اكتب أي شيء للبحث

الأخطاء الطبية في الكويت.. بين التبريرات المهنية والمواجهات التشريعية

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

تمهيد

يعد الخطأ البشري وراد الحدوث في كافة الأعمال، لكن يختلف مدى تأثيره من مجال لآخر، ففي المجال الطبي تكون له أهمية خاصة، وأي نسبة خطأ به غير مقبولة لكون هذا المجال يتعلق بحياة الإنسان وصحته، لذا يتطلب تهيئة بيئة وطاقم طبي على درجة عالية من الكفاءة وسن تشريعات تعاقب المخطئين.

رغم وجود تشريعات تنظم وتحمل الأطباء مسؤولية أخطائهم المهنية في القانون الكويتي إلا أن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة، ويؤكد ذلك ما صرح به مدير إدارة الطب الشرعي بأن الإدارة العامة للأدلة الجنائية تنظر حوالي 450 قضية خطأ طبي شهريًا، مشيرًا إلى أن معدل تلك القضايا ارتفع 900% خلال 13 عاما([1]).

ويعجز القانون عن حماية الضحايا الذين وقعوا ضحية التشخيص الطبي الخاطئ، وكذلك عن ردع المخطئين؛ وذلك لأن نصوصه تحتوي على عقوبات غير صارمة، أو لصعوبة إثبات خطأ الطبيب، أو لعدم وجود تشريع مناسب كفيل بتعويض الضحايا تعويضًا مرضيًا عما ألم بهم من أضرار، مع الوضع في الاعتبار أن هناك بعض الأخطاء الطبية تحدث بسبب المرضى أنفسهم.

يتناول هذا البحث تعريف الخطأ الطبي وأنواعه وأسباب حدوثه، ثم مبررات الأطباء التي تسببت في هذه الأخطاء، والقوانين المنظمة لمسؤولية الطبيب عن خطئه في القانون الكويتي، وأخيرًا بعض الاقتراحات التشريعية التي نراها كفيلة بالحد من مشكلة الأخطاء الطبية.

أولًا- تعريف الخطأ الطبي

وتنقسم الأخطاء الطبية بصفة عامة إلى الخطأ الطبي المرفقي والخطأ الطبي الشخصي([2])، على التفصيل الآتي بيانه:

1-الخطأ الطبي المرفقي

هو الذي يكون نتيجة قصور في المرفق الطبي سواء أكان هذا المرفق عامًا أو خاصًا (مستشفى خاص، عيادة خاصة)، فعدم وجود أجهزة أو أدوية مهمة وحيوية يفترض توافرها في كل مرفق صحي، أو عدم توافر أطباء طوارئ للتعامل مع الحوادث والحالات الحرجة إلى غير ذلك من المخالفات تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمريض.

2-الخطأ الطبي الشخصي

هو الذي يتسبب به الطبيب أو أحد أفراد الطاقم الطبي ويترتب عليه أضرار للمريض، سواء أكان ذلك راجعًا إلى إهمال أو إلى جهل بالأمور الفنية المفترض أن يعلمها طبيب في مثل درجته العلمية والوظيفية، أو إلى إجراء أجرى تجارب غير معتمدة علميًّا على المرضى. ويندرج هذا الخطأ –باعتبار آخر- تحت بند “الخطأ العلمي” الذي سيأتي تعريفه لاحقًا.

وتنقسم الأخطاء-من حيثية أخرى- في المجال الطبي إلى مادية وفنية وعملية، كالتالي:

أ-الخطأ المادي

هو المتعلق بعدم الالتزام بالحيطة والحذر أثناء أداء الواجب المهني تجاه المريض، ومن الأمثلة على الأخطاء المادية إجراء الطبيب  عملية جراحية باستخدام أدوات غير معقمة، مما يعرض حياة المريض للخطر.

ب- الخطأ الفني([3])

هو الخطأ المتعلق بأساسيات المهنة، وينتج الخطأ الفني عادة إما بسبب الجهل بالأصول الطبية أو عدم تطبيقها بالشكل السليم، ومن الأمثلة على الخطأ الفني وصف الطبيب دواءً يسبب الحساسية للمريض.

ج – الخطأ العلمي([4])

هو ذلك الخطأ الذي يقع من جانب الطبيب بالرغم من اتخاذه كافة وسائل الحيطة والحذر واستخدامه كافة الوسائل العلمية المتاحة في الفحص، ويقع غالبًا في التشخيص.

أسباب حدوث الأخطاء الطبية([5])

يرجع حدوث الأخطاء الطبية إلى عدة أسباب، منها عدم المعرفة، أو عدم اتخاذ الحيطة والحذر، ومنها ما يرجع إلى الإهمال، وقد تحدث بسبب عدم مراعاة النظم والقوانين واللوائح والقرارات، ونقص التدريب والمعلومات الطبية الضرورية للطبيب والإجهاد الزائد وكثرة العمل.

صور الخطأ الطبي الشخصي([6])

تتعد صور الخطأ الطبي الشخصي، ومنها:

الخطأ في التشخيص

يقع في مرحلة فحص المريض ويرجع إلى الإهمال أو الخطأ العلمي من جانب الطبيب المعالج، ويترتب على ذلك أن جميع المراحل اللاحقة على هذه المرحلة تكون خاطئة وقد تؤدي إلى وفاة المريض([7]).

– الأخطاء الدوائية و العلاجية

وهو الخطأ في وصف دواء أو استعمال طريقة علاج خاطئة، ويتسبب ذلك في حدوث ضرر للمريض سواء كان مرجع ذلك إلى عدم اتباع الطبيب الأصول العلمية السائدة أو إلى عدم التزامه بقواعد الحيطة والحذر الواجبة([8]).

وتعد الأخطاء الدوائية هي أكثر الأخطاء شيوعًا، ولا تقتصر فقط على إعطاء دواء خاطئ للمريض بل وتشمل أيضًا الجرعات غير الصحيحة، وعدم التحقق من التفاعلات الدوائية([9]).

– الخطأ في العمليات الجراحية

وهو الذي يقع من الطبيب في حالة إخلاله ببعض الالتزامات المتعلقة بإجراء العملية الجراحية، سواء أكانت قبل أو أثناء أو بعد إجرائها، كالتزامه بأخذ موافقة المريض على إجراء العملية، والتزامه بالفحص والأشعة والتشخيص الصحيح، والتزامه بأقصى درجات اليقظة عند إجراء العملية وبذل العناية المعتادة، والتزامه بالإشراف والوقاية بعد إجرائها([10]).

– أخطاء التخدير

وهي الأخطاء التي تحدث في مجال التخدير إما نتيجة لعدم المعرفة العلمية الكاملة لطبيب التخدير في مجاله، وإما نتيجة الاستعانة بأشخاص غير مؤهلين لذلك للقيام بعملية التخدير([11]).

-أخطاء الأشعة

تقع من الطبيب أو فني الأشعة نتيجة الإخلال بأحد الالتزامات الواجب توافرها عند إجراء الأشعة، سواء المتعلقة بسلامة الأجهزة المستخدمة أو غير ذلك من الالتزامات التي تلحق ضررًا بالمريض في حالة الإخلال بها.

-أخطاء التوليد

وهي الأخطاء التي تقع من الطبيب على الحامل منذ لحظة ثبوت الحمل وحتى إجرائه لعملية الولادة وبعدها حتى الاطمئنان عليها وعلى وليدها. وإن إخلال بأي التزام خلال تلك المراحل يتسبب في حدوث ضرر لهما، ويكون الطبيب مسؤولًا عن ذلك الضرر بمقداره.

ثانيا- مبررات الأطباء لأخطائهم الطبية

يبرر الأطباء في الكويت وقوع الأخطاء الطبية لعدة أسباب من بينها أسباب ليس لها علاقة بمهنة الطب، كالآثار الجانبية لبعض الأدوية والأدوات الأولية للعمليات الجراحية كالمخدر وتأثيره على حاملي بعض الأمراض على سبيل المثال، وإن كان لا بدَّ من استخدامه في بعض العمليات أو الجراحات.

وهذا المبرر غير مقبول، فيتوجب على الطبيب الإحاطة بالآثار الجانبية للأدوية، والتي يمكنه الاطلاع عليها في من خلال سؤال المختصين في هذا أو من خلال شبكة الإنترنت.

وأرجع البعض منهم وقوع بعض الأخطاء الطبية إلى عدم حصول الطبيب في بعض التخصصات على القسط المطلوب من الراحة. وهو مبرر يجب دراسته ومعالجته بعناية، فيجب أن يحصل الطبيب على القسط الكافي من الراحة حتى يتمكن من التشخيص السليم وتجنب الخطأ بقدر الإمكان، وذلك لن يتأتى إلا بتعويض النقص الحاصل في أفراد الهيئة الطبية بإمدادها بالعناصر اللازمة.

وأرجع كثير من الأطباء الأخطاء الطبية إلى الأطباء أو فئة التمريض من الوافدين، حيث لا توجد ضوابط أو اشتراطات كفيلة باستقدام أفضل الكفاءات الطبية مما يؤدى إلى استقدام المبتدئين أو من ليس لديهم الخبرة الكافية للعمل في المجال الطبي، وفي هذه الحالة يجب وضع كافة الضوابط التي تضمن استقدام أفضل الكفاءات الطببية.

كما أرجع الأطباء بعض الأخطاء الطبية إلى المرضى أنفسهم، فمثلا بعض المرضى تكون لديهم عدة شكاوى في الوقت نفسه، وعند زيارتهم للطبيب يبدؤون بسرد كل الشكاوى التي يعانون منها، مما يأخذ أكثر من حيز الوقت المسموح به للاستشارة؛ لذا يجب على الطبيب الاستماع بعناية إلى كل ما يعانيه المريض مع وضع ضوابط تحول دون استهلاك المريض لوقت الطيب فيما لا يفيد.

وبعض ما ذهب إليه الأطباء في هذا السياق هو أن بعض المرضى لا يكونون صرحاء بالقدر الكافي مع الطبيب الذي يعالجهم حتى من دون قصد، فيخفون بعض الأمور الجوهرية المتعلقة بهم والمؤثرة في علاجهم، كسابقة إصابتهم بأمراض معينة أو تعاطيهم لأدوية معينة أو أن لديهم حساسية تجاه بعض الأدوية.

وإن إخفاء أي معلومة من جانب المريض حتى لو كانت بسيطة ممكن أن تهدد حياته، ولكن يجب على الطبيب أن يستفسر من المريض عن كل ما يؤثر في علاجه دون انتظار أن يبوح به المريض من تلقاء نفسه.

وأخيرًا يذهب بعض الأطباء إلى عدم وجود ثقافة لدى المجتمع الكويتي بشأن الفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية، فأغلب الأخطاء في المستشفيات هي مضاعفات طبية وليست أخطاء، لذا يتوجب نشر الثقافة الطبية بوجه عام لدى أفراد المجتمع.

ثالثا- مسؤولية الطبيب عن الخطأ الطبي في القانون الكويتي

يجب أن يكون عمل الطبيب مطابقًا للأصول العلمية والعملية حتى يكون مباحًا ، فإذا خالف هذه الأصول وتسبب في إحداث ضرر للمريض وقعت عليه مسؤولية تأديبية ومدنية وجنائية أيا كانت درجة جسامة الخطأ أو نوعه([12]).

ومهارة الطبيب وحدها ليست كافية، فيجب أن يصاحبها بذل العناية المعتادة من أمثاله عند فحص المريض وعند علاجه، فإن قصر في ذلك فهو ضامن لأي ضرر ينتج عنه. وترتبط أحيانًا معايير الخطأ بتقدير سلوك الطبيب وإمكاناته ومستواه وسيرته المهنية في مسؤوليته عن خطأه الطبي.

وقد استقر الفقه و القضاء على تحديد مسؤولية الطبيب عن خطأه الفني أيًا كان نوعه أو درجة جسامته، ولكن بشرط أن يكون هذا الخطأ ثابتًا ثبوتًا كافيًا في حقه، وللقاضى في سبيل التحقق من ذلك أن يستعين برأي الخبراء الفنيين، وقد اشترط القضاء كون الخطأ الطبي محققًا ومميزًا حتى تنعقد مسؤولية الطبيب عنه([13]).

وبسبب عدم وجود قانون متخصص لتنظيم مسألة الأخطاء الطبية في الكويت يتم حاليًا الاستعانة بثلاثة قوانين لمواجهتها، وهي قانون مزاولة مهنة الطب، والقانون الجزائي، والقانون المدني، نستعرضها على النحو التالي:

– مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي في القانون رقم 25 لسنة 1981 بشأن مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان والمهن المعاونة لهما.

تنص المادة (4) من القانون رقم 25 لسنة 1981 بشأن مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان والمهن المعاونة لهما على أنه

“يجب على كل طبيب رخص له مزاولة مهنة الطب في الكويت أن يتوخى في أداء عمله المحافظة على صحة الإنسان، وعليه تسخير كل معلوماته وضميره وما تقتضيه آداب المهنة لبلوغ هذا الهدف، وأن يطلب المشورة المناسبة إذا دعت الضرورة إلى ذلك”.

فمن نص هذه المادة يتضح وقوع التزام على عاتق الطبيب بالمحافظة على صحة المريض، ويفهم ضمنًا منها أنه يتوجب عليه فعل كل ما بوسعه لتحقيق ذلك، حتى وإن اضطر إلى الاستعانة برأي غيره من المتخصصين.

كما نصت المادة (13) من القانون ذاته على أنه

“لا يكون الطبيب مسؤولًا عن الحالة التي يصل إليها المريض إذا تبين أنه بذل العناية اللازمة ولجأ إلى جميع الوسائل التي يستطيعها من كان في مثل ظروفه لتشخيص المرض والعلاج، ومع ذلك يكون مسؤولًا في الحالتين الآتيتين:
أ- إذا ارتكب خطأ نتيجة الجهل بأمور فنية يفترض في كل طبيب الإلمام بها، سواء من حيث تشخيص المرض أو وصف العلاج المناسب، وترتب على هذا الخطأ الإضرار بالمريض .
ب- إذا أجرى تجارب أو أبحاثًا علمية غير معتمدة فنيًا على مرضاه وترتب ذلك الإضرار بهم” .

– مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي وفقًا لقانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960.

أما بالنسبة للمسؤولية الجزائية للطبيب عن الخطأ الطبي فتتم مواجهته وفقًا لثلاث مواد من قانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960، وهي: المواد أرقام 154، 164، 168.

فتواجه المادة 154 منه حالة وفاة المريض نتيجة خطأ الطيب، حيث نصت على أنه “من قتل نفسًا خطأ أو تسبب في قتلها من غير قصد بأن كان ذلك ناشئًا عن رعونة أو تفريط أو إهمال أو عدم انتباه أو عدم مراعاة للوائح، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز ثلاثة آلاف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

وتواجه المادة 164 منه حالة تعرض المريض لأذى أو جرح نتيجة خطأ طبي، حيث نصت على أنه “كل من تسبب في جرح أحد أو إلحاق أذى محسوس به من غير قصد، بأن كان ذلك ناشئًا عن رعونة أو تفريط أو إهمال أو عدم انتباه أو عدم مراعاة للوائح، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة وبغرامة لا تجاوز ألف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

وقد أحالت إليهما المادة رقم 168 منه، والتي نصت على أن “كل شخص تعهد -في غير الحالات الاضطرارية- بإجراء عملية جراحية لشخص آخر أو بعلاجه أو بالقيام بعمل مشروع ينطوي على خطر يهدد الحياة أو الصحة، ولم يكن عنده القدر الواجب من الخبرة الفنية، أو لم يبذل العناية الواجبة في القيام بعمله، وترتب على ذلك وفاة المجني عليه أو إصابته بأذى، يعاقب وفقًا للأحكام المبينة في المادتين 154، 164”.

ونلاحظ هنا أن نصوص القانون الجزائي الكويتي التي تحكم مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي ليست رادعة بالقدر الكافي بجعلها عقوبة الحبس اختيارية للقاضي حتى في حالة القتل الخطأ، فضلًا عن أن بعض الأخطاء غير المتعمدة قد تكون على درجة من الجسامة توصلها إلى درجة العمد، ويجب أن تعامل جنائيًا معاملة الخطأ العمدي.

كما أن نصوص القانون الجزائي الكويتي التي تحكم مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي لا تمتد إلى بقية أفراد الطاقم الطبي الذي قد يتسبب أي منهم في وفاة المريض أو إيذائه، حيث يفهم ضمنًا منها أن المقصود هو الطبيب وحده دون سواه.

– مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي في القانون المدني الكويتي رقم 67 لسنة 1980.

وقد واجه القانون المدني الكويتي مسؤولية الطيب عن خطأه الطبي في خمس مواد منه، و هي المواد أرقام 227 ، 231 ، 240 ، 250 ، 251.

حيث وضعت المواد الأولى الثلاثة منها أساس مسؤولية الطبيب والمرفق الطبي عن الخطأ الطبي الذي نتج عنه ضرر للمريض وأنواع الضرر والمستحقين للتعويض عنه، حيث نصت المادة 227على أنه “1- كل من أحدث بفعله الخاطئ ضررًا بغيره يلتزم بتعويضه، سواء أكان في إحداثه الضرر مباشرًا أو متسببًا. 2- ويلتزم الشخص بتعويض الضرر الناشئ عن فعله الخاطئ ولو كان غير مميز”.

ونصت المادة 231 على أنه”1- يتناول التعويض عن العمل غير المشروع الضرر ولو كان أدبيًا. 2- ويشمل الضرر الأدبي على الأخص ما يلحق الشخص من أذى حسي أو نفسي، نتيجة المساس بحياته أو بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بشرفه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي أو الأدبي أو باعتباره المالي، كما يشمل الضرر الأدبي كذلك ما يستشعره الشخص من الحزن والأسى وما يفتقده من عاطفة الحب والحنان نتيجة موت عزيز عليه. 3- ومع ذلك لا يجوز الحكم بالتعويض عن الضرر الأدبي الناشئ عن الوفاة إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية”.

كما نصت المادة 240 على أنه “1- يكون المتبوع مسؤولًا في مواجهة المضرور عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعًا منه في أداء وظيفته أو بسببها. 2- وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرًا في اختيار تابعه متى كان من شأن المهمة المكلف بها التابع أن تثبت للمتبوع سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه”.

وبينت المادتين الأخيرتين مقدار الدية والمستحقين لها وكيفية توزيعها، حيث نصت المادة 250 على أنه

“إذا استحقت الدية عن فقد النفس يتقاسمها الورثة وفقًا للأنصبة الشرعية”.

كما نصت المادة 251 على أنه “1- تقدر الدية الكاملة بعشرة آلاف دينار، ويجوز تعديل مقدارها بمرسوم. 2-ويصدر بمرسوم جدول للديات وفق أحكام الشريعة الإسلامية، تتحدد بمقتضاه حالات استحقاق الدية كليًا أو جزئيًا”.

كل ذلك مشروط بإثبات الخطأ في حق الطبيب من جانب المريض أو ذويه أو من ينوب عنه، وإن يحدث ضرر للمريض تنعقد بينه وبين خطأ الطبيب علاقة سببية، فإذا تحقق ذلك انعقدت مسؤولية الطبيب عن ذلك الضرر والتزم بضمان ما تسبب فيه من ضرر للمريض بسبب خطأه أو إهماله أو تقصيره([14]).

الإجراءات المتبعة بوجه عام في حالة حدوث خطأ طبي([15])

في حالة حدوث خطأ طبي يتم تقديم شكوى من قبل المريض، وتشكل لجنة من داخل المستشفى لبحث الخطأ الطبي، ثم لجنة من وزارة الصحة، وبعد ذلك يتم تشكيل لجنة أكبر من كلية الطب بالتعاون مع وزارة الصحة يكون فيها أطباء من الجامعة.

والملاحظ هنا أنه لا توجد ضوابط تضمن حياد أي من اللجان المشكلة للتحقيق في حالة وقوع الخطأ الطبي.

وتجدر الإشارة إلى أنه من الصعوبة بمكان إثبات الخطأ الطبي بسبب نقص وندرة المتخصصين في تحليل الأخطاء الطبية، كما أن هناك سببًا آخر يكمن في تعدد عناصر الخدمة الصحية، مثل: الأشعة، والتحاليل، والأدوية، والعمليات الجراحية، والتمريض، والطب وغيرها الكثير، وصعوبة تحديد من تسبب في الخطأ الطبي، إلى جانب وجود الواسطات والمجاملات والمحاباة من داخل المهنة([16]).

لذلك يجب أن يكون نظام الإبلاغ عن الأخطاء الطبية متاحًا بسهولة مع معلومات واضحة حول كيفية الإبلاغ([17]).

رابعا- النتائج والمعالجات المقترحة

بعد أن استعرضنا الأخطاء الطبية من حيث مفهومها وأنواعها وأسباب حدوثها وصورها ومبررات الأطباء لوقوعها و مسؤولياتهم عنها في حالة حدوثها سواء تأديبيًا أو جنائيًا أو مدنيًا، انتهينا إلى عدة نتائج أشرنا إلى بعضها خلال الدراسة، ونوجزها فيما يلي:

  1.  الأخطاء الطبية وإن كانت في أغلبها ترجع إلى الأطباء إلا أن بعض منها يرجع إلى المرضى.
  2. عدم وجود قانون مستقل يحكم الأخطاء الطبية بشكل كامل في الكويت، بل الأمر تتم مواجهته في إطار ثلاثة قوانين على التفصيل السابق بيانه.
  3.  مسألة توقيع جزاء من عدمه على مرتكب الخطأ الطبي تتوقف على تقرير لجنة طبية مشكلة من أطباء وتابعة لوزارة الصحة وأطباء جامعيين مما قد يفقد التقرير صفة الحياد والمصداقية نتيجة التعاطف بين أبناء المهنة الواحدة
  4. عدم وجود ضوابط صارمة تضمن استقدام أفضل الكفاءات الطبية للعمل بالكويت.
  5. نصوص القانون الجزائي الكويتي التي تحكم مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي ليست رادعة بالقدر الكافي، حيث إن بعض الأخطاء غير المتعمدة قد تكون على قدر من الجسامة توصلها إلى درجة العمد، لذلك في حالات معينة يجب معاملة الخطأ الجسيم غير العمد معاملة الخطأ العمد.
  6.  نصوص القانون الجزائي الكويتي التي تحكم مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي لا تمتد إلى بقية أفراد الطاقم الطبي الذي قد يتسبب أي منهم في وفاة المريض أو إيذائه.

خامسا- توصيات لصانع القرار

  1.   وضع قانون خاص لمواجهة أخطاء الطاقم الطبي، ونقترح سن قانون خاص لمواجهة الأخطاء الطبية بحيث يكون شاملًا لمواجهة كافة أخطاء الطاقم الطبي من أطباء وممرضين وغيرهم، ينص فيه على العقوبات والتعويضات اللازمة في حالة وقوع أخطاء طبية تسببت في حدوث أضرار للمريض أو تسببت في وفاته، كما ينص فيه أيضًا على العقوبات التأديبية، سواء كانت للأطباء أو الممرضين أو غيرهم مما يشملهم وصف الطاقم الطبي. ويجب الاستعانة فيه بلجنة من كبار الأطباء قبل وضعه ومناقشتهم فيه بعد وضعه.
  2.  إجراء تعديل تشريعي في نصوص المواد 154، 164، 168 من قانون الجزاء الكويتي بما يتيح تشديد العقوبة إذا كان المتهم طبيبًا أو أيًا من أفراد الطاقم الطبي، وإجراء تعديل تشريعي في نص المادة 164 من قانون الجزاء الكويتي بجعل الحبس وجوبيًا في حالة الخطأ الجسيم من جانب الطبيب أو أي من أفراد الطاقم الطبي، كذلك توسيع مفهوم المادة 168 من قانون الجزاء الكويتي بحيث ينطبق على جميع أفراد الطاقم الطبي المتسببين في حدوث أضرار أو وفاة للمريض دون اقتصار مفهومها على الأطباء فقط.
  3.  وضع ضوابط تشريعية تتعلق باستقدام الأطباء والممرضين من الخارج وتهدف إلى الحصول على أفضل الكفاءات، فمثلا كشرط الحصول على شهادة الماجستير من جامعة لها سمعتها على المستوى الدولي، بالإضافة إلى شرط الخبرة العملية التي لا تقل عن 10سنوات في التخصص المطلوب من مستشفى حكومي في البلد القادم منها، أما بالنسبة لطاقم التمريض فيشترط التخرج من معهد عالٍ معتمد للتمريض أو كلية حكومية معتمدة للتمريض، بالإضافة إلى خبرة عملية لا تقل عن 10 سنوات في المجال المطلوب.
  4.  وضع ضوابط تشريعية تضمن حياد اللجان الطبية المشكلة للتحقيق في أي خطأ طبي، وتضمن كذلك عدم وصول الملف المتعلق بالخطأ الطبي إلى النيابة العامة  دون تحميل أي طرف لأي مسؤولية وإلا اعتبرت الدولة ممثلة في وزارة الصحة مسؤولة بالكامل تجاه المتضرر أو ورثته.
  5.  وضع تشريع أو إجراء تعديلات في التشريعات القائمة لحماية الأطباء من الاعتداءات والشكاوى الكيدية من جانب المرضى أو ذويهم، ونقترح أن تمتد هذه الحماية لتشمل بقية أفراد الطاقم الطبي.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDFاضغط هنا

المراجع

  • أسعد عبيد الجميلي , الخطأ في المسؤولية الطبية المدنية (الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع, 2011) ص 109.
  • أحمد عبد الكريم الصرايرة، التأمين من المسؤولية المدنية الناتجة عن الأخطاء الطبية، دراسة مقارنة (عمان، دار وائل للنشر والتوزيع، 2012).
  • مصطفى أشرف مصطفى الكوني، الخطأ الطبي مفهومه وآثاره في الشريعة (رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية ، فلسطين، 2009) ص 104، الرابط: https://bit.ly/2SJcKw7.
  • فيصل عايد خلف الشورة، الخطأ الطبي في القانون الأردني (رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2015) ص39 وما بعدها، الرابط: https://bit.ly/2MhyKgl.
  • محمد علي النجار ، حول مسئولية الأطباء، مجلة الأزهر ، (مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، المجلد 20، 1368هـ).
  • محمد عزمي البكري، موسوعة الفقه والقضاء والتشريع في القانون المدني الجديد (القاهرة، دار محمود للنشر ، المجلد الثامن، بدون تاريخ نشر).
  • صالح أبوحاتم، “الندوة العلمية حول الخطأ الطبي بين التشريع والمراقبة والمحاسبة” (ورقة قُدِّمت في الندوة العلمية حول الخطأ الطبي بين التشريع والمراقبة والمحاسبة، بيروت، 7- 9 ديسمبر 2014).
  • أخطاء التخدير القاتلة في حوار مع البروفيسور الحريبي، مجلة اليمن الطبية، 5/11/2018،الرابط: https://bit.ly/32ZMIJG.
  • الأخطاء الطبية بين التبرير والتجريم، موقع الكويتية الإلكتروني، 26/8/2015، الرابط: https://bit.ly/2NGFFlB.
  • سامي ميلاد، الأخطاء الطبية والمسؤولية القانونية للطبيب، جريدة القبس، 8/4/2007، الرابط: https://bit.ly/30kS9Ay.
  • مسئولية الطبيب عن الخطأ الطبي، موقع موضي الموسى للمحاماة والاستشارات القانونية، مقالات، 13/5/2013، الرابط: https://bit.ly/2S1zWoH.
  • عبدالله جاسم، قانونيون: الأخطاء الطبية تحتاج إلى إثبات وقوعها، النهار الإلكتروني، 20/12/2017، الرابط: https://bit.ly/2LveWGw.
  • عادل سامي، الأخطاء الطبية هاجس يقلق الجميع، موقع الجريدة الإلكتروني، 3/9/2015، الرابط: https://bit.ly/2JvKYio.
  • عبدالله جاسم، قانونيون: الأخطاء الطبية تحتاج إلى إثبات وقوعها ، النهار الإلكتروني، 20/12/2017، الرابط: https://bit.ly/2LveWGw.
  1. عبدالله جاسم، قانونيون: الأخطاء الطبية تحتاج إلى إثبات وقوعها، النهار الإلكتروني، 20/12/2017، الرابط: https://bit.ly/2LveWGw.
  2. عادل سامي، الأخطاء الطبية هاجس يقلق الجميع، موقع الجريدة الإلكتروني، 3/9/2015، الرابط: https://bit.ly/2JvKYio.
  3. أسعد عبيد الجميلي, الخطأ في المسؤولية الطبية المدنية (الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع, 2011) ص 109.
  4. مصطفي أشرف مصطفي الكوني ، الخطأ الطبي مفهومه وآثاره في الشريعة، (رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية ، فلسطين، 2009) ص 104، الرابط: https://bit.ly/2SJcKw7.
  5. صالح أبوحاتم، “الندوة العلمية حول الخطأ الطبي بين التشريع والمراقبة والمحاسبة” (ورقة قُدِّمت في الندوة العلمية حول الخطأ الطبي بين التشريع والمراقبة والمحاسبة، بيروت، 7- 9 ديسمبر 2014) ص 8.
  6. فيصل عايد خلف الشورة، الخطأ الطبي في القانون الأردني (رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2015) ص39 وما بعدها، الرابط: https://bit.ly/2MhyKgl
  7. أحمد عبد الكريم الصرايرة، التأمين من المسؤولية المدنية الناتجة عن الأخطاء الطبية، دراسة مقارنة ،(عمان، دار وائل للنشر والتوزيع، 2012) ص 39.
  8. أسامة عبد الله القايد، المسؤولية المدنية والجنائية للأطباء، دراسة مقارنة (القاهرة، 2010) ص 41.
  9. Jodie price , Types of medical errors and how to avoid them , published 3/6/2015, https://bit.ly/2pA2Fnx .
  10. أحمد عبد الكريم الصرايرة، التأمين من المسؤولية المدنية الناتجة عن الأخطاء الطبية، مرجع سابق، صـ 6 وما بعدها.
  11. أخطاء التخدير القاتلة في حوار مع البروفيسور الحريبي، مجلة اليمن الطبية، 5/11/2018،الرابط: https://bit.ly/32ZMIJG.
  12. محمد عزمي البكري، موسوعة الفقه والقضاء والتشريع في القانون المدني الجديد (القاهرة، دار محمود للنشر ، المجلد الثامن، بدون تاريخ نشر) ص 377.
  13. محمد علي النجار ، حول مسئولية الأطباء، مجلة الأزهر ، (مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، المجلد 20، 1368هـ) ص 51 .
  14. صالح بن محمد بن مشعل العتيبي، الأخطاء الطبية وتقدير التعويض عنها في النظام السعودي (رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2014) ص 92، الرابط https://bit.ly/2YaFwLV.
  15. عادل سامي، الأخطاء الطبية هاجس يقلق الجميع، مرجع سابق.
  16. المرجع السابق.
  17. medical errors :what they are , how they happen , and how to avoid them – an international journal of medicine , volume102 , issue 8, August 2009 , page 516 , published :20 May 2009, https://bit.ly/2Kc411y
العلامات: