اكتب أي شيء للبحث

«مبادرة هرمز» الإيرانية.. الدلالات واستراتيجية التعامل

مشاركة

 مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

مدخل

تتلون إيران كالحرباء التي تتغذى على الأزمات وتستنزف الوقت لصالح مشروعها الطائفي.. تلك هي سمة سياستها الخارجية التي أنتجت “مبادرة هرمز”، ويبدو مسمى المبادرة التي أطلقتها إيران (هرمز) محاولة غير مباشرة لسلخ توصيف الخليج العربي عن المنطقة. فمع تصاعد حدة التوترات بمياه الخليج العربي على خلفية توجه أميركا لتصفير صادرات النفط الإيراني منذ مطلع مايو 2019، دفعت طهران باتجاه ممارسة أعمال القرصنة في مياه الخليج على ناقلات النفط الدولية لموازنة الضغوط بينها وبين الدول الخليجية والتأثير في قرارات القوى الدولية المستوردة للنفط من الخليج وصولا إلى مبادرة “هرمز” الإيرانية التي أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني عن طرحها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي مع تكثيف التواجد العسكري في المنطقة.

المحور الأول: المبادرة الإيرانية.. المبادئ والدلالات

استعرض وزير الشؤون الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الخطوط العريضة لـ”مبادرة هرمز للسلام والأمن في منطقة الخليج” أو “مشروع الأمل” (Hormuz Peace Endeavor: HOPE) عبر مقال له نُشر في صحيفة الراي الكويتية، والتي تعد على حد وصفه “خطة للتعاون الإقليمي” تهدف إلى ضمان أمن الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان، وقد تضمنت أربعة مبادئ رئيسة([1]):

أولا: المبادئ الأربعة للمبادرة الإيرانية

  •  الالتزام بأهداف ومبادئ الأمم المتحدة، والاحتكام إلى القانون الدولي في شأن أي منازعات بين دول المنطقة.
  •  عدم الاعتداء: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والمكانة المتساوية لكل دول المنطقة ورفض التهديد أو اللجوء للعنف في حل الخلافات، علاوة على تجنب المشاركة في أي حلف أو تحالف عسكري يستهدف أمن أي من الطرفين.
  • عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام المقدسات والرموز الوطنية والدينية لكلا الجانبين.
  • توفير إطار إقليمي للأمن الجماعي بمشاركة دول المنطقة (السعودية- العراق – الكويت -إيران – قطر – الإمارات – عُمان – البحرين) في مجال الطاقة وضمان حرية الملاحة والنقل الحر للنفط والموارد الأخرى وتعزيز التبادل التجاري فيما بينها.

ثانيا: دلالات توقيت طرح المبادرة

يحمل التوقيت الذي طرحت فيه المبادرة دلالات هامة داخلية وخارجية أثرت في مجمل تحركات إيران، كالتالي:

  •  الاضطرابات الداخلية وموجات الاحتجاج المستمرة نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية للشعب الإيراني بفعل العقوبات الأميركية.
  •  إلغاء الاستثناءات من العقوبات الأميركية الممنوحة لخمس دول مستوردة للنفط الإيراني (تركيا – الهند – الصين – اليابان – كوريا الجنوبية) التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع مايو 2019 في إطار سياسة أميركا لتصفير واردات النفط في خزينة إيران.
  •  تشكيل واشنطن لتحالف دولي لتوفير أجواء آمنة لضمان حرية الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان، بمشاركة السعودية والبحرين والكويت وقطر والإمارات والمملكة المتحدة وأستراليا وألبانيا.
  •  ردود الفعل الدولية الغاضبة إزاء الاعتداء الإيراني على منشأتي نفط سعوديتين منتصف سبتمبر الماضي.
  •  تصاعد خطاب الانسحاب الأميركي من المنطقة كوسيلة للضغط على القوى الخليجية بشأن تأهيل طهران لدور شرطي الخليج في أعقاب الانسحاب المنتظر.

المحور الثاني: المواقف وردود الفعل

أولا: الدائرة الخليجية

يتبدى الموقف الخليجي الموحد إزاء المبادرة ضمنيا من خلال البيان الختامي للقمة الخليجية التي عقدت في العاشر من ديسمبر 2019، حيث باركت انطلاق أعمال التحالف البحري من البحرين لحماية الملاحة بمياه الخليج بقيادة أميركا ومشاركة خمس من دول مجلس التعاون، وهو التحالف المناقض لجوهر المطلب الإيراني الساعي لطرد القوات الأجنبية من المنطقة وعلى رأسها القوات الأميركية، وفيما يلي إيراد لمواقف دول الخليج العربي من المبادرة:

1-دور عُمان والكويت في المبادرة

تعول طهران على علاقاتها مع عُمان والكويت في بذل جهود الوساطة بين إيران وباقي دول الخليج التي لا تجمعها علاقات مباشرة بطهران نتيجة لدورها التخريبي في أحداث الشغب بالمنامة عام 2011، والهجمات العدوانية من قبل طهران وميليشياتها على الأراضي السعودية والإماراتية.

وسعت إيران لاستمالة دولة الكويت في دعم المبادرة وإرسالها مباشرة إلى كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وحثت الكويت على لسان رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد الصباح طهران على إبداء حسن النية تجاه دول الجوار وبناء علاقات طبيعية وتحسين علاقاتها مع دول العالم المستفيدة من المبادرة حتى يتم قبولها، وهو ما يعد رفضا ضمنيا من الكويت، تمسكها بوحدة الصف الخليجي في مواجهة مساعي إيران لتفتيت مجلس التعاون الخليجي وإحداث شرخ في بنيته.

فين حين أعربت مسقط عن رؤيتها للتهدئة بمنطقة الخليج عبر الدخول في حوار مفتوح وشامل بين إيران ودول الخليج، في محاولة لدفع الحرج عن موقفها إزاء المبادرة والتزاما بسياسة التوازن التي أرساها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، حيث تفضل السلطنة بعث رسائل التهدئة والبقاء على مسافة واحدة من المبادرة الإيرانية والعملية العسكرية الأميركية التي لم تشارك فيها.

2-مواقف باقي الدول الخليجية من المبادرة

وجاء رد قطر متناقضا ومرتبكا، حيث أعلن وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني خلال زيارته إلى طهران أوائل يناير 2020 عن دعم المبادرة الإيرانية في أعقاب مقتل قاسم سليماني، مدفوعا فيما يبدو بمخاوف تحميل الدوحة مسؤولية الاستهداف بتوفير الدعم اللوجستي أو اتخاذ الأراضي القطرية منطلقا للطائرات المنفذة للهجوم، وهو ما يعني قبول قطر بخروج القوات الأميركية والتركية من البلاد، وهو ما يقف عائقا وحيدا أمام الموافقة الكاملة للدوحة على المبادرة، في حين تشارك قطر في “عملية الحارس” لضمان حرية الملاحة في الخليج وتضاعف الدعم النقدي للحليف الأميركي لتوسيع قاعدة العديد.

بينما تتلخص مواقف دول السعودية والإمارات والبحرين في الرفض القاطع للمبادرة الساعية لتخفيف الضغوط الدولية على طهران في ملفات البرنامج النووي والنشاط التخريبي للميليشيات الإيرانية في المنطقة، والتي تمثل تهديدا لدول الخليج وتهديدا لعمقها، وانطلاقا من قناعة راسخة بأنها تخدم مصالح طهران وحدها وتتجاهل مصالح الخليج، وذلك في ضوء مجموعة شواهد:

  1.  احتلال الجزر الإماراتية ورفضها الاحتكام إلى القانون الدولي.
  2.  مبادرة عدم الاعتداء التي طرحتها طهران منتصف العام الماضي بوساطة عراقية في أعقاب استهدافها محطتي نفط وسط السعودية.
  3.  استهداف ناقلات النفط في مياه الخليج قبل إعلان انطلاق عملية “الحارس”
  4.  استهداف منشأتي نفط سعوديتين في خريص وبقيق منتصف سبتمبر الماضي.
  5.  مساعي طهران للسيطرة على ثروات منطقة الخليج عبر تفكيك بنية مجلس التعاون.
  6.  التصريحات الاستفزازية من قادة الحرس الثوري الإيراني بأن الكويت والبحرين أراضٍ إيرانية.

ثانيا: الدائرة الدولية

اتخذت القوى الدولية مسارات متباينة في التعامل مع إيران، غير أنها اتفقت في أغلبها على طرح رؤى مغايرة لطرح طهران بشأن حرية الملاحة بالخليج؛ انطلاقا من الحاجة الماسة لوجود أطراف دولية تتولى الدفاع عن منطقة الخليج العربي في إطار الشراكات الأمنية الراسخة بمواجهة الاعتداءات الإيرانية أو تعمل بحد أدنى كضامن للسلام في الخليج، بجانب الحاجة لبناء نظام للأمن الجماعي يغطي كامل منطقة الشرق الأوسط.

1- موقف أميركا و”عملية الحارس”

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق عملية “الحارس البحرية” في 20 يوليو الماضي لتقويض التهديدات الإيرانية لحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وانطلاقها فعليا في نوفمبر الماضي، وهو ما أفشل “مبادرة هرمز” قبل طرحها بتأكيد الشراكة الأمنية القوية بين أميركا والدول الخليجية.

2- الموقف الأوروبي

احتضنت أبو ظبي قيادة مهمة المراقبة الأوروبية بقيادة فرنسا، والتي حرصت على تأكيد تفردها عن التحالف الأميركي وموازنة مصالحها بين دول الخليج وإيران كونها مهمة مراقبة لحركة الملاحة، ولا تسعى لأي مواجهات مع طهران.

3- الموقف الروسي

أعلنت موسكو في 23 يوليو 2019 تبنيها لمبادرة جديدة، وتضمنت المبادرة بنودا هامة في سبيل تدشين منظمة للأمن والتعاون بين دول المنطقة، وفيما يلي أبرز بنود المبادرة:

  •  بناء تحالف لمكافحة الإرهاب، وضمان التسوية السياسية في سوريا واليمن.
  •  احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
  •  الالتزام المتبادل بالشفافية العسكرية والتباحث حول العقائد العسكرية.
  •  توقيع اتفاقات لضبط التسلح وإنشاء مناطق منزوعة السلاح بين الجانبين، وإخلاء والمنطقة من أسلحة الدمار الشامل.
  •  تقليص الوجود العسكري الأجنبي تدريجيا بالتوازي مع رسوخ النظام الأمني المزمع تدشينه مع وجود قوى ضامنة لتنفيذ تلك البنود وهي: أميركا وروسيا والصين والهند والاتحاد الأوروبي.

4- الموقف الصيني

يقترب الموقف الصيني من نظيره الروسي الساعي لتدشين نظام أمني متكامل يحقق الاستقرار في المنطقة، حيث أعربت بكين عن ترحيبها بالمبادرة، كما أن الموقف الصيني لا يتعارض مع المبادرة الإيرانية بهذا المنطق إن لم يكن يدعمها في سياق تحقيق الاستقرار لسوق النفط العالمي وتقليص الوجود العسكري الأميركي بالشرق الأوسط.

المحور الثالث: بلورة مبادرة خليجية لإحلال الأمن في الخليج العربي

يتطلب الظرف الراهن من دول الخليج أن تدحض الفروض التي أقامت عليها طهران مبادرتها التي تعتبر امتدادا لمناورات السلام الزائف للالتفاف على الحصار الخانق الذي فرضته استراتيجية الضغط الأقصى، وتفضح ممارساتها العدائية تجاه الخليج، ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة من أجل تحييد الأطراف الدولية الداعمة للمبادرة، تمهيدا لفرض شروطها وفق مبادرة خليجية تحقق الأمن والاستقرار بالمنطقة عبر ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: تحييد القوى الدولية

ويستهدف تعميق الشراكات الاقتصادية والأمنية مع كل من روسيا والصين والهند واليابان لتحييد تلك القوى عن دعم أو تأييد الموقف الإيراني قبل الخوض في مفاوضات مباشرة مع نظام الملالي بتنازلات أكبر لإثبات حسن النية وذلك عبر:

  1. توحيد المواقف الخليجية والدولية إزاء رفض المبادرة الإيرانية.
  2.  تعزيز “المباحثات الخليجية الجماعية” مع القوى الدولية بشأن أمن منطقة الخليج العربي.
  3.  توقيع اتفاقيات تعاون مع الصين في مجالات الطاقة النظيفة وتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي.
  4.  تعزيز التعاون النفطي مع روسيا في إطار آلية “OPEC +” .
  5.  توقيع اتفاقات تسليح مع كلا الجانبين في إطار تعزيز التعاون العسكري والأمني.

المستوى الثاني: تصعيد الموقف الخليجي

  1.  إدانة تصريحات قادة الحرس الثوري بشأن الكويت والبحرين، وإطلاع القوى الدولية على قضايا التجسس في الكويت باعتبارها إخلالا بالتزامات طهران الدولية.
  2.  وقف تدخلات طهران المخلة بأمن الخليج والمنطقة العربية.
  3.  إبرام اتفاقات تتعهد بموجبها إيران بتقليص قدراتها الصاروخية ومنع امتلاكها أسلحة دمار شامل.
  4.  الانسحاب من الجزر الإماراتية المحتلة.
  5. الانسحاب غير المشروط من سوريا.
  6.  وقف الدعم العسكري والمالي للحوثين باليمن وميليشيات “حزب الله” بلبنان.
  7. الانخراط الإيجابي في حل الأزمتين السورية واليمنية والانصياع لمقتضيات إيجاد تسوية سياسية شاملة.

المستوى الثالث: المبادرة الخليجية

وتركز على إيراد الضمانات اللازمة للجم إيران ووقف سياساتها العدائية من خلال توقيع اتفاق أمني يتضمن بنودا رادعة كالتالي:

  1. وجود قوة متعددة الجنسيات تتولى حماية الملاحة الدولية عبر مياه الخليج العربي.
  2.  التزام الأطراف الموقعة وعلى رأسها إيران بالتقاضي أمام المحاكم الدولية في المنازعات التي تنشأ بينها.
  3.  تدشين دائرة تقاضي بمشاركة الدول الخليجية لمحاكمة مثيري الفوضى من إيران أيا كانت مواقعهم، ومحاسبتهم على تصريحاتهم إزاء سيادة الدول الخليجية على أراضيها.
  4.  وقف المناورات العسكرية بمياه الخليج.
  5. تبادل المعلومات بشأن الأنشطة النووية والصاروخية الإيرانية.

خاتمة

تأتي المبادرة في ظل وضع اقتصادي خانق وتململ داخلي من سياسات الملالي، ووجود مكثف للقوات الأجنبية بالخليج يحد من قدرة إيران على تصدير أدنى حد من مواردها النفطية، ناهيك عن التحرك بحرية في مياه الخليج والعبث بمقدرات دوله.

وتعد الخبرات السابقة لتحركات إيران ومناوراتها السياسية بالخليج حاكمة بفشل “مبادرة هرمز” والمحاولات الدولية لتسويقها ما لم تتخلَ طهران عن سياساتها المزعزعة لاستقرار المنطقة

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) إضغط هنا

 

العلامات: