اكتب أي شيء للبحث

استثمار الفكر.. كيف يمكن لمراكز الفكر أن تمول نفسها؟

مشاركة

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

 مقدمة

إن تقدم المجتمعات ونهضتها مرهون بمدى اهتمامها بالبحث العلمي وتطبيقاته العملية، ويعد البحث العلمي من أهم الأنشطة التي يمارسها العقل البشري، الأمر الذي يقتضي ضرورة الاهتمام بأدواته وتحقيق التكامل بين مؤسساته والتي تشمل الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث والتطوير التابعة للمؤسسات الكبرى ومراكز الفكر والدراسات سواء كانت تابعة للحكومات أو للقطاع الخاص. ولقد حظيت مراكز الفكر باهتمام واسع في العقود الأخيرة، حيث باتت من أهم الوسائل لاستشراف آفاق المستقبل وأحد الأركان المؤثرة في رسم السياسات العامة وصناعة القرار، ولعل الدليل على أهميتها يظهر في تركز مراكز الفكر في أوروبا والولايات المتحدة لما لها من أثر واضح في تشكيل التوجهات الغربية تجاه القضايا المختلفة، حيث تعمل تلك المراكز على إمداد صانعي القرار بالإحصاءات والتقديرات العملية التي يحتاج إليها صانعو القرار لتخطي مشكلة ما أو مواجهة أزمة محددة.

وتحاول هذه الدراسة تحليل أهم التحديات والعقبات التي تواجه مراكز الفكر في الدول العربية، لا سيما ما يتعلق منها بالجانب المالي الذي يشكل مصدر قلق سواء لمراكز الفكر أو العاملين بها من حيث مدى القدرة على استدامتها، ولذلك فإننا نحاول في هذه الدراسة إيضاح أهم مصادر التمويل التي يمكن للمراكز البحثية الاعتماد عليها، ويتطلب ذلك في البداية توضيحا لبعض المفاهيم والتصنيفات المرتبطة بمراكز الفكر، مع تركيز الضوء على تصنيف المراكز البحثية حسب مصادر تمويلها، ثم نستعرض أهم العقبات والتحديات التي تعترضها مع تسليط الضوء على جانب التمويل، وكيف يمكن للتمويل أن يمارس دورا في فساد المراكز البحثية من خلال استعراض بعض الحالات العملية لفساد التمويل في مراكز الفكر عالميا، وأخيرا قدمنا رؤيتنا لتطوير آليات جديدة تساعد على الإجابة على تساؤل الدراسة حول كيف يمكن لمراكز الفكر أن تمول نفسها؟

أولا: مراكز الفكر .. بين مصادر التمويل والتوجه

يعد إدارة الجانب المالي لمراكز الفكر مصدر اهتمام لكل من القائمين عليها والعاملين بها على حد سواء، ويشكل ضرورة حيوية لضمان استمراريتها وبقائها، حيث يمثل نقص التمويل اللازم من جهة وتحديد مصدره من جهة أخرى عائقا يحول دون تحقيق هذه المراكز لمهامها الاستراتيجية. وبينما نلاحظ انخفاض إنفاق الدول العربية على البحث العلمي بصفة عامة وذلك كإحدى السمات المشتركة بين البلدان النامية، فإننا نلاحظ أيضا انخفاض الإنفاق على مراكز الفكر في البلدان العربية إلى نسب متدنية جدا، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نصيب الدول العربية مجتمعة من الإنفاق العالمي على البحث العلمي لم يتجاوز 0.5%، يمثل القطاع الحكومي 80% منهاـ

ومن خلال إجراء مقارنة بين المراكز البحثية في الدول العربية ونظيرتها الغربية من حيث عددها والدور الذي تمارسه في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومدى مساهمتها في رسم السياسات العامة وصناعة القرار الاستراتيجي، نجد أن هذه المقارنة ليست في صالح الدول العربية، حيث يخلو ترتيب الـ25 دولة حول العالم وفقا لمؤشر جامعة بنسلفانيا لترتيب مراكز الفكر من حيث عدد مراكز الفكر من وجود أي دولة عربية، في حين نلاحظ تركز هذه المراكز في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والدول الساعية للتقدم في شرق آسيا.

وبالإضافة إلى ندرة مراكز الفكر في الدول العربية من الناحية العددية يضعف دورها وتضعف إسهاماتها في أداء دورها الاستراتيجي، ولذلك تحاول هذه الدراسة تحليل أهم التحديات والعقبات فيما يتعلق بالجانب المالي، حيث يؤدي صعوبة توفير التمويل اللازم إلى إثارة مجموعة من العقبات والمشكلات الناتجة عن ضعف التمويل، ولعل من أهمها ضعف الاستقلال المعرفي وضعف القدرة على استقطاب الموارد البشرية التي تتسم بالكفاءة، مما يؤثر في النهاية بشكل سلبي على المنتج النهائي لتلك المراكز والذي يتمثل في انخفاض جودة الأبحاث والدراسات، مما يؤدي إلى انصراف المؤسسات المانحة للتمويل عن دعم مراكز الفكر في عالمنا العربي.

ومما لا شك فيه أن أي محاولة للتفكير الجاد لدعم وتطوير مراكز الفكر والأبحاث يتطلب في البداية ضرورة مساندة التمويل الوطني من خلال الإنفاق الحكومي لزيادة ميزانيات البحث والتطوير، بالإضافة إلى تفعيل دور ومساهمة القطاع الخاص في توفير التمويل، وذلك من خلال التعاون المشترك لتحقيق منافع متبادلة، ويمكن للدولة تخصيص نسبة من الضرائب على أرباح الشركات كمصدر لتمويل مشاريع البحث العلمي.

وللوقوف على مصادر التمويل المختلفة التي يمكن لمراكز الفكر الاعتماد عليها في تدبير التمويل اللازم سنوضح في البداية مصادر التمويل التقليدية والمتعارف عليها من خلال عرض الأشكال والتقسيمات المتنوعة لمراكز الفكر للتعرف على مصدر كل نوع منها في تدبير الأموال اللازمة لأوجه الإنفاق المختلفة.

1- مصادر تمويل مراكز الفكر

يشكل الجانب المالي محورا هاما لتحقيق التطور والنمو لمراكز الفكر والأبحاث، وتتعدد المصادر التىي يمكن من خلالها توفير التمويل اللازم، ويمكن توضيح مصادر التمويل التي تستقي منها مراكز الفكر مواردها المالية من خلال الشكل رقم (1).

شكل رقم (1): تصنيف مصادر تمويل مراكز الفكر

مصادر التمويل الوطنية

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو انفوجراف-1-1.jpg

أ- مصادر التمويل الوطنية

ويقصد بها مصادر التمويل التي يتم من خلالها توفير الأموال لمراكز الفكر من داخل الدولة، ويمكن تصنيفها إلى نوعين، هما المصادر الاستثمارية والمصادر المحلية:

-التعاقدات والمصادر الاستثمارية: ويقصد بها تدبير الاحتياجات المالية للمركز عن طريق استغلال المنتجات البحثية والإسهامات الفكرية للباحثين في تحقيق إيرادات عبر إعداد الأبحاث وتقديم الخدمات الاستشارية، وذلك من خلال التعاقد على مشروعات بحثية لصالح الغير سواء كانت مؤسسات حكومية أو غير حكومية، ويمكن للمراكز العمل على زيادة مواردها المالية من خلال عقد الدورات التدريبية بهدف إعداد وتنمية الكوادر البشرية وانتقاء الكفاءات منها لخلق جيل جديد من الباحثين، بالإضافة إلى عقد الندوات والمؤتمرات بهدف نشر الوعي الثقافي لدى الجمهور وعرض رؤية المركز في العديد من القضايا والموضوعات المختلفة.

-مصادر التمويل المحلية: وتشمل جميع الموارد المالية التي يمكن للمركز الحصول عليها من مصادر التمويل المحلية والخاضعة لإشراف ورقابة الدولة سواء كانت مصادر تمويل حكومية أو غير حكومية، ومن أمثلتها مؤسسات القطاع الخاص والأثرياء من رجال الأعمال والوقف المالي.

ويقصد بالوقف المالي التبرعات الموقوفة على كيان معين، وهو تبرع أو منح لا تسترد من أموال أو ممتلكات لصالح منظمة غير ربحية بهدف تقديم الدعم لها لتتمكن من مواصلة خدماتها لغرض معين، وعادة ما يتم استثمار الوقف بحيث يتم استخدام الدخل أو العائد الناتج من الاستثمار في الإنفاق بهدف الحفاظ على المبلغ الأصلي، بحيث يسمح لهذا التبرع بأن يكون له أثر لفترة طويلة الأجل بدلا من إنفاقه مرة واحدة، وقد يأتي الوقف المالي مع اشتراطات متعلقة باستخدامه.

وتعرف القيمة الإجمالية لاستثمارات الوقف المالي غالبا باسم” وقف المؤسسة“، والتي عادة ما يتم تنظيمه كجمعية خيرية عامة أو مؤسسة خاصة أو ائتمان وصاية. ومن بين المؤسسات التي تدير عادة الأوقاف المؤسسات الأكاديمية ومنها على سبيل المثال: الكليات، الجامعات، المدارس الخاصة. والمؤسسات الثقافية ومنها على سبيل المثال: المتاحف، المسارح، المكتبات. والمنظمات الخدمية ومنها على سبيل المثال: المستشفيات، دور المسنين، الهلال أو الصليب الأحمروالمنظمات الدينية ومنها على سبيل المثال: المساجد، الكنائس، المعابد.

وفيما يتعلق بأهمية التمويل الخاص (غير الحكومي) لمراكز الفكر فإنه يمكن القول إنه إذا كان التمويل الحكومي وتوجيه الدعم الحكومي لمراكز الفكر هو ضرورة في المرحلة الأولى لتكوين وإنشاء مراكز الفكر لكىي تتمكن من مواجهة الأعباء المالية وتستطيع تجاوز الصعوبات والتحديات التي تواجهها في مرحلة التأسيس، إلا أنه يجب خفض الاعتماد على التمويل الحكومي في المراحل التالية من خلال تمويل مراكز الفكر نفسها ذاتيا، بالإضافة إلى الاعتماد على المبادرات الخاصة في التمويل من خلال زيادة دور الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال التي تمتلك الحث الوطني، وتدرك أهمية البحث العلمي في تحقيق التنمية ونهضة الأمم في المساهمة في تمكين تلك المؤسسات الفكرية من أن تؤدي دورا محوريا في معالجة المشكلات المجتمعية، فالاقتصادات الناجحة هي التي تتميز بتضافر الجهود المستقلة التي تسعى إلى تنمية المجتمع في أبعاده كافة.

ب- مصادر التمويل الأجنبية (التمويل الدولي)

ويقصد بها مصادر التمويل التي يتم من خلالها توفير الأموال لمراكز الفكر من خارج الدولة، سواء كانت مؤسسات دولية أو حكوميات أجنبية أو منظمات غير حكومية داعمة للتنمية والبحث العلمي، ويجب أن تكون هذه الأموال خاضعة لإشراف ورقابة الدولة.

2- تصنيف مراكز الفكر وفقا لمصدر التمويل

تتنوع مراكز الفكر من حيث المجالات والتخصصات المختلفة إلى أنواع عديدة، نظرا لتأثر معظم مراكز الفكر عند إنشائها وعند إعداد جدول أعمالها البحثية بالقضايا والموضوعات التي تهتم بها المؤسسات والجهات المانحة للتمويل، ولذلك يمكن القول بأن الجانب المالي يشكل عنصرا هاما من عناصر ومعايير تصنيف مراكز الفكر، ويمكن تصنيف مراكز الفكر إلى أنواع متعددة وفقا لمعيار التمويل أو الاستقلالية أو الارتباط السياسي والاتجاه الأيدولوجي، أو وفقا للعملاء والمستخدمين، وسنركز الاهتمام على دراسة تصنيف مراكز الفكر وفقا للغرض الذي يتوافق مع هذه الدراسة وهو تصنيف مراكز الفكر وفقا لمعيار التمويل. ويوضح الشكل رقم (2) تصنيف مراكز الفكر وفقا لمعيار التمويل.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو انفوجراف-2.jpg

المصدر: من إعداد الباحث.

أ- مراكز الفكر التابعة للقطاع الحكومي

تخضع هذه المراكز لملكية القطاع الحكومي، حيث تُعين الحكومة إدارتها وموظفيها، وتحدد الموضوعات والقضايا البحثية التي تهم صانع القرار في القطاع الحكومي، كما تلتزم الحكومة بتوفير التمويل اللازم في ضوء ميزانيتها، وتتميز هذه المراكز بالقدرة على توفير التمويل اللازم وممارسة دور مؤثر في صنع القرارت ورسم السياسات العامة بسبب اطلاعها عن قرب بالموضوعات والقضايا التي تهم صانع القرار، ولكن قد يعاب عليها ضعف الاستقلال إذا تأثرت المشاريع البحثية أو التوصيات الناتجة عنها بالتعقيدات البيروقراطية التي يتسم بها القطاع الحكومي، حيث يتطلب الإنفاق في القطاع الحكومي ضرورة اعتماد مبلغ مالي للغرض الذي سيتم الإنفاق من أجله ضمن بنود الموازنة العامة للقطاع الحكومي، كما يوجه إليها نقد بأن البيئة غير مولدة للأفكار الإبداعية في القطاع الحكومي بسبب صعوبة قبول الأفكار الجديدة أو وخوف المسؤولين من تبني حلول غير مسبوقة. وتشتمل مراكز الفكر التابعة للقطاع الحكومي على:

مراكز الفكر التابعة للهيئات الحكومية والمؤسسات السيادية: وهي مراكز فكر تابعة للحكومات، حيث تقدم هذه المراكز العديد من الخدمات للحكومة لأداء وظائفها مثل إجراء الأبحاث لقياس اتجاهات الرأي العام وتقييم أداء السياسات العامة، وقد تكون هذه المراكز تابعة للحكومة بشكل تام أو جزئي بأن تعلن عن تبعيتها لجهات متعاقدة معها لإجراء أبحاث لأغراض علمية أو سياسية محددة، ولكن بدون أن تتدخل هذه الجهات في مسار هذه الأبحاث.

مراكز الفكر الأكاديمة أو التابعة للجامعات: وهي المراكز التي تستخدم منهجيات البحث العملي، وتعتمد على الباحثين الأكاديميين في البحث والتحليل للموضوعات والقضايا التي تواجه المجتمع، ويتم تمويل هذه المراكز من مؤسسات مانحة للبحث العلمي أو من خلال التبرعات غير المشروطة من الشركات أو رجال الأعمال التي تسعى إلى ممارسة دور وطني في خدمة المجتمع أو من الهيئات الدولية، وقد يتم الحصول على التمويل عن طريق التعاقد على مشاريع بحثية سواء مع الحكومة أو القطاع الخاص، وقد تتلقى هذه المراكز تمويلها من ميزانية الجامعة إذا كانت تابعة لها، بالإضافة إلى التعاقد مع الغير لإجراء أبحاث لصالحه.

ويسهم الاستقلال المالي الذي تتمتع به هذه المراكز في دعم استقلالها عندما تختار الموضوعات التي تحديد أنشطتها وأجندتها البحثية، كما تتمتع النتائج والتوصيات التي تصل إليها تلك الأبحاث والدراسات بالموضوعية والحياد نظرا لما تتمتع به من استقلال علمي ومهني.

مراكز الفكر التابعة لمؤسسات صحفية أو إعلامية: وهي مراكز الفكر التي تتبع مؤسسات صحفية أو إعلامية سواء كانت حكومية أو غير حكومية، وربما تتحول المؤسسة الإعلامية بشكل كامل إلى مركز بحثي يعرض محتواه الثقافي في شكل إعلامي، وهو نموذج شائع في وكالات الأخبار الدولية مثلBBC و RTوغيرها. وقد تعمل كمركز تابع لإحدى المؤسسات الصحفية، مثل مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي أنشئ في مصر عام 1968، وهو مركز للدراسات السياسية والقضايا الدولية يهتم بالقضايا والأحداث التي تهم العالم العربي، حيث صدر عن المركز نحو 148 كتابا، وتضم الهيئة العلمية له 35 خبيرا وباحثا، ويصدر عن المركز الدوريات التالية : التقرير الاستراتيجي العربي، تقرير الاتجاهات الاقتصادية، دليل الحركات الإسلامية، مجلة أحوال مصرية، ملف الأهرام الاستراتيجي، كراسات استراتيجية، قراءات استراتيجية، مختارات إيرانية، مختارات إسرائيلية.

ب-مراكز الفكر غير الحكومية والتابعة للقطاع الخاص

تتسم هذه المراكز بأنها لا تخضع لملكية القطاع الحكومي ومن ثمَّ لا تخضع تمويلها أو إدراتها للقطاع الحكومي، ولكن ترتبط بمؤسسات القطاع الخاص سواء كانت تابعة لشركات أو صحف خاصة أو جامعات خاصة، ويمكن تصنيف مراكز الفكر غير الحكومية والتابعة للقطاع الخاص إلى مراكز فكر تابعة لمؤسسات غير هادفة للربح، مثل الأحزاب السياسية والجمعيات، ومراكز فكر تابعة للمؤسسات الاقتصادية الهادفة للربح مثل مراكز الأبحاث والتطوير بالشركات (R&D) Research and development، تعمل على تطوير المنتجات بالشركات بهدف زيادة الحصة السوقية من المبيعات ومن زيادة الأرباح، وقد تنشئ بعض المؤسسات الاقتصادية كالشركات مراكز للفكر وبذلك تضمن هذه المراكز توفير التمويل اللازم لها من خلال الشركة القائمة عليها، وقد تكون هذه المراكز مستقلة، ونوضح كلا منها فيما يلي:

مراكز الفكر التابعة لمؤسسات غير هادفة للربح: وتشمل مراكز الفكر التابعة للأحزاب السياسية بصورة رسمية ومن ثمَّ تتبنى أفكار وتوجهات ذلك الحزب، ومهمتها الأساسية هي الترويج للسياسات التي يؤمن بها الحزب ويسعى من خلالها إلى التأثير في الرأي العام والوصول إلى سدة الحكم، ومن أمثلة ذلك مراكز الفكر التابعة للحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية.

وتشمل كذلك مراكز الفكر التابعة للجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني ومن أمثلتها الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان والحريات، والتي تعتمد في تمويلها على برامج ومنح دولية لها أهداف وأغراض سياسية.

مراكز الفكر المستقلة: وهي مراكز فكر مستقلة تماما عن الحكومات وجماعات المصالح الخاصة ومن ثمَّ فهي لا تعتمد على المؤسسات الاقتصادية في توفير التمويل اللازم لها ولكن على التعاقد على إعداد مشاريع بحثية لصالح الغير، بالإضافة إلى الحصول على التبرعات غير المشروطة من المؤسسات المانحة كالشركات ورجال الأعمال، وتمتاز هذه المراكز بالاستقلال من حيث التمويل واختيار أجندتها واهتماماتها البحثية، والالتزام بالمعايير العلمية والأكاديمية في البحث العلمي، كما توجه أهدافها البحثية نحو القضايا التي تشغل المجتمع بالإضافة إلى اهتمامها بالقضايا الدولية، وقد تحصل هذه المراكز في دولة ما على تبرعات أو تمويل دولي من إحدى الهيئات الأجنبية للقيام بأنشطة بحثية، مما يتطلب توخي الحذر حتى لا يؤثر ذلك على تعرضها لتشويه استقلاليها البحثية. ومن أمثلة المراكز التي تتمتع بالاستقلال المالي والمعرفي في تحديد برامجها وأنشطتها وجدول أعمالها البحثية وبما يتلاءم مع الموضوعية والحياد معهد بروكنجز في الولايات المتحدة الأميركية، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن بالمملكة المتحدة([1]).

مراكز الأبحاث والتطوير في المؤسسات الكبرى (R&D): حيث يعد نشاط البحث والتطوير المغذي الرئيسي للإبداع التكنولوجي خاصة في المؤسسات الكبيرة التي تمتلك الإمكانيات المادية والبشرية التي تمكنها من تحويل المعرفة إلى حلول فنية بهدف تطوير المنتجات المتاحة أو ابتكار منتجات جديدة لزيادة الحصة السوقية للمنشأة ومن ثم زيادة المبيعات وتحقيق المزيد من الأرباح.

ج- مراكز الفكر التابعة للبعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية

وهي مراكز فكر تسعى نحو تفعيل دور الحوار والتواصل الثقافي بين الأمم، مثل المركز الثقافي الأميركي بالقاهرة (ACC)، والذي يقدم مجموعة متنوعة من البرامج والمعلومات حول سياسة الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع والمواضيع الراهنة بها، ويحرص على تلقي آراء المشاركة من الأفراد من خلال فتح باب النقاش في العديد من الموضوعات التي تتناول سياسة الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع والقيم الأميركية، كما يعقد ندوات حول التطوير الوظيفي وورش عمل تقنية ومواضيع وبرامج متنوعة أخرى.

3- التمويل والوصاية على مراكز الفكر

إن الصورة الذهنية التي ينبغي أن تكون سائدة لدى العامة عن مركز الفكر والأبحاث لكي تلقى قبولا داخل المجتمع يجب أن تعبر عن مدى قوته الفكرية واستقلاليته المعرفية، ولا بد أن تعبر مراكز الفكر عن ذلك عبر جميع خطوات عملها والتي تبدأ من اختيار الموضوعات التي تعد أكثر أولوية للمجتمع، والالتزام بالموضوعية في التحليل والدراسة، وصولا إلى النتائج والتوصيات التي تتسم بالحياد العلمي والنزاهة المهنية، ولا شك أن النجاح في تحقيق ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى كفاءة الموارد البشرية التي تعد أهم الأصول التي يمكن أن تحظى بها مراكز الفكر، والتي يجب استثمارها بشكل يمنح لمراكز الفكر الاستقلال المعرفي والمهني.

ويفرض الواقع العملي قيودا عديدة على استقلالية مراكز الفكر، وقد يصل الأمر إلى أن يأخذ أحد أشكال الوصاية، وقد تتفاوت هذه الوصاية من حيث حدتها وقوتها إلى درجات متفاوتة، فقد تنخفض درجة الوصاية وتقتصر على تدخل المؤسسات أو الجهات المانحة للتمويل في اختيار بعض الموضوعات التي تشكل جدول الأعمال للمركز البحثية، وقد ترتفع درجة الوصاية من خلال فرض الجهات المانحة للتمويل رؤيتها وتوجهاتها على هذه المراكز، وقد تسعى المراكز إلى تبني توجهات الجهات المانحة للتمويل لتتمكن من توفير التمويل اللازم، ويزداد الأمر خطورة إذا اضطرت المراكز البحثية في سبيل سعيها لتدبير موارها المالية إلى التنازل عن قيمها مما يشوه من استقلالها الفكري ويجعلها تحيد عن دورها الوطني.

وفي سياق ذلك يوضح “توماس ديفيرتنز” أن مراكز الفكر تعلن استقلاليتها المعرفية في مواقف معينة، وتعلن عن تبعيتها أو اعتمادها على الجهات المانحة للتمويل في مواقف أخرى، حيث تعتمد مراكز الفكر على ثلاثة أنواع من العملاء، وذلك من حيث الغرض الذي تستهدفه من عملائها، والذي يمكن تصنيفهم إلى:

  • المجموعة الأولى: وهم العملاء السياسيون وذلك طلبا للدعم والعلاقات السياسية التي يمكن أن يمنحونها.
  • المجموعة الثانية: وهم العملاء الاقتصاديون وذلك طلبا للدعم المالي.
  • المجموعة الثالثة: وهم العملاء الإعلاميون وذلك طلبا للانتشار الإعلامي.

وفي هذا السياق تصبح مراكز الفكر مُسَيرة من قِبل عملائها في اختيار أجندتها البحثية وغير مخيرة في اختيار الأهداف النهائية التي تسعى إلى تحقيقها، طالما استمرت هذه المراكز في تقديم توصيات تلبي رغبات الممولين أو عملائها الرئيسيين، وتدافع عن رؤية عملائها السياسيين والاقتصاديين وتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب مصلحة المجتمع. وسوف يرد ذكر بعض المليارديرات من رجال الأعمال الذين مولوا مراكز لتحقيق مصالح خاصة وذلك عندما نستعرض فساد مراكز الفكر.

ويتسم هذا النوع من المراكز بعدة خصائص أهمها، أولا: ادعائها بأنها تستخدم المنهج العلمي وتلتزم بالحياد في أبحاثها، وثانيا: رفعها لشعارات المصلحة الوطنية أمام الرأي العام، ثالثا: التأثير المتزايد الذي تمارسه في صنع السياسات التي ترضي عملاءها في غياب تام للاستقلال والحياد العلمي.

ثانيا: مراكز الفكر .. بين استشراف المستقبل وتحديات التمويل

1- دور مراكز الفكر في صناعة الأفكار واستشراف المستقبل

“الأفكار هي التي تحكم العالم”.. هكذا وصف أوجست كونت الواقع الذي نعيشه بكل إيجابياته وسلبياته وعلى جميع المستويات، ولذلك فإن إعادة هندسة السلوك للمجتمعات من خلال مراكز الفكر هي السبيل لتغيير الواقع الحالي إلى الحالة المستهدفة في المستقبل، فالسياسات والممارسات والأنظمة والنظريات هي من بنات أفكارنا، فعلى سبيل المثال، عندما فكر الإنسان في إيجاد حل للمشكلة الاقتصادية ظهرت العديد من الأنظمة الاقتصادية المختلفة كالرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وهنا تأتي قيمة الأفكار وأهمية المفكرون ومراكز الفكر في توليد الأفكار والخيارات المبتكرة، وتوفير دوائر للنقاش على مستوى رفيع وتثقيف العامة من المواطنين، إضافة إلى اعتبارها وسيلة داعمة للجهود الرسمية في حل القضايا والمشكلات.

وتعمل مؤسسات الفكر من خلال طرح الأفكار التي تعمل على سد الفجوة بين الجانبين العلمي والتطبيقي، وفي هذا الصدد يمكن تعريف مراكز الفكر بأنها “آليات للتواصل الفكري”، من خلال سعي مراكز الفكر إلى صناعة الأفكار في العديد من المجالات من خلال استخدام منهج البحث العلمي في جمع وتحليل البيانات وصولا إلى الاستراتيجيات والسياسات العامة للدول، وفي إطار ذلك التخطيط الاستراتيجي تؤدي مراكز الفكر مجموعة من الوظائف، أهمها استشراف المستقبل من خلال تقديم رؤى مستقبلية تعمل من خلال التخطيط للنهوض بالواقع الحالي للوصول إلى مستوى أفضل في المستقبل وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية بعيدا عن الارتجال أو النظرة الأحادية، ولعل هذا ما دفع بعض الساسة والمفكرين إلى تسمية مراكز الفكر بــ”خزانات التفكير”، ويتمثل الدور الرئيسي لمراكز في عملية صناعة الأفكار والتي تتضمن ما يلي([2]) :

أ- الإبداع في خلق الأفكار والرؤى: فمراكز الفكر هي المسؤولة عن إطلاق الخيال للسيناريوهات المحتملة للمواقف والسياسات والمخاطر، وإعمال العقل في توليد الأفكار وإيجاد الحلول التي تعمل على درء المخاطر واستغلال الفرص.

ب- نشر المعرفة والترويج للرؤى والأفكار: حيث تسعى مراكز الفكر إلى تعريف المجتمع بما وصلت إليه من أفكار من خلال عقد المحاضرات والندوات وإصدار الكتب والدوريات واللقاءات عبر وسائل الإعلام المختلفة، لتبصير المجتمع وإتاحة الفرصة لاستقراء وجهات النظر المختلفة، بهدف تحديد النقاط التي تشهد اتفاقا أو اختلافا عاما في المجتمع.

ج- ترشيد عملية صناعة القرار: كما تسعى مراكز الفكر إلى ترشيد عملية صناعة السياسة العامة من خلال دراسة المشكلات وتحديد الأولويات في المجالات المتعلقة بالتعليم والصحة والسكان وغيرها من الموضوعات، ثم تحديد بدائل الحل المختلفة وتقييم كل بديل منها من حيث التكلفة والعائد، بحيث يكون صانع القرار على علم بالعواقب المترتبة على تفضيله لقرار أو بديل معين.

2-التحديات التي تواجه مراكز الفكر

على الرغم من تزايد الأهمية العلمية والعملية لمراكز الفكر إلا أنها ما زالت تعاني من ضعف مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية، بالإضافة إلى انخفاض إسهاماتها في رسم السياسات العامة وصناعة القرار، ويرجع ذلك إلى تضافر مجموعة من التحديات والعقبات التي تواجه مراكز الفكر والدراسات والتي تؤثر على فاعليتها في مجال صنع الاستراتيجيات والسياسات العامة ومن ثم في عملية صنع القرارات، ومن أهم هذه التحديات:

أ-تحديات التمويل

يعد توفير التمويل اللازم لمراكز الفكر من أهم وأخطر التحديات التي تواجه مراكز الفكر، حيث يؤثر التمويل بشكل رئيسي في توجهاتها ومدى استقلاليتها العلمية والمهنية، كما يؤثر في اختيار وتحديد الموضوعات التي تشكل أجندتها البحثية، وربما تأتي النتائج والتوصيات غير محايدة ولا تتسم بالاستقلالية إرضاء للجهات المانحة للتمويل، كما يؤثر حجم التمويل في جودة وكفاءة الباحثين، حيث يؤدي ضعف حجم التمويل إلى صعوبة استقطاب وانتقاء الباحثين المتميزين، كما يؤدي نقص الموارد المالية إلى صعوبة الاستعانة بالخبراء، وإعداد برامج لرفع كفاءة الباحثين، وغني عن الذكر أن ضعف الكفاءة العلمية أو المهنية سيؤثر حتما وبشكل سلبي على الجودة العلمية للمنتج النهائي.

ب-تحديات الاستقلال والحياد العلمي

يؤدي استقلال الجانب المالي لمراكز الفكر وقدرتها على توفير احتياجاتها المالية إلى تحقيق استقلال إداري، بالإضافة قدرتها على تحقيق الاستقلال في المجال البحثي (المعرفي والعلمي والمهني)، ويقصد بالاستقلال المعرفي والمهني الموضوعية والحياد وعدم التحيز سواء في اختيار الموضوعات التي تشكل الأجندة البحثية، وكذلك الموضوعية في عرض النتائج والتوصيات التي تتوصل إليها مراكز الفكر والدراسات، وكذلك تتوقف الاستقلالية للمراكز البحثية على مدى توافر الموارد المالية، والقدرة على اتخاذ القرارات وإبداء الرأي في الموضوعات المختلفة، حيث يخضع مستوى الاستقلالية لمجموعة من العوامل المرتبطة بمستوى الحرية السياسية والأمانة العلمية ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي السائد في المجتمع، ولذلك حرصا على مستوى الاستقلالية يجب على مراكز الفكر والدراسات عدم قبول أي دعم مالي أو تبرعات مشروطة.

ويجب أن يكون الباحث موضوعيا وغير متحيز لأي مصلحة من المصالح، وأن يكون مستقلا ومحايدا في كل مرحلة من مراحل عملية البحث، ولا شك أن الاستقلالية العلمية قد تتأثر في بعض الأحيان بالانتماء السياسي أو الأيدولوجي لمراكز الدراسات أو القائمين عليها أو الباحثين أنفسهم، ويؤثر هذا الارتباط أو الانتماء في جميع مراحل البحث والتي تبدأ من عملية اختيار الموضوعات والأولويات في اختيار القضايا المختلفة، ومرورا بالمنهجية العلمية المستخدمة في التحليل والدراسة، وأخيرا النتائج والتوصيات التي قد تتسم بالتحيز وعدم الحياد وعدم الموضوعية.

ويشمل الاستقلال المعرفي أربعة جوانب وهي:

  • الاستقلال الفكري: وهو الحالة الذهنية التي تسمح للباحث بإبداء رأي بنتيجة ما دون الخضوع لأي نوع من الضغوط أو التأثيرات التي تضعف من الحكم العلمي أو المهني، بشكل يتيح للباحث عرض النتائج بنزاهة وموضوعية، مما يتطلب ضرورة أن يكون الباحث مستقلا ذهنيا.
  • استقلال المظهر: ويقصد به عدم تجاهل الحقائق أو تجنب الظروف الهامة التي يمكن طرف آخر بأن يستنتج منها بأن الباحث غير مستقل، وأنه تم الإضعاف من النزاهة والموضوعية.
  • الاستقلال الفعلي: ويعني الإنجاز الذي يتحقق نتيجة الاستقلال الحقيقي عن الانحياز والمصلحة الذاتية والحساسية للضغط أو التأثير غير الملائم وغير الضروري، أي أن الباحث أصبح بالفعل مستقلا في عمله ولا يقع عليه أي تأثير من الغير، مع مراعاة الثوابت الوطنية.
  • الاستقلال المدرك: ويعكس اعتقاد المطلعين على الدراسات والأبحاث ومستخدمي النتائج والتوصيات بأن الاستقلالية الفعلية قد تحققت، فعندما يصبح الباحث مستقلا بالفعل فسوف يدرك صناع القرار والقارئ المتخصص بأن الباحث مستقلا.

ج-تحديات الإبداع الفكري للباحثين

تعتمد تحديات الإبداع الفكري والعلمي في جوهرها على مدى وفرة الموارد المالية التي تمكن مراكز الفكر والدراسات من الاستعانة بخدمات الموارد البشرية التي تتسم بالخبرة والكفاءة، ويقصد بتحديات الإبداع القدرة المستمرة على إجراء تحليل أكثر عمقا للموضوعات والقضايا المختلفة والقدرة على استشراف المستقبل ومن ثم إمكانية توليد الأفكار الجديدة والحلول غير المسبوقة للقضايا المعاصرة والمشكلات المحتملة، وهكذا يشكل القدرة على الاستعانة بالخبرات العلمية والكفاءات البشرية المتميزة أحد التحديات التي تواجه مراكز الفكر عند وضع الرؤى الاستراتيجية ورسم السياسات العامة.

ثالثا: مراكز الفكر وفساد التمويل.. دراسة حالة

حظيت مراكز الفكر باهتمام واسع النطاق إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين وأصبح لها دور هام ورائد في قيادة السياسات العالمية، حيث صارت أداة رئيسية لإنتاج العديد من الرؤى الاستراتيجية والسياسات التنموية في العديد من البلدان المتقدمة([3])، وعلى مدى العقود الماضية تحول بعض مراكز الفكر إلى الانحياز وعدم الاستقلالية وتخلى عن دوره المحايد والوطني، وسنوضح فيما يلي بعض النماذج لفساد التمويل في كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

1- فساد التمويل في مراكز الفكر الأميركية

اتسم النموذج الأميركي بالحياد والاستقلالية في بداياته والتي ترجع إلى عام 1914 عندما أسس المحامي روبرت بروكينجز معهد البحوث والذي عُرف فيما بعد بـ«مؤسسة بروكينجز»، وأراد أن يكون معهد الأبحاث مستقلا ومتحررا من أي مصلحة سياسية أو مالية، وتميز الباحثون العاملون فيه بالموضوعية، والدليل على ذلك عندما اشتكت Coal Company عام 1933 من دراسة قام بها رئيس مركز بروكنجز الاقتصادي روبرت مولتون، فجاء رد مولتون «نحن مهتمون فقط بمعرفة ما الذي يحقق الرفاهية العامة»، واستمرت شهرة المراكز البحثية بالاستقلال الفكري في الستينيات، ثم ظهر مصطلح «مراكز الفكر» في عهد الرئيس الأسبق الأميركي جون كيندي الذي اعتمد بشكل كبير على أبحاث مؤسسة الأبحاث والتطوير “راند” (RAND)، ورحب الرئيس كيندي بشكل واضح بمساهمات مراكز الفكر في النقاشات السياسية، ولكن سرعان ما تحولت تلك المؤسسات إلى الانحياز وعدم الاستقلالية.

ساهمت العديد من العوامل في تحول مراكز الفكر الأميركية من الاستقلالية والموضوعية إلى الانحياز، وبدأ ذلك عندما اتجه الجمهوريون المحافظون ورجال الأعمال إلى تأسيس مراكز أبحاث ذات أهداف اقتصادية وسياسية معينة، فعلى سبيل المثال تأسس معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة (AEI) في عام 1943، والذي أصبح فيما بعد الذراع السياسية للحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية «بارى جولد ووتر».

ومنذ بداية السبعينيات أنفقت العديد من الشركات مبالغ هائلة لتمويل الدراسات التي تؤيد وجهة نظرهم ومن ثمَّ ممارسة ضغط سياسي واقتصادي كبير، وأدى ذلك إلى ظهور العديد من المؤسسات التي ادعت الحياد العلمي، وشملت هذه المؤسسات مركز الدراسات الاسترتيجية والدولية(CSIS) ومعهد الاقتصاد الدولي، وظل التوجيه يأخذ العديد من الأشكال وصولا إلى المرحلة الحالية والتي تميزت بظهور مراكز الفكر ذات المؤسسات الضخمة، حيث كانت مراكز الفكر في الماضي صغيرة الحجم وتتكون من عدد قليل من الباحثين، ولكن مع ظهور جماعات الضغط وأصحاب المصالح سعت تلك المؤسسات إلى استمالة هؤلاء الممولين لتمكينها من استقطاب أعداد كبيرة من الباحثين التي تتطلب أموالا ضخمة، وفي مقابل ذلك تدخل الممولون في عمل بعض المؤسسات بشكل من أشكال تبادل المنافع وإبقاء العلاقة على أسس تجارية، ولكن هذه العلاقة أدت إلى ظهور العديد من مظاهر الفساد على مدى السنوات الماضية([4]).

وتعد مؤسسة New America للدراسات والتي تأسست عام 1999 على يد تيد هالستيد ومايكل ليند من أكثر الأمثلة التي تعكس تأثير الممولين على الكثير من نتائج الدراسات البحثية والاستقلال المعرفي للباحثين، وفي بدايتها كانت تسعى لتتجاوز الانقسامات الحزبية السائدة، وكانت تعمل على تعيين باحثين وفقا لشروط محددة ومن أهمها مدى التزام الباحثين بالموضوعية والاستقلال في العمل، وأصدرت مجموعة من الكتب المثيرة للاهتمام، ولكن في الآونة الأخيرة ثار جدل حول مدى المصداقية التي تواجه الكثير من مراكز الفكر الأميركية، خاصة في ظل تورط المؤسسة في قضايا فساد مالي، فبدلا من أن تعزز مراكز الفكر الثقة العامة اتسم بعضها بانعدام الاستقلال وضعف الثقة وعدم الموضوعية والحياد.

حيث طردت المؤسسة الباحث باري لين المناهض للاحتكار ومؤسس مبادرة «الأسواق المفتوحة» بالمؤسسة، بعدما نشر بيانا على موقعها يؤيد فيه الغرامة المالية المفروضة على شركة غوغل بقيمة 2.7 مليار دولار من جانب الاتحاد الأوروبي بسبب قيامها بممارسات احتكارية، ويناهض باري لين هيمنة الشركات العملاقة في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا على السوق، ولكن سرعان ما اختفى هذا البيان من الموقع الإلكتروني للمؤسسة، ووفقا لصحيفة التايمز فإن ذلك جاء نتيجة لضغوط من شركة ألفابتAlphabet) ) وهي الشركة الأم لشركة غوغل، والتي تعد من أهم الجهات المانحة للتمويل لـ New America. وتعد هذه الحالة مثالا لقضية فساد التمويل في مراكز الفكر الأميركية .

ولقد أكد باري لين أنه طرد من المؤسسة بسبب استسلام الرئيس التنفيذي سلوتر للضغط من قبل غوغل، بينما لا يوجد دليل بشأن طلب غوغل طرد الباحث من المؤسسة أو الإيقاف لبرنامج «الأسواق المفتوحة»، ويتمثل النقد الموجه إلى «سلوتر» في أنها لم توجه تحذيرا للباحث باري لين بشأن تصريحاته بتأييد العقوبات المفروضة على غوغل من جانب الاتحاد الأوروبي وكذلك برنامجه المناهض للاحتكار. 

كما مولت New America برامج أخرى بخلاف برنامج “الأسواق المفتوحة” للباحث باري لين، مثل برنامج “حملة إصلاح الديون” بتمويل من رجل الأعمال بيتر جورج بيترسون، والذي أثار جدلا في عام 2012 عندما اتهم الباحث في هذا البرنامج بالتخلي عن رؤيته التقليدية لصالح مبادئ الحزب الجمهوري، مما يعني أن معظم البرامج والمشاريع يحدث حولها صراعات بين الممولين والباحثين([5]).

2- فساد التمويل في مراكز الفكر البريطانية

تبرز تجربة “كامبريدج أناليتيكا ” كأحد مؤشرات فساد التمويل في مراكز الفكر البريطانية، و”كامبريدج أناليتيكا ” شركة تابعة لمجموعة إس سي إل البريطانية(Group SCL) ، وتعمل في مجال جمع البيانات وتحليلها للوصول إلى استنتاجات وتوقعات لسلوك الأفراد ولا سيما أثناء العمليات الانتخابية، وتُطلق المجموعة على اسمها «الوكالة العالمية لإدارة الانتخابات».

تأسست أناليتيكا عام 2013 وهي مملوكة جزئيا لرجل الأعمال الأميركي والسياسي من حزب المحافظين روبرت ميرسر الذي يعرف بدعمه لأحزاب على حساب أحزاب أخرى، وتبلغ استثماراته في شركة أناليتيكا 15 مليون دولار، بينما تراوحت حصة شريكه ستيف بانون ما بين 1 و5 ملايين دولار، إلا أنه سحب نصيبه في أبريل من عام 2017 باعتباره كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض، كما تملك الشركة مكاتب لها في لندن ونيويورك وواشنطن.

وشاركت كامبريدج أناليتيكا في 44 سباقا سياسيا حول العالم، وزادت شهرتها في هذا المجال عندما عملت على جمع بيانات مهمة وتحليلها فيما يخص حملة الانتخابات الرئاسية لدونالد ترامب عام 2016، والاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكسيت”، كما كان لها دور بارز في كثير من الحملات المثيرة للجدل في عدد من البلدان.

وفي 17 مارس عام 2018 ذكرت نيويورك تايمز وذا أوبزرفر أن أناليتيكا استخدمت معلومات شخصية لمستخدمي موقع فيسبوك بدون إذن مسبق من الجهات المعنية بالأمر، وادعت أنها تجمع تلك المعلومات بهدف استخدامها في أغراض البحث العلمي والأكاديمي، بينما استخدمت الشركة تلك المعلومات في حملات تضليل استهدفت الناخبين للتأثير في أفكارهم، وذكرت الجارديان أن شركة فيسبوك كانت على علم بهذا الخرق الأمني وتقاعست عن حماية مستخدميها، وأجرت القناة الرابعة البريطانية سلسلة من التحقيقات التي نشرتها في مارس 2018، والتي ظهر فيها الرئيس التنفيذي للشركة ألكسندر نيكس وهو يتفاخر بدور أناليتيكا في التأثير على الانتخابات من خلال القيام بأنشطة غير مشروعة، مثل استخدام الفتيات والرشاوى لتشويه سمعة السياسيين المعارضين، وكذلك دورها في مساعدة الرئيس دونالد ترامب في حملته الرقمية على مواقع التواصل.

وتستخدم أناليتيكا أساليب فعالة في جمع تحليل البيانات، وتتعاقد مع باحثين من جامعة كامبريدج بهدف جمع بيانات الناخبين باستخدام مصادر مثل التركيبة السكانية وسلوك المستهلك والجاسوسية الرقمية وغيرها من المصادر. ووفقا لصحيفة الجارديان فإن أناليتيكا اعتمدت على بيانات المستخدمين السرية التي استمدتها من ملايين المستخدمين من موقع فيسبوك دون أخد إذن منهم أو معرفتهم بذلك، وذلك عندما طور ألكساندر كوجان، وهو عالم بيانات في جامعة كامبريدج تطبيق سمّاه “هذه هي حياتك الرقمية” في الحصول على بيانات مئات الآلاف من مستخدمي فيسبوك الذين أجابوا على استبيان نشرته الشركة وادعت أنّه «للاستخدام الأكاديمي» فقط، وسمحَ «تصميم فيسبوك» لهذا التطبيق جمع المعلومات الشخصية ليس فقط للأشخاص الذين وافقوا على إجراء الاستطلاع، ولكن أيضا بجمع المعلومات الشخصية لجميع الأشخاص الموجودين لديهم في قائمة الأصدقاء أو تحدثوا معهم عبر الرسائل، وبهذه الطريقة تمكّنت أناليتيكا من جمع بيانات ملايين المستخدمين على منصّة فيسبوك دون علمهم.

ولاحقا أكّد فيسبوك أن عدد من جُمعت بياناتهم قد بلغ 87 مليون مستخدما في الولايات المتحدة. وبذلك تمكّنت أناليتيكا من جمع بيانات كافية للبدء في عملية التخطيط الشخصي للمجتمع، وهو ما مكّنها من إنشاء ملف تعريفي لكلّ مستخدم ومن ثم استهدافهم بنوعيّة من «الإعلانات الأكثر فاعليّة» لإقناع الشخص بمرشح سياسيّ ما أو تغيير وجهة نظره حول موضوع سياسي أو مرشح سياسي. وكانت ولاية كاليفورنيا هي أكثر الولايات تأثرا، حيث بلغ عدد المستخدمين 6.7 ملايين، ويليها ولاية تكساس بـ 5.6 ملايين ثمّ فلوريدا بـ 4.3 ملايين، وهي الولايات التي كانت تنخفض فيها شعبية دونالد ترامب.

رابعا: كيف يمكن لمراكز الفكر أن تمول نفسها؟

حاولت هذه الدراسة تسليط بعض الضوء على الجانب المالي لمؤسسات مراكز الفكر ( (Think Tanksمن خلال استعراض أهم التصنيفات الشائعة لمراكز الفكر مع تركيز الضوء على مصادر التمويل التي تستقي منها مراكز الفكر مواردها المالية، وكما يمثل التمويل ضرورة للبقاء والنمو فإنه يعد من أهم وأخطر التحديات التي تواجه مراكز الفكر والدراسات، حيث يؤثر التمويل بشكل رئيسي في توجهاتها ومدى استقلاليتها العلمية والمهنية، وقد يستخدمها بعض الممولين كأداة للضغط والوصاية على مراكز الفكر، مما يبعدها عن الحياد والموضوعية ويضعف استقلاليتها، كما يؤدي ضعف التمويل إلى صعوبة استقطاب الكفاءات من الموارد البشرية المؤهلة علميا وعمليا.

ولذلك يجب التأكيد دوما على رؤية روبرت بروكنجز بأن تعمل الأبحاث بموضوعية واستقلال على سد الفجوة البحثية بدون أن تتورط في الانحياز الحزبي أو الاستسلام أمام الإغراءات المالية، وربما يكون من الصعب التحلي بالالتزام الصارم لتلك المعايير، لذلك ينادي البعض بضرورة الفصل بين المال وصناعة السياسات العامة وإحياء الرؤية السليمة لمراكز الفكر والتي تتميز بالاستقلالية.

ولما كان ضعف التمويل هو أحد أهم التحديات التي تواجه مراكز الفكر فإنه يمكن عرض مجموعة من الآليات والأدوات والتي تعد بمثابة بدائل مقترحة تعمل على توفير آليات متنوعة لتمكين مراكز الفكر من تمويل نفسها، ويمكن عرض هذه الآليات على النحو التالي:

1-آلية إنشاء هيئة مؤسسين لمراكز الفكر

لا تزال مراكز الفكر في مهدها ومراحلها الأولى في دولنا العربية والدول الساعية للتقدم، والتي تتسم بانخفاض الإنفاق على البحث العلمي على الرغم من أهميته الحيوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مما يتطلب ضرورة تدخل الدول لإنشاء ما يشبه “حاضنات” لمراكز الفكر، تتمتع بدعم ورعاية الدولة في مرحلة انتقالية حتى تصبح قادرة على تمويل نفسها ذاتيا، وتحقيق إيرادات سواء من خلال التعاقد على إعداد مشروعات بحثية لصاح الغير أو من خلال أي نشاط آخر يدر عليها عائدا، ولضمان متابعة خطط تطوير مراكز الفكر والعمل على تهيئة البيئة الملائمة في الجوانب الإدارية والتمويلية والقانونية لدعم مشاركة القطاع الخاص، والعمل على علاج المعوقات والمشكلات التي تؤثر على استقلال مراكز الفكر، ويمكن تنفيذ ذلك من خلال الخطوات التالية:

أ-إنشاء هيئة تتولى الإشراف والرقابة على أنشطة المراكز البحثية، وتعمل على منع تكرار الدراسات العلمية التي لا تضيف جديدا للحد من زيادة الإنفاق بدون جدوى، كما تقيّم مستوى الدراسات للوقوف على مستوى الكفاءة البحثية بهدف استقطاب الباحثين المتميزين، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم الذي يسهم في تكوينه هيئة المؤسسين، كما تهتم برسم أطر للتعاون بين مراكز الفكر داخل الدولة أو خارجها.

ب- فتح الباب أمام جميع مؤسسات القطاع الخاص للانضمام إلى هيئة المؤسسين من خلال المساهمة بحصص نقدية في تجميع وتكوين رأس المال اللازم للتمويل، على أن يتم إتاحة الفرصة لجميع الشركات والمشروعات الإنتاجية والخدمية والمؤسسات الأكاديمية والتطبيقية والتكنولوجية والهيئات الربحية وغير الربحية، وغيرها من المنظمات التي تؤمن بأهمية البحث العلمي في تحقيق التنمية، وتمتلك رغبة وطنية للارتقاء والنهوض بالبحث العلمي. وليس هناك ما يدعو إلى الشك في أن مساهمة هذه المنظمات في الدعم المادي وبدافع من مسؤوليتها الاجتماعية تجاه تحقيق مصلحة جميع أفراد المجتمع ككل، سوف يكسب هذه المنظمات الاحترام والتقدير من أفراد المجتمع، وتقديرا لدور هذه المنظمات فإن العلامة التجارية الخاصة بها ستكون حاضرة في جميع الندوات والمؤتمرات والفعاليات التي ستنظمها مراكز الفكر لنشر الوعي وعرض رؤيتها في القضايا المختلفة.

ج- تجميع رأس المال الذي تم تكوينه من خلال المساهمات النقدية لأعضاء هيئة المؤسسين في تكوين محفظة مالية، وأن يتم إدارتها من خلال استثمارها بما يحقق عائدا ثابتا عند مستوى ملائم من المخاطرة، ويمكن تحقيق ذلك في خلال الاستثمار في السندات أو أذون الخزانة الحكومية ذات العائد الخالي من المخاطرة، ويستخدم هذا العائد في تمويل النفقات اللازمة لتسيير أعمال مراكز الفكر وعلى رأسها نفقات الباحثين، وذلك حفاظا على رأس المال من النقص أو التآكل.

د قيام الدولة من خلال أحد الأجهزة الرقابية التابعة لها، مثل البنك المركزى، بالإشراف والرقابة على إدارة هذه المحفظة المالية بهدف المحافظة رأس المال من التآكل أو سوء الإدارة، وللتأكد من عدم استخدام هذه الأموال في أي عمليات غير مشروعة مثل عمليات غسيل الأموال أو دعم وتمويل العمليات الإرهابية.

ه قيام الهيئة المعنية بالإشراف والرقابة على أنشطة المراكز البحثية، والتي أنشئت طبقا للخطوة الأولى، بمتابعة أعمال مراكز الفكر والعمل على رفع مستوى الإنتاج الفكري والعلمي والفكري من خلال الاستفادة من خبرات الباحثين المتميزين عن طريق المساهمة في إعداد الأبحاث والدراسات في المجالات المختلفة، وكذلك المساهمة في رفع مستوى الكوادر البشرية من خلال برامج التأهيل والتدريب للباحثين.

2-آلية الاندماج

الاندماج هو أحد الأدوات الرئيسية والهامة لتحقيق التكامل والنمو والقدرة على المنافسة ومواجهة التحديات، ويعرف الاندماج بأنه اتفاق بين مؤسستين أو أكثر لضم كافة الموارد الخاصة بهما، والاتحاد في وحدة واحدة لتتحول إلى كيان واحد يتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن المؤسسات التي اندمجت معا، ويحقق الاندماج للمؤسسات عديد من المزايا أهمها خفض التكاليف ونقل المعرفة والمحافظة على الجودة، وذلك إذا تم الاندماج بين مجموعة من المراكز المتخصصة في أحد المجالات يتيح لها فرصة الاستفادة من الكفاءات والخبرات الجديدة، أما إذا كان الاندماج بين مجموعة من المراكز المتنوعة في التخصصات فإنه إضافة إلى المزايا السابقة يسهم الاندماج بشكل إيجابي في تنوع الموضوعات وتعدد القضايا والمجالات التي يمكن أن تتناولها الدراسات والأبحاث التي يعدها المركز، وعلى الرغم من الإيجابيات العديدة لقرار الاندماج إلا أنه لا يخلو من العقبات والمشكلات، فقرار الاندماج ليس قرار سهلا ويتطلب قناعة الإدارة العليا في المؤسسات المندمجة بهذا القرار كأحد الحلول للبقاء والنمو، كما تعد المشكلات المتعلقة بتحديد أفراد مجلس الإدارة الجديد وإعداد الهيكل التنظيمي الجديد وما يترتب عليه من الاستغناء عن بعض الباحثين، هي أهم التحديات التي تواجه قرار الاندماج.

والسؤال الآن: ما البدائل المقترحة لدعم استمرار مراكز الفكر في حالة عدم تفضيل قرار الاندماج؟

يقع ضعف وندرة التمويل اللازم على رأس التحديات والمعوقات التي تعاني منها مراكز الفكر، مما يتطلب ضرورة العمل على خلق مصادر تمويلية لضمان استمرارية عملها من خلال:

  • توجيه الدعم المالي والمادي والمعنوي والبشري على المستوى الحكومي للمؤسسات العلمية ومراكز الفكر، ومنحها الثقة من خلال توطيد العلاقة بين المراكز البحثية وصانع القرار في الدولة، والاستعانة بها بدون تهويل أو تهوين لدورها في صنع القرار.
  • زيادة الاعتمادات المالية المخصصة في الموازنة العامة للدولة للبحث العلمي من خلال تخصيص نسبة من إيرادات الضرائب على أرباح الشركات للإنفاق على البحث العلمي.
  • إنشاء هيئة تتولى الإشراف والراقبة على أنشطة المراكز البحثية، وذلك منعا لتكرار الدراسات العلمية التي لا تضيف جديدا للحد من زيادة النفقات بدون جدوى، كما تُقيم مستوى الدراسات لتحديد الباحثين المتميزين وتوفير التمويل اللازم، كما تهتم برسم أطر للتعاون بين مراكز الفكر داخل الدولة أو خارجها.
  • تخصيص جائزة مالية تمنح للمركز الحائز على أفضل دراسة في أحد الموضوعات أو القضايا الهامة التي ترغب الدولة في إيجاد حلول لها، من أجل رفع روح المنافسة بين مراكز الفكر.
  • إنشاء هيئة عربية تابعة لجامعة الدول العربية، تهتم بتمويل مراكز البحوث في البلدان العربية ودعم التعاون فيما بينها للاستفادة من نتائج البحوث العربية في القضايا المشتركة، أو تأسيس مؤسسة عربية مستقلة لتمويل البحوث يسهم في تمويل رأسمالها الدول الأعضاء في الجامعة العربية لتنمية عمل مراكز الفكر في الدول العربية ودعم أبحاثها، ويتطلب ذلك في البداية إنشاء قاعدة معلومات عن جميع البحوث العربية وفقا للتخصصات والنتائج التي تمخضت عنها لتكون قاعدة انطلاق للمشروعات البحثية في المستقبل.
  • ضرورة الاهتمام بالبحوث التطبيقية ودفع الباحثين للاستفادة من مشاكل الواقع وتقديم الحلول لها.
  • ضرورة استقلال البحث العلمي ماليا وإداريا وذلك لأهمية تمتع الباحث بالاستقلال والحياد والنزاهة، ويجب على مراكز الفكر عدم قبول أي دعم مالي أو تبرعات مشروطة، وذلك وحرصا على نزاهتها واستقلاليتها العلمية.
  • ضرورة الاهتمام بتسويق الأفكار والحلول التي تنتجها مصانع الأفكار عن طريق التسويق لها عبر الندوات وعقد المحاضرات والعمل على نشر الأفكار والترويج لها من خلال الكتب والمجلات ووسائل الإعلام المختلفة.
  • يتطلب التفكير الجاد في تنمية الموارد المالية لمراكز البحوث تضافر الجهود بين ضرورة زيادة ميزانيات البحث والتطوير وتشجيع التمويل الوطني من خلال مساهمة المؤسسات ورجال الأعمال والتي يمكن استثمارها من خلال الوقف المالي لدعم مسيرة هذه المراكز.
  • تفعيل دور مؤسسات القطاع الخاص من خلال مسؤوليتها الاجتماعية في دعم البحث العلمي للنهوض بالمجتمعات من خلال تخصيص نسبة من أرباح الشركات للإنفاق على البحث العلمي.
  • في ظل ندرة الأموال اللازمة لتمويل مراكز الفكر لا بد من الاهتمام بالجودة والكفاءة على حساب الكم أو العدد، وذلك من خلال وضع تشريعات واضحة لقواعد تأسيس المراكز البحثية من شأنها أن تعمل على تنميتها وتطوير أدائها، ويمنع وجود أو استمرار الكيانات الضعيفة، ولعل دمج المراكز البحثية تحت إشراف هيئة رقابية واحدة من شأنه تنمية وتطوير البحث العلمي، إلى جانب زيادة الاعتمادات المالية المخصصة للمجال البحثي.
  • وضع المهام الإدارية والمالية للبحث العلمي تحت إشراف وزارة واحدة معنية بشؤون البحث العلمي لكي يسهل مسآلتها أمام البرلمان في حالة وجود أي تقصير أو انحراف، ومنعا للبيروقراطية أو الشتات في العمل البحثي.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) اضغط هنا

المراجع

  • محمود إبراهيم متولي، المصانع المفقودة مراكز الفكر العربية ودورها في صناعة القرار، المركز الديمقراطي العربي، 2/11/2017، الرابط: https://bit.ly/2Zdk5Y3.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير المعرفة العربى للعام 2009 نحو تواصل معرفي منتج، (الإمارات العربية المتحدة، 2009)، الرابط: https://bit.ly/2Oo6vfZ.
  • عدنان فرحان الجوارين، نحو دور مؤثر لمراكز الأبحاث والدراسات العربية، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 7/2/2016، الرابط: https://bit.ly/3b6eLeA.
  • مراكز الأبحاث الأمريكية والسياسة الأمريكية، مركز دراسات الصين وآسيا، الرابط: https://bit.ly/2OoUV4e.
  • بسمة خليل نامق، مؤسسات الفكر ودورها في صياغة السياسة الخارجية للدولة، مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، (جامعة القادسية، العراق، العدد الثاني، 2009)، الرابط: https://bit.ly/36PHpNp.
  • فساد التمويل في مراكز الأبحاث الأمريكية، الشروق، 20/9/2017، الرابط: https://bit.ly/2BtmMtd.
  • عباس علي محمد الحسيني، كيف نجعل من مركز البحوث مصدرا لانتاج الأفكار وليس مجرد مستودعا لتجميع المعلومات دراسة في الواقع العربي والعراقي، 2015، الملحقية الثقافية العراقية في الأردن، الرابط: https://bit.ly/2On9XI2.
  • James G. McGann, 2018 Global Go To Think Tank Index Report, (USA, University of Pennsylvania, 2019), link: https://bit.ly/30KFbNZ.
  • Howard J. Wiarda, The New power houses:think tanks and foreign policy, American foreign policy interests,18/4/2008, link: https://bit.ly/37ST6o9.
  • Howard J. Wiarda, Think tanks and foreign policy in a globalized world: New ideas, new “tanks,” new directions, 12/11/2015, link: https://bit.ly/2OmWX4R.
  1. Howard J. Wiarda, The New power houses:think tanks and foreign policy, American foreign policy interests,18/4/2008, p 114, link: https://bit.ly/37ST6o9.
  2. محمود إبراهيم متولي، المصانع المفقودة مراكز الفكر العربية ودورها في صناعة القرار، المركز الديمقراطى العربي، 2/11/2017، الرابط: https://bit.ly/2Zdk5Y3.
  3. بسمة خليل نامق، مؤسسات الفكر ودورها في صياغة السياسة الخارجية للدولة، مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، (جامعة القادسية، العراق، العدد الثاني، 2009)، الرابط: https://bit.ly/36PHpNp.
  4. فساد التمويل في مراكز الأبحاث الأمريكية، الشروق، 20/9/2017، الرابط: https://bit.ly/2BtmMtd.
  5. المرجع السابق.

العلامات: