اكتب أي شيء للبحث

عرض كتاب «إعادة النظر في مراكز الفكر في الصين المعاصرة»

مشاركة

 مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

يحاول الكتاب استكشاف طبيعة عمل مراكز الفكر الصينية بتناول جديد يبدأ من إعادة النظر في هيكل النظام السياسي الصيني وتطوره تاريخيا، وصولا إلى قياس أثر التغيرات التي طرأت على قطاع مراكز الفكر ودورها في السياسة الدولية، بجانب التحولات في سياسة الحزب الشيوعي الصيني مع صعود الجيل الرابع من القيادة، ودور ذلك في تغيير مدخلات عملية صنع السياسات العامة بالتركيز على البعدين الاقتصادي والدولي.

يتكون الكتاب من ستة فصول، وهي:

  • الفصل الأول: مقدمة عن النظام السياسي الصيني وتحولاته
  • الفصل الثاني: الإطار النظري.. مراكز الفكر ونظم المعرفة
  • الفصل الثالث: مراكز الفكر في الصين
  • الفصل الرابع: مراكز الفكر الصينية والدبلوماسية الاقتصادية
  • الفصل الخامس: مراكز الفكر الصينية والدبلوماسية البيئية
  • الفصل السادس: إعادة النظر في مراكز الفكر بالصين المعاصرة
  • الفصل الأول: تحولات النظام السياسي في الصين

ينعكس قصور الفهم الغربي للنظام السياسي الصيني وتحولاته عبر تغير أجيال القيادة بالحزب الشيوعي على الأدبيات التي تتناول بالدراسة مراكز الفكر الصينية في الإسهامات الأكاديمية الغربية، والتي تميل لتعميم الأحكام على الأنظمة غير المتسقة مع نمط الديمقراطيات الليبرالية الغربية بوصفها أنظمة سلطوية، وهو ما يدفع الباحثين الأوروبيين والأميركيين للقول بهامشية دور تلك المراكز في الصين.

وتدلل الجماعة العلمية الغربية على ضعف دور مراكز الفكر بالصين بالاستناد إلى مغالطات المقارنة بين بيئة عمل تلك المراكز وطبيعة نشأتها وبين المراكز المناظرة لها في الديمقراطيات الغربية، بجانب عدم تمكن تلك المراكز من تغيير شكل النظام السياسي والذي حافظ في المقابل على درجة كبيرة من المرونة إزاء التطورات الداخلية والدولية.

وساهمت تلك التحولات في تعزيز دور مراكز الفكر على الصعيدين الاقتصادي والدولي مع ظهور الجيل الرابع من القيادة داخل الحزب الشيوعي، والذي عمد إلى تغييرات واسعة في سياسة الحزب وتطوير نمط للقيادة الجماعية عبر تقديم عشرات المؤتمرات وورش العمل لأعضاء اللجنة المركزية للحزب في عهد الرئيس هوجينتا، والتي شملت محاضرات للعديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة مما ساهم في تكون مجموعة من الخبراء مقربة من النخب الحاكمة بالحزب والدولة، والذي يندرج ضمن سياسة الصين في احتواء تلك الفواعل نظرا لدورها الهام في تجسير الفجوة بين النظام السياسي والمجتمع الصيني.

الفصل الثاني: الإطار النظري.. مراكز الفكر ونظم المعرفة

لم يحظَ دور مراكز الفكر الصينية وتأثيرها في ديناميات صنع القرار بجمهورية الصين الشعبية بالقدر الكافي من الدراسة في الأدبيات الأكاديمية الغربية، بقدر التركيز على تناولها في سياق المقارنة لأوجه التشابه والاختلاف بينها وبين مراكز الفكر الغربية، بجانب استكشاف أبعاد التفاعل بين تلك المراكز والمؤسسات التنفيذية والنخب الحزبية والحكومية.

وتؤدي مراكز الفكر دورا هاما في تعزيز شرعية الحزب الشيوعي عبر تطوير سياساته الاقتصادية والاجتماعية من أجل تحقيق التنمية وإعادة توزيع الثروات والخدمات على المواطنين بشكل عادل.

1-نظم المعرفة

تكتسب العلاقة بين الأفكار والسياسة وبصورة أشمل بين المعرفة والقوة في السياسة الدولية جاذبية متجددة لدى الباحثين، خاصة مع التحول الفكري في نظرية العلاقات الدولية خلال عقد التسعينيات والتركيز على دور المعرفة في عملية صنع وتغيير السياسات، والكيفية التي تترجم بها تلك الأفكار من بيئة أكاديمية إلى مقترحات سياسات قابلة للتنفيذ والتفاعل مع تطورات البيئة المحيطة، ومن ثمَّ أضحى من الضروري التعريف بنظم المعرفة المختلفة كمدخل لاستكشاف أين تتموضع مراكز الفكر الصينية على خريطتها طبقا للخصائص السياسية والاجتماعية للصين.

يعرف كل من جون كامبل وبيدرسون نظم المعرفة بأنها “الآليات التنظيمية والمؤسسية التي تنتج البيانات والأبحاث وتوصيات السياسات والأفكار الأخرى التي تؤثر في المجال العام”، والمقصود بها على وجه التحديد مؤسسات إنتاج المعرفة المرتبطة بعملية صنع السياسات العامة (مراكز الفكر، الوحدات البحثية بالمؤسسات الحكومية، المؤسسات الحزبية).

حيث قدم الباحثان أربعة أنواع لنظم المعرفة وفقا لمنظور الاقتصاد السياسي المقارن، وهي كالتالي:

  • أ-نظام السوق: والذي يجمع ما بين نموذج اقتصاد السوق وحرية تسويق الأفكار في بيئة سياسية لا مركزية.
  • ب-نظام مختلط: يقوم على اقتصاد السوق ونظام حكم سلطوي يتميز بمركزية دور الدولة.
  • ج-نظام توافقي: يرتبط بالنظم الاقتصادية المختلطة في بيئة سياسية منفتحة تؤدي فيه مراكز الفكر دورا هاما.
  • د-نظام تكنوقراطي خاضع للدولة: يكون دور مراكز الفكر فيه امتدادا للأجهزة التنفيذية بالحكومة في ظل نظام حكم مركزي وسلطوي.

وبالاعتماد على ذلك الطرح يمكن القول إن مراكز الفكر الصينية تتموضع بين النموذج الثاني والرابع من نظم المعرفة، مما يعني أن مراكز الفكر تتمتع بدور مؤثر في إنتاج المعرفة، بداية من توفير الرؤية العلمية الدقيقة لصناع القرار في المجالات التخصصية وصولا إلى تنمية مهارات القيادة لكوادر الحزب الشيوعي، وذلك بدون تخطي قواعد الممارسة السياسية والعامة المرسومة من قبل السلطات الحكومية والحزبية.

كما يعد النموذج المعرفي الصيني فريدا من نوعه نظرا لخصوصية النظام السياسي الصيني القائم على تدرج السلطة وتعددها وتكاملها، نتيجة تنميط الثنائية التنفيذية (المكتب السياسي للحزب الشيوعي والبيروقراطيين التنفيذيين) في هيكل صنع القرار بالبلاد، بجانب الروابط الإدارية بين بعض مراكز الفكر والكيانات الحكومية.

2-مراكز الفكر.. وكلاء للمعرفة

تناولت الدراسات المختلفة في بعدين متوازيين التنظير لمراكز الفكر على النسق الغربي وهو ما أبرز وجود مدرستين مهيمنتين على الجماعة العلمية المهتمة بدراسة تلك المراكز، حيث ركزت المدرسة الأولى على تحليل التصنيفات والتخصصات المتنوعة لمراكز الفكر المنخرطة في أبحاث السياسات وظروف نشأتها وعلاقتها بالسلطة الحاكمة، بينما ركزت الثانية على البعد المفاهيمي والاصطلاحي لتلك المراكز.

وعرفت منظمة الأمم المتحدة مراكز الفكر بأنها “مؤسسات تجسير الفجوة بين النتاج المعرفي والسلطة في مضامين سياسية ديمقراطية”، بينما يعرفها مدير برنامج جلوبال جو لتصنيف مراكز الفكر بجامعة بنسلفانيا جيمس ماكجان بأنها “منظمات تحليل ودراسة السياسات العامة على اختلاف قدراتها التمويلية وهياكلها المؤسسية ومجال عمل المؤسسة”.

الفصل الثالث: مراكز الفكر في الصين

نشأ تقليد مراكز الفكر في الصين في حقبة الممالك الثلاث، حيث استعان الأباطرة في ذلك الوقت بالمستشارين الذين جرى اختيارهم من بين كبار المسؤولين لتقديم النصح والمشورة للإمبراطور، مما يعكس الطبيعة الخاصة التي تتمتع بها تلك المراكز في الثقافة السياسية الصينية، بجانب ذلك الموروث ساهمت التطورات العلمية في تسعينيات القرن الماضي من تحول فكري في نظرية العلاقات الدولية، علاوة على بروز النمط الغربي من مراكز الفكر في ظهور مفهومين مختلفين لمراكز الفكر في الأدبيات الأكاديمية الصينية، وهما:

  • أ-“تشينانغ توان”: والمقصود به مجموعة صغيرة تعمل كفريق استشاري لصناع القرار.
  • ب-“زسيانغ كو”: يعد ذلك المفهوم ترجمة حرفية للمفهوم الأميركي، ويعني مؤسسات التي تجري أبحاث سياسات وهي محل دراسة هذا الكتاب.

1-مراكز الفكر الصينية

أ-التطور التاريخي

يرى الباحثون الصينيون أن تطور مراكز الفكر مرّ بمرحلتين رئيسيتين كالتالي:

-مرحلة ماو تسي تونغ من 1956إلى 1976 مع انتهاء الثورة الثقافية، ولم تساهم الصين في تلك الفترة بأي دور على الساحة الدولية وكانت مرتبطة بسياسة الاتحاد السوفيتي، وانعكس ذلك الارتباط على باحثي العلاقات الدولية الصينيين، حيث استعانوا بقوالب تحليلية سوفيتية غلب على نتاجها الفكري والسياسي التأثر بالأيديولوجيا الشيوعية، وشهدت تلك الفترة ميلاد عدد من المراكز وعلى رأسها معهد العلاقات الدولية (1956) ومعهد الاقتصاد العالمي (1963).

– في الفترة من 1977 إلى 2002 منذ عهد الرئيس دينج شياوبنغ والتي شهدت تحولا هاما في سياسات الحزب والدولة في البلاد، وشهدت ازدهار مراكز الفكر المتخصصة في مجال الأمن العام تحت سلطة وزارة الأمن العام بواقع 11 مؤسسة مركزية و44 مركزا فرعيا تابعين للإدارات الإقليمية بالوزارة.

– حالة نخب الفكر في الصين

اهتم الحزب الشيوعي بالسيطرة على تلك المراكز منذ نشأتها إدراكا للدور التاريخي لنخب الفكر بالصين في التأثير على المجتمع وتشكيل وعيه وقيمه أكثر من نظرائهم في الدول الغربية، ومن ثمَّ ظل هاجس السيطرة عليهم عاملا هاما في الحفاظ على وجود ومستقبل الحزب.

ارتبط مفهوم نخبة الفكر (مفكرين وباحثين وعلماء) في الصين منذ عهد الزعيم ماو تسي تونغ بكبار المسؤولين على رأس الوزارات والمصالح الحكومية الهامة، بالإضافة إلى فئة أساتذة الجامعة الذين يشار إليهم بـ”الخبراء”، وقد جرى إعادة تلقين هذه النخب أثناء الثورة الثقافية لخلق نوع من التجانس والانسجام بينهم وبين باقي مكونات النظام الشيوعي.

ولذا تحتفظ المؤسسات الفكرية بعلاقة زبائنية مع مسؤولي الدولة وكوادر الحزب، وهو ما مكن مراكز الفكر من المشاركة ولو بنسبة ضئيلة في عملية صنع السياسات على الرغم من حجم القيود السياسية المفروضة على تلك المؤسسات في الفضاء العام.

2-تصنيفات مراكز الفكر

ظهر الاقتراب الصيني الجديد لتعريف مراكز الفكر وتحديد أدوارها في مقالة نشرت على موقع صحيفة الشعب اليومية في 29 أكتوبر 2014، حيث عرضت قرار مجموعة القيادة المركزية لتعميق الإصلاحات الشاملة، والتي حملت رؤية الرئيس شي جين بينغ بعنوان “مراكز فكر بخصائص صينية”.

ويأتي تصنيف أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية الصادر في يناير 2015 والذي يتضمن معياري التأثير والتخصص، ليعيد تصنيف مراكز الفكر وفق الرؤية الجديدة كالتالي:

أ-معيار التأثير

  •  مراكز فكر الجيش والحزب.
  • الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ومعاهدها.
  • مراكز الفكر الأكاديمية.
  • المراكز المدنية (غير الحكومية).

ب-معيار التخصص

  • مراكز سياسية.
  • مراكز اقتصادية.
  • مراكز اجتماعية.
  • مراكز الإصلاحات الشاملة.
  • مراكز العلاقات الدولية.

ويمكن تفصيل أنواع تلك المراكز وفقا لمعيار التأثير كالتالي:

-مراكز الفكر التابعة لجيش التحرير والحزب الشيوعي

تعد هذه المراكز مكونا رئيسيا في صنع القرارات الحكومية بمختلف الوحدات التنفيذية بالحكومة وجيش التحرير، ويتنوع تأثيرها بدرجة قربها من دوائر صنع القرار المتصلة بها، ومن بين تلك المراكز الأكثر نفوذا:

  • مكتب الأبحاث ومكتب الاستشارات التابعان لمجلس الدولة كمشارك رئيسي في إدارة شؤون الدولة.
  • مركز أبحاث التنمية أحد أعمدة صنع القرار بالدولة، ويتلخص دوره في تقديم أبحاث السياسات والاستشارات المرتبطة بالتخطيط الاقتصادي والاجتماعي.
  • مدرسة الحزب المركزية وترتبط أكثر بجانب النظريات الماركسية والدراسات الاشتراكية والشيوعية وقد ركزت مؤخرا على مجال السياسة الدولية، وعلى الرغم من أهميتها في تعليم القيادات العليا والوسطى للحزب إلا أنها لم تخضع للتصنيفات الدولية لمراكز الفكر.
  • مكتب الترجمة والتأليف المركزي التابع للحزب، وهو معني بترجمة بيانات الحزب للغات المختلفة.

وتعد المعلومات المتوفرة عن المراكز المتخصصة بالشؤون العسكرية نادرة نظرا لارتباطها بأنشطة استخبارية لجمع وتبادل المعلومات وتقديم دراسات عن الأسلحة، وتنقسم أكاديمية العلوم العسكرية إلى:

  • تحليل استخباراتي.
  • مراكز بحثية.
  • مراكز شؤون التسليح والحد من التسلح.
  • أكاديمية الصين للعلوم الإجتماعية ومعاهدها

تعد الأكاديمية تطبيقا عمليا للاقتراب الجديد للرئيس شي بإنشاء “مراكز فكر بخصائص صينية”، حيث تصنف كمنظمة غير حكومية لها دور هام في عملية صنع السياسات العامة، غير أنها مؤسسة حكومية بامتياز مما جعلها حالة خاصة في تصنيف مراكز الفكر الصينية بجانب كونها أكاديمية للدراسات العليا.

وتتكون الأكاديمية من 32 معهدا و3 مراكز بحثية تضم آلاف الباحثين، وتمتلك كل منها أجندة بحثية مستقلة وتختلف قدراتها التمويلية تبعا لاعتمادها جزئيا على التبرعات، وينخرط نخبة من باحثيها في صياغة الوثائق السياسية.

-المراكز الأكاديمية

ترتبط بالجامعات والأبحاث الأكاديمية وقليلا ما تركز على أبحاث السياسات، إلا أنها تتمتع بقدر من الخصوصية نظرا لكادرها العلمي المؤهل لتقديم رؤى متخصصة وأبحاث عالية الجودة فضلا عن إمكانات التعاون مع مراكز الفكر الدولية المتواجدة بالصين، ويتلخص التأثير فيها على عدد من الأشخاص النافذين الذين يفوق تأثيرهم في بعض الأحيان مراكزهم البحثية الجامعية لقلة انخراط تلك المؤسسات في صناع القرار وتبعيتها لوزارة التعليم.

-المراكز المدنية (غير الحكومية)

نشطت حركة إنشاء ذلك النوع من المراكز مطلع القرن الحالي ولا يزال دورها هامشيا في المجمل، ومنها:

  • معهد أبحاث تعليم القرن الحادي والعشرين.
  • مركز الصين والعولمة.
  • معهد شارهر.
  • المعهد البيئي العالمي.

3-الوظائف والأنشطة الرئيسية

أ-جمع لمعلومات

ويعد النمط السائد لدور مراكز الفكر في الصين نتيجة لطبيعة التفاعل الرأسي بين تلك المراكز وهياكل النظام الهرمي البيروقراطي، ويعد إحدى وسائل الحزب الشيوعي لتوظيف تلك المراكز نظرا للدور الهام للمعلومات في توجيه سياسة الدولة.

ب-تقديم الاستشارات السياسية

تعمل مراكز الفكر على تقديم الاستشارات للدولة والمؤسسات غير الحكومية والدولية، ويبرز في هذا الصدد ما يقدمه معهد غرب إفريقيا والدراسات الإفريقية للمؤسسات الكبرى من أفكار وتوصيات للاستثمارات طويلة الأمد بالقارة السمراء.

ج-قادة الرأي (صناع الرأي)

يسعى قادة الرأي من المناصرين لقضايا حقوقية وسياسية لتنظيم سلوك إيجابي بناء إزاء الدفاع عن قضاياهم دون الاحتكاك بمكونات السلطة أو إبداء المعارضة والنقد السلبي، ونظرا لطبيعة العلاقة التي يحرص قادة الفكر في تلك المراكز على تكريسها كوسيلة للتواصل الفعال مع الحكومة تزداد درجة تأثيرهم في صنع السياسات العامة كلما زاد نفوذهم لدى صناع القرار بالدولة والحزب.

د- قنوات اتصال غير رسمية (دبلوماسية المسار الثاني)

تعد المشاركة في الفعاليات الأكاديمية والسياسية الدولية وسيلة هامة لعرض سياسة الدولة في القضايا موضع النقاش والتفاوض في الملفات الهامة على الساحة الدولية، حيث توفر مستوى من التواصل لا تحظى به القنوات الرسمية الصينية، كما تؤدي دورا متناميا من خلال مشروعات مبادرة الحزام والطريق مما ساهم في إدخال تلك المراكز في دائرة صنع السياسات الخارجية بجانب الفواعل الرسميين بالدولة والحزب.

هـ-نوافذ تعليمية

توفر بعض تلك المؤسسات برامج الدراسات العليا وبرنامج للتبادل الثقافي مع الجامعات ومراكز الفكر الدولية، وقد انعكس ذلك على عدد أبحاث السياسات الصادرة عن مراكز الفكر الأكاديمية، والتي بلغت خلال الخطة الخمسية الثانية عشرة 60000 ورقة.

وفي مايو 2015 تأسس مركز تقييم ودراسات مراكز الفكر الصينية بجامعة نانجينغ لتجميع المنتج البحثي الصادر عن مراكز الفكر، وتم بفضله تدشين أول قاعدة بيانات لمراكز الفكر بعنوان “مؤشر مراكز الفكر الصينية”.

4-إصلاح مراكز الفكر في ظل إدارة الرئيس شي جين بينغ

بدأ الاهتمام بدور مراكز الفكر في عهد الرئيس هو جينتا، والذي اعتبر أنها تؤدي دورا هاما في تعزيز المصالح القومية والقوة الناعمة للصين في الساحة الدولية، والتي يشار إليها في أوساط الباحثين الصينيين بـ”عالمية مراكز الفكر الصينية”، وقد حظيت باهتمام خاص من إدارة الرئيس شي جين بينغ بثلاثة أهداف عامة، وهي: تحقيق التنمية الاقتصادية وتطوير النظام السياسي ونشر صورة إيجابية عن الصين تساهم في تعزيز حضورها الدولي.

وفي عام 2015 أصدر مجلس الدولة والحزب الشيوعي وثيقة لتدشين نوع جديد من “مراكز الفكر بخصائص صينية” شاملة لكافة المعلومات الهامة عن القيم والأهداف المفترضة لتلك المراكز، كما تضمنت الوثيقة الأجندة البحثية لتلك المراكز والتي تتلخص في ثمانية مجالات هي: التنمية الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، والبيئية، وتطوير الحزب، والدبلوماسية والشؤون الدولية، وأخيرا دعم سياسة “دولة واحدة ونظامين”.

5-نحو عالمية مراكز الفكر الصينية

أ-دبلوماسية المسار الثاني

تنخرط مراكز الفكر الصينية في أنشطة دبلوماسية المسار الثاني عبر مشاركتها في الفعاليات والمنتديات الدولية كظهير غير رسمي للدولة يساهم في ترسيخ رؤاها وقيمها، حيث تشترك في “حوار شانجري لا” للتباحث حول الدبلوماسية الدفاعية في منطقة آسيا والمحيط الهادي “آسيا-باسيفيك”، والذي يتضمن حضورا مزدوجا للدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية من صحافيين ومراكز فكر ومنظمات مجتمع مدني، وقد ساهمت تلك المراكز بفاعلية في تعزيز موقف الصين إزاء قضية تايوان.

ب-منتديات مراكز الفكر والحوكمة العالمية

أصبح حضور مراكز الفكر في الملتقيات الرسمية تقليدا جديدا يترسخ على الساحة الدولية، حيث يتضمن حضورها فعاليات نقاشية ومؤتمرات واجتماعات وورش عمل أولية تسعى الدول من خلالها لإيجاد أرضية مشتركة من التفاهم كأساس للتفاوض وتقريب المصالح بين الدول الأعضاء من خلال “التبادل المعرفي والعلمي”.

وتعد المراكز الصينية لاعبا رئيسيا في تلك المنصات الدولية من خلال تدشين آليات مشتركة للتعاون مع المؤسسات الغربية في تطبيق عملي لاستراتيجية الصين لإنشاء “مراكز فكر بخصائص صينية” عبر تطوير قابلية مراكز الفكر الوطنية للانسجام مع طبيعة عمل مؤسسات الفكر الأميركية، أو ما يسمي بـ”عالمية مراكز الفكر الصينية”Internationalization of Chinese) Think Tanks).

الآلية نطاق البحث/السياسة سنة الإطلاق
منتدى مراكز فكر الصين-إفريقيا علاقات الصين وإفريقيا 2012
منتدى مراكز فكر الصين وأميركا اللاتينية والكاريبي علاقات الصين بدول أميركا اللاتينية والكاريبي 2010
تحالف مراكز فكر طريق الحرير مبادرة الحزام والطريق 2015
مجلس الصين لتعاون مراكز فكر تجمع البريكس تعاون دول البريكس 2016
تجمع مراكز فكر مجموعة العشرين مجموعة العشرين 2016
المركز الأميركي الصيني لأبحاث الطاقة النظيفة البيئة والطاقة المتجددة 2009
حوار المسار الثاني للطاقة الصيني الأميركي البيئة والطاقة المتجددة 2013

الفصل الرابع: مراكز الفكر الصينية والدبلوماسية الاقتصادية

يمكن تعريف الدبلوماسية الاقتصادية بشكل عام بأنها “تجمع كلا من البعد الاقتصادي من السياسة الخارجية والبعد الاستراتيجي للسياسات الاقتصادية”، وبصورة أكثر دقة تعرف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها “صنع القرار والتفاوض بشأن قضايا رئيسية تؤثر في العلاقات الاقتصادية الدولية”.

ولذا تسعى الدبلوماسية الاقتصادية للمزج بين ما هو سياسي واقتصادي في سبيل اكتساب المزيد من الموارد والأسواق ورأس المال والتكنولوجيا والعمالة الماهرة، وذلك لتحقيق التنمية الداخلية كآلية لدرء المخاطر الناشئة عن ساحة الاقتصاد الدولي.

1-الدبلوماسية الاقتصادية

تعد الدبلوماسية الاقتصادية أحد الأعمدة الرئيسية للسياسة الخارجية الصينية الجديدة، وذلك بعد تحولها إلى نمط اقتصاد السوق وانضمامها لمنظمة التجارة العالمية رسميا في ديسمبر 2001، حيث نجحت الصين في صك مفهومها الخاص بالدبلوماسية الاقتصادية “الدبلوماسية الاقتصادية بخصائص صينية”، والذي يعني تطويع التدابير الاقتصادية على المستوى الدولي في إطار الدبلوماسية الشاملة للدولة من أجل حماية وتعظيم المصالح الوطنية باستخدام الاقتصاد لدعم السياسة.

وقد عبر الرئيس شي جين بينغ عن ذلك في خطابه بمنتدى دافوس 2017، حينما أكد الأهمية التاريخية لاقتناص بلاده فرصة التحول إلى الاقتصاد الحر بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية كخيار استراتيجي ثبت نجاحه، كما أكد ضمنيا رفع بلاده درجة الجاهزية لملء الفراغ الناجم على تراجع القوة الأميركية والسعي لإنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب يحمل طابعا ليبراليا، وذلك في إطار مساعي بكين لتبديد المخاوف الدولية من صعود قوة غير ليبرالية إلى قمة النظام الدولي.

2-الصين والنظام الاقتصادي العالمي

وفي سبيل تحولها إلى قوة اقتصادية عظمى عبر تبني نمط الحوكمة الاقتصادية العالمية برؤية الصين طورت بكين أجندة سياساتها الاقتصادية داخليا ودوليا على ثلاثة مستويات:

أ-مستوى داخلي: ركزت الصين على الاستثمارات الداخلية وقللت اعتمادها على الاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك عبر التوسع في إنشاء مناطق تجارة حرة في شنغهاي عام 2013، وجوانجدونغ، وفوجيان، وتيانجن عام 2014.

ب-مستوى دولي: عقدت بكين عددا من اتفاقات التجارة الحرة مع كل من رابطة دول جنوب شرق آسيا، وباكستان، وسنغافورة، وتشيلي، ونيوزيلاندا، وأيسلندا، وسويسرا، وكوستاريكا، وبيرو، وأستراليا، وكوريا الجنوبية.

ج-مستوى الروابط عابرة الحدود: عبر تعظيم الشراكة مع مؤسسات دولية متعددة الأطراف ومن بينها:

  • اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادي.
  • مبادرة الحزام والطريق.
  • الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة: وتعد بمثابة مخلب قط للمشروع الأميركي “الشراكة عبر المحيط الهادي” والتي لغاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا.
  • بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي.
  • بنك التنمية الجديد التابع لتجمع دول البريكس.

ويقع الثلاثي الأخير في قلب استراتيجية الدبلوماسية الاقتصادية للصين لتعزيز تجارتها وموقعها في ساحة الاقتصاد العالمي، كما يدلل مشروع الحزام والطريق بجانب بنكي التنمية الجديد واستثمارات البنية التحتية الآسيوي على وجود أهداف جيوسياسية للدبلوماسية الاقتصادية الصينية.

ويتكون مشروع الحزام والطريق والذي يدعى في الأوساط الأكاديمية والسياسية بـ”استراتيجية الصين الجيواقتصادية الجديدة” من محورين رئيسيين، أولهما طريق بري يربط البنية التحتية لدول الحزام والطريق من الصين وصولا إلى أوروبا، وثانيها طريق بحري يربط دول جنوب شرق آسيا بالعديد من الدول الإفريقية شرق القارة، وقد عملت بكين في الوقت ذاته على بناء ظهير بحثي لتلك الجهود عبر تدشين تحالف مراكز فكر طريق الحرير (SiLKS)، وهو ما يقتضي الربط بين مستقبل خطط الصين الاقتصادية والافتراضات السياسية لدور بكين في تلك الدول.

3-مراكز فكر الدبلوماسية الاقتصادية الصينية

يظهر اهتمام الصين بتدشين والانخراط في منتديات مراكز الفكر الدولية كنموذج صاعد من أدوات القوة الناعمة للدولة والترويج لسياساتها الاقتصادية، وهو ما يسهم على الجانب الآخر في إكساب تلك المراكز ثقلا دوليا، حيث تسعى المنتديات الغربية المناظرة لدمجها في تلك السياقات الاقتصادية الدولية والتأثير في توجهات الصين الداخلية والدولية، ويطلق عليها الصينيون “عالمية مراكز الفكر الصينية”.

وتأسست مراكز الفكر الاقتصادية الهامة بالصين في العقد الأخير من القرن العشرين، وأهمها:

  • معهد يوني رول للاقتصاد: وهو مركز مدني تأسس عام 1993 في بكين، وكان أحد أهم مراكز الدبلوماسية الاقتصادية قبل إغلاقه في أغسطس الماضي.
  • معهد الاصلاح والتنمية: شارك في العديد من المشاريع البحثية الدولية وقد تأسس عام 1991 في هيانان، ويعمل حاليا مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كما شهد عام 2007 ميلاد جيل جديد من مراكز فكر الدبلوماسية الاقتصادية الصينية بغية تقديم مقترحات سياسية داخلية واستراتيجيات اقتصادية خارجية ومنها:

أ-بانغول

على الرغم من حداثة المركز (2013) إلا أنه نجح خلال ثلاث سنوات في تطوير أنشطته المختلفة والمشاركة في الفعاليات والمنتديات الدولية، وأصبح عضوا في مجلس الصين لتعاون مراكز فكر تجمع البريكس 2016، كما يعد مساهما بشكل رئيسي في رابطة مراكز فكر الحوكمة العالمية الذي يتضمن عدة أنشطة من بينها الأبحاث المشتركة والمحاضرات والندوات وورش العمل والمؤتمرات.

وأسِس المركز على النمط الغربي لمراكز الفكر بمشاركة مستشارين رفيعي المستوى وأكاديميين وباحثين زائرين ومقيمين، كما يرحب المركز بانضمام الباحثين الأجانب من الدول المتقدمة والنامية وأغلبهم يحظون بسمعة دولية في مجالات تخصصهم.

ب-معهد شونيانغ للدراسات المالية

يتبع المعهد جامعة رنمن ببكين ويحظى بتبرعات تبلغ 200 مليون يوان من قبل أحد خريجي الجامعة، ويعد نموذجا لـ”مراكز الفكر بخصائص صينية”، حيث يستعين بـ96 خبيرا سياسيا ومصرفيا وعالما، كما يتوصل المعهد مع مراكز الفكر من 30 دولة حول العالم.

تتكون الهيئة والفريق التنفيذيين من باحثين زائرين ومقيمين يديرون برنامجي زمالة بجانب باحثين زائرين بما يتضمن الحضور الدولي للنخب الأكاديمية الأجنبية من أميركا وأوروبا.

ويعد المعهد فاعلا هاما في ساحة المنتديات الدولية لمراكز الفكر، حيث اختير ليكون منسقا لتجمع مراكز فكر مجموعة العشرين عام 2016، والمدير التنفيذي لتحالف مراكز الفكر الصينية المشاركة في مبادرة الحزام والطريق.

ج-مركز الصين والعولمة

تأسس عام 2008 على أيدي باحثين صينيين عائدين من الدول الغربية ولديه علاقات وثيقة مع رابطة الباحثين الصينيين العائدين من الغرب، وينشط في ملفات الحوكمة العالمية والشؤون الدولية وريادة الأعمال الدولية والدراسات الحضرية والتعليم.

4-روابط الدبلوماسية الاقتصادية العابرة للحدود

أ-مراكز فكر مشروع الحزام والطريق

تعد مراكز الفكر الصينية إحدى أذرع الحكومة لتنفيذ مبادرة الحزام والطريق عبر آليتين رئيسيتين، هما تحالف مراكز فكر الحزام والطريق ورابطة مراكز فكر الحزام والطريق، حيث أطلِق تحالف مراكز فكر الحزام والطريق خلال المنتدى الاقتصادي لطريق الحرير بمدريد 2015 كملتقى تواصل وتفاعل مفتوح ومتنوع، بهدف إشراك تلك المراكز في تطوير التعاون بين دول المبادرة وتقديم مقترحات استراتيجية تخدم أهدافها، كما يعكس اهتمام الصين بإنشاء تلك الروابط إرادة الإدارة الحالية للرئيس شي جين بينغ في تطوير دور تلك المراكز ومساهمتها بفاعلية في تعزيز حضور الصين على الساحة الدولية.

ب-تجربة الصين في مراكز فكر مجموعة العشرين

تم تدشين تجمع مراكز فكر مجموعة العشرين عام 2012 خلال رئاسة المكسيك، بينما برز دور مراكز الفكر الصينية عام 2015 مع ترأس الصين للمجموعة، والتي تمثل علامة فارقة في تاريخ تلك المراكز لتعزيز انخراطهم في صنع السياسات العالمية وتعظيم دور المراكز عالميا واستغلال الفرصة التي أتاحها التجمع لتطبيق تدابير فعالة لاكتساب المصداقية والتأثير محليا ودوليا.

وركزت المراكز خلال قمة المجموعة في 2015 على عدة موضوعات هامة على الساحة الدولية منها:

  • إمكانية تعزيز دور المجموعة في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمة المستدامة 2030.
  • تطوير أطر تعاون جنوب-جنوب، وشمال-جنوب في إطار مجنوعة العشرين.
  • تعزيز التنسيق المشترك لتحويل المجموعة إلى منصة لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية وخدنة أهداف التنمية المستدامة في الاقتصاد العالمي.

الفصل الخامس: مراكز الفكر الصينية والدبلوماسية البيئية

برز دور الصين في مجال الدبلوماسية البيئية منذ مؤتمر كوبنهاجن للمناخ 2009، عندما أعلنت بكين التزامها بـمبدأ المسؤولية المشتركة “غير المتساوية” لحماية البيئة ومكافحة تغير المناخ، على الرغم من انقلابها على ذلك المبدأ بالتساوي مع الولايات المتحدة التي انسحبت من اتفاقية باريس للمناخ عام 2016.

1-مراكز الفكر البيئية في الصين

بدء الاهتمام الحكومي في عام 2007 بتحديد أجندة عمل سياسية قومية للتعامل مع ظاهرة التغير المناخي والتحديات البيئية وهو ما بات يتطور حتى أضحى مع مرور الوقت نسقا بارز المعالم، وترتب على ذلك الحاجة إلى مزيد من الخبراء بالشأن البيئي لمساعدة النخب السياسية على اتخاذ القرارات نظرا لمحدودية معلوماتهم بشأن مشاكل البيئة، مما دفع الحكومة الصينية في بعض الأحيان للاستعانة بخبراء أجانب في ذلك المجال.

أ-معهد الشؤون العامة والبيئية

ويهدف لنشر المعرفة بشأن القضايا البيئية وتوعية المجتمع الصيني بمخاطر التغير المناخي وإشراك العامة في منظومة الحوكمة البيئية بالبلاد، كما عمل المعهد بالتركيز على ملف تلوث الهواء وتطوير قاعدات بيانات شاملة وخريطة للتلوث في الصين.

أصدر المعهد تقريرا في عام 2010 بعنوان “مؤشر شفافية المعلومات بشأن نقاء الهواء”، حيث حلل من خلاله نسبة تلوث الهواء في 20 مدينة، وأجبِرت على إثره أكثر من 50 مؤسسة وطنية ودولية تنتهك قوانين الحد من تلوث المياه والهواء على اتخاذ إجراءات تصحيحية تحد من التلوث.

يتعاون المعهد مع مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية الأميركي في تدشين مؤشر شفافية التلوث لقياس درجة التزام الحكومات والشركات والكيانات المجتمعية في جهود الحد من التلوث.

ب-مركز الصين القومي للطاقة المتجددة

تأسس عام 2012 في بكين كجزء من برنامج تطوير الطاقة المتجددة الصيني الدنماركي، ويقدم أوراق سياسات وأبحاث تخطيط واستراتيجية شاملة.

ج-معهد البديل المدني

يعرف المعهد نفسه كمركز فكر مستقل للسياسات العامة متخصص في أبحاث التنمية المستدمة في مجالات البيئة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية والسياسية، وقد تأسس عام 2000 في إقليم هونغ كونغ.

2-مشاركة مراكز الفكر الصينية في الدبلوماسية البيئية

أ-حوار المسار الثاني للطاقة الصيني الأميركي

أطق المسار عام 2013، ويضم ناشطي دبلوماسية المسار الثاني من خبراء ومراكز فكر وشركات من الجانبين لمناقشة تحديات تغير المناخ وتأثيره في مستقبل استخدامات الطاقة في كلا البلدين، حيث ناقش الملتقى خلال ثلاثة لقاءات (2013، 2014، 2016) عدة قضايا هامة تهم البلدين كالتالي:

  • مستقبل ثورة النفط الصخي الأميركي وإمكانية نقل التجربة إلى الصين.
  • نمو الطلب الصيني المتسارع على الطاقة وتداعيات ذلك على العلاقات مع الولايات المتحدة.
  • التحديات الأمنية والجيوسياسية التي قد تواجه البلدين وكيفية تعامل الحكومتين معها.
  • التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد وتوحيد معايير وبيانات الانبعاثات.
  • دور الصين وأميركا في إطار المنظمات البيئية متعددة الأطراف.

وجه الملتقى بأهمية تجاوز التنافس السياسي بين البلدين وتقوية أطر التعاون الثنائي في مجالات التكنولوجيا الجديدة وتعميق الإصلاحات الداخلية وتعزيز دور مراكز الفكر في مجال الطاقة.

ب-المركز الأميركي الصيني لأبحاث الطاقة النظيفة

يعد المركز نموذجا للدبلوماسية المختلطة، حيث تأسس عام 2009 بمشاركة فاعلين رسميين وغير رسميين بهدف تقديم حلول مبتكرة في مجال الطاقة النظيفة.

يتكون الهيكل التنفيذي للمركز من لجنة توجيهية من وزارات كلا البلدين، ويعمل تحت إشرافها مجموعة أمناء مشتركة بجانب خمس مجموعات عمل لكل دولة في مجالات (الفحم والتكنولوجيا، مركبات الطاقة النظيفة، تكنولوجيا الطاقة والمياه، والشاحنات المتوسطة والثقيلة)، ويرأس مجموعات العمل الصينية باحثون وأكاديميون يعملون في مختلف الجامعات.

الفصل السادس: إعادة النظر في مراكز الفكر بالصين المعاصرة

يجادل التيار التقليدي لتناول قضايا الصين في البيئة الأكاديمية الغربية بمحدودية دور وتأثير مراكز الفكر الصينية في عملية صنع القرار نظرا لكونها تستخدم كأبواق للحزب الحاكم وسياساته ولا تتعرض إلى نقده إلا نادرا، ويصدق ذلك في حالة معهد يوني رول للاقتصاد ذائع الصيت في الصين وحول العالم كمركز فكر ينتهج التوجه الليبرالي، والذي أغلقت السلطات الصينية موقعه الإلكتروني يناير 2017بتهمة نشر معلومات دون التأكد من دقتها.

بينما يسعى بعض الباحثين لتأكيد الدور الخاص لمراكز الفكر الصينية في إطار تقوية وتطوير المنظومة السياسية والأيديولوجية على اعتبار أن الأمن الأيديولوجي هو جوهر الأمن القومي الصيني، وهو ما يثير النقاش حول التغير في نمط القيادة من النخبة المركزية ونمط القيادة الجماعية وطبيعة تلك الآليات الجماعية للحكم، إذا ما تمثلت في نمط أفقي بين قادة الحزب أم أنها تتمدد رأسيا لتشمل الحكومة ومراكز الفكر المتخصصة في شؤون السياسة الخارجية.

العوامل الداخلية والخارجية المؤطرة لتطور مراكز الفكر الصينية

أ-داخليا

ساهم ذلك النقاش في التطرق إلى طبيعة التفاعلات داخل النظام السياسي الصيني لفهم درجة تأثير مراكز الفكر في عملية صنع السياسات العامة بالبلاد، ويمكن إجمال خصائص النظام الصيني في النقاط التالية:

  1. نظام معقد: يتكون من ثلاثة نظم رأسية بيروقراطية (الحزب، الحكومة، الجيش) تتقاطع أفقيا في الإدارات الإقليمية.
  2. تنشأ مشاكل الحوكمة وصنع وتنفيذ القرارات في العديد من النواحي تبعا لضخامة عدد السكان وتنوعهم.
  3.  يتقلد العديد من المسؤولين في النظم الإقليمية مناصب تعادل تلك المناصب للمسؤولين في النظم الرأسية مما يوجد نوعا من التعاون البيروقراطي بين قرناء لا يرأس أحدهم الآخر.
  4. تنشأ أغلب المشكلات في بيئة المخصصات المالية غير الكافية.
  5. يمتلك السياسيون والبيروقراطيون ثلاث وسائل لصنع القرار وتنسيق السلوك فيما بينهم (النظام الهرمي للسلطة – المواءمات والصفقات – الانتخابات).
  6. في حالة عدم جدوى نظام المواءمات وفشل ثنائية القيادة (الحزب والحكومة) في خلق تفاهمات بين الأطراف تنشأ النزاعات في المستويات الدنيا من مسؤولي الأقاليم.

ب-دوليا

ساهمت ديناميات العولمة وتطورات الشؤون الدولية في تغيير أدوار ووظائف مراكز الفكر الصينية ومن ثمَّ فرض وجودها في ميدان صنع السياسات العام بالبلاد خاصة تلك المتعلقة بالشؤون الخارجية، وذلك من خلال انتشار الوسائط التكنولوجية لنشر ومشاركة المعلومات وأنشطة دبلوماسية المسار الثاني والانفتاح الاقتصادي الصيني، علاوة على برامج التبادل العلمي والمنتديات الدولية لمراكز الفكر، ويمكن إيضاح ذلك في النقاط التالية:

  • زيادة عدد القضايا الإشكالية في الشؤون الدولية ذات الصلة بجمهورية الصين الشعبية.
  • التطور المتسارع لشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
  • التحول الدراماتيكي في الصناعة البحثية الصينية تبعا لتطور وسائل مشاركة المعلومات.
  • تطور استراتيجيات الصين العالمية في سياق التحول لقوة عظمى مهيمنة على النظام الدولي مستقبلا.

الخاتمة

في ظل هذا النظام تسعى مراكز الفكر الصينية لتعظيم تأثيرها في عملية صنع السياسات عبر حشد مواردها الضئيلة واستثمارها في أوثق السبل والوسائل، حيث تعد مراكز الفكر الحكومية والخاصة إحدى الأدوات الفعالة في الصين لمواكبة تطورات العولمة الاقتصادية والسياسية ووضع تصورات لمواجهة تحدياتها، وهو ما يبدو واضحا من خلال الفصلين الرابع والخامس في مجالي الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية.

ويوضح تعامل بكين مع مراكز فكر الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية رؤية الصين ومبادئها الحاكمة في السياق الدولي وتغير موقعها من دولة تطبق قواعد التفاعلات الدولية المعمول بها إلى دولة صانعة ومراجعة لتلك المعايير والقواعد، وفرض قواعد جديدة للسلوك الدولي، ولذا تعد تلك المراكز واجه الصين المعاصرة في السياق الدولي، ويعطي دورها المتزايد رغم الضغوط السياسية والأيديولوجية لمحة عن التحولات الجارية داخل النظام الشيوعي المتجدد بالصين.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDFإضغط هنا

رابط الكتاب الأصلي: https://bit.ly/2vqdf6l.

العلامات: