بما يكفل تكاملها، فجميع الشؤون المبينة في المادة الثانية من الميثاق المذكور تعد مجالات خصبة لمراكز الدراسات والأبحاث العربية، حيث إن من أهم أدوار هذه المنظمة تقديم الخدمات الاستشارية والتعاقدية بهدف تطوير النظم وزيادة الفاعلية الإدارية الكلية للمنظمات المختلفة، كما تمد كذلك مؤسسات التنمية الإدارية القطرية في الدول العربية بالخبراء والمتخصصين كمستشارين في مجالات التنمية الإدارية المختلفة.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا 

المراجع

  • مراكز الأبحاث العربية.. التحديات وآفاق المستقبل، مركز سمت للدراسات، 18/2/2018، الرابط: https://bit.ly/31XwyyO.
  • هاشم حسن حسين الشهواني، أهمية مراكز الأبحاث، موقع دنيا الوطن، 7/8/2011، الرابط: https://bit.ly/2PrFDxb.
  • نبيل عبد الرحمن المحيش، مراكز الأبحاث في الوطن العربي، موقع مجلة القافلة الإلكتروني، يناير – فبراير 2005، الرابط: https://bit.ly/2q10nkL.
  • مراكز الأبحــــــــاث العربيـــــة.. إلى أين؟، موقع الاتحاد الإلكتروني، 10/2/2007، الرابط: https://bit.ly/2qXaCqE.
  • خالد عليوي العرداوي، تفعيل دور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي العراقي، صحيفة الأخبار، 15/5/2013، الرابط: https://bit.ly/2TfeFIz.
  • مراكز البحوث وصناعة التغيير مطابخ لصنّاع القرار وخلايا تفكير للإبداع، شبكة النبأ، 9/6/2009، الرابط: https://bit.ly/2CRzTFz.
  • إجــلال عبد اللطيف حسن حمد، دور مراكز البحث السودانية في تحقيق التكامل بين دول حوض النيل، مجلة الراصد، (المؤتمر السنوي، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، ديسمبر 2010)، الرابط: https://bit.ly/2qZazKP.
  1. مراكز الأبحاث العربية.. التحديات وآفاق المستقبل، مركز سمت للدراسات، 18/2/2018، الرابط: https://bit.ly/31XwyyO.
  2. هاشم حسن حسين الشهواني، أهمية مراكز الأبحاث، موقع دنيا الوطن، 7/8/2011، الرابط: https://bit.ly/2PrFDxb.
  3. نبيل عبد الرحمن المحيش، مراكز الأبحاث في الوطن العربي، موقع مجلة القافلة الإلكتروني، يناير – فبراير 2005، الرابط: https://bit.ly/2q10nkL.
  4. مراكز الأبحــــــــاث العربيـــــة.. إلى أين؟، موقع الاتحاد الإلكتروني، 10/2/2007، الرابط: https://bit.ly/2qXaCqE.
  5. خالد عليوي العرداوي، تفعيل دور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي العراقي، صحيفة الأخبار، 15/5/2013، الرابط: https://bit.ly/2TfeFIz.
  6. مراكز البحوث وصناعة التغيير مطابخ لصنّاع القرار وخلايا تفكير للإبداع، شبكة النبأ، 9/6/2009، الرابط: https://bit.ly/2CRzTFz.
  7. إجــلال عبد اللطيف حسن حمد، دور مراكز البحث السودانية في تحقيق التكامل بين دول حوض النيل، مجلة الراصد، (المؤتمر السنوي، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، ديسمبر 2010)، الرابط: https://bit.ly/2qZazKP.
  8. هاشم حسن حسين الشهواني، أهمية مراكز الأبحاث، مرجع سابق.
  9. مراكز البحوث وصناعة التغيير مطابخ لصنّاع القرار وخلايا تفكير للإبداع، مرجع سابق.
العلامات: